لم تتمكن الطبقات الإسفلتية المتعددة في سوق "القدموس" القديم من تغيير معالم محلاته ودكاكينه القديمة، وبحسب مختار المنطقة "أسعد عبد الله سليم" والجولة التي قام بها موقع eTartus ما تزال بعض تلك الغرف تحتفظ بأجزاء من أسقفها الخشبية وتحافظ أغلبها على جدرانها الحجرية.

كمركز تجاري وخدمي تجاوزت أهميته حدود المنطقة لتشمل العديد من قرى الجبال المحيطة كما يبيّن في حديثه: «بقي سوق "القدموس" منذ ثلاثينيات القرن الماضي أو قبل ذلك وحتى فترة طويلة يكتظّ بالناس من مناطق مختلفة منها قرى "بيت جاش، دير الجرد وبلوسين" وقرى تتبع لمدينة "جبلة"، وحتى من بلدة "الدالية" التي لم تكن تحتوي مثل هذا السوق؛ لكونه الوحيد في هذه المنطقة الجبلية الذي يوفر متطلبات المنطقة الأساسية وجميع الخدمات».

تقع "قلعة القدموس" على ارتفاع حوالي 950 متراً، وتوجد فيها سبع عائلات تربطها صلة القرابة، ومن أشهر العائلات وأقدمها في المنطقة "إبراهيم، أسعد، محمد، سليم وعطفة"

أما حرف السوق فبقي القليل منها، وما تبقى اندثر أو تطور بتطور الصناعات الحديثة ليجد بديلاً: «اتخذت مختلف المهن من هذا السوق مقراً لها مثل الحدادة، تبييض الأواني المعدنية والبيطرة وغيرها من المهن التي ما تزال محلاتها موجودة، وتعد مهنة الخياطة قبل سنة 1960 من أشهرها، لأنها من المهن الضرورية بالنسبة لأهالي المنطقة، حيث عملت بها حوالي أربع خياطات للألبسة النسائية وبعض الخياطين للألبسة الرجالية، أما أشهر من عمل بالحياكة فهم من عائلة "الحايك"».

المختار "أسعد عبد الله سليم"

ومن المهن الأساسية المتنقلة ما بقي حتى اليوم مع بقاء الكثير من الأواني النحاسية، كما يشير مختار المنطقة: «بالحديث عن تبييض النحاس نذكر "طاهر قداح" أهم من عمل بهذه الحرفة آنذاك، وبالنسبة لمهنة الحدادة فعائلة "الحداد" هي الأكثر شهرة. أما "قاسم محمود الجندي" فقد عمل وبرع في مهنتي الحلاقة ومعالجة الأسنان، كما ظلّ الوحيد الذي عمل بها في تلك الفترة حتى بداية الستينيات».

أعشاب طبيعية لأدوية محلية؛ وبحسب التقنيات المتوفرة فإنّ تصنيع الكثير من أنواعها يتم بحسب الحاجة إليها حفاظاً على تلك الجرعات الهامة: «عرفت في تلك الفترة مهنة الطب الشعبي، من خلال وصفات فعالة على شكل مراهم من أجل الدمامل ولدغ الحشرات وغيرها، وأشهر من عمل بها الشيخ "عبد الرزاق محمد" وبعده ولده "محمد عبد الرزاق محمد" الذي تركها لاحقاً منذ حوالي أربعين عاماً».

"محي الدين الحداد"

التكلفة المعتدلة لوسائل النقل الرئيسية تناسبت مع سرعتها وقدراتها؛ فقد تمثلت بأعداد كبيرة من البغال حتى فترة الخمسينيات، في حين اعتمدت بعض الصناعات المحلية على المصدر الحيواني لموادها الأولية مثل صناعة اللبابيد من صوف الأغنام: «انتشرت في تلك الفترة صناعة اللبابيد لفرش المنازل أو لصناعة الأحذية لدى خمسة صناع في سوق "القدموس"، حيث يجول الحرفيون في القرى في فترات محددة من السنة، أما دباغة الجلود فقد قلّت كثيراً بعد السبعينيات وانتهت، حيث بلغ عدد محلاتها ثلاثة أحدها لعائلة "سليمان حيدر"».

وبعد أن اندثرت معظم تلك المهن التي ارتبط بعضها بالزراعة ومنها الحدادة، فالأراضي الزراعية الجبلية بدورها لم تعد مورد رزق أساسي في المنطقة، والدليل على ذلك المختار "سليم" الذي لم يزرع أرضه البالغة حوالي دونمين منذ أكثر من عشر سنوات، مضيفاً: «في الفترة الأخيرة أصبح الاهتمام بالزراعة ضعيفاً جداً بسبب تكاليف الإنتاج المرتفعة من حراثة، أسمدة وحصاد، والنتيجة تكون الخسارة أو تغطية التكاليف فقط، فهناك الكثير من الأراضي التي تحتاج إلى وسائل الحراثة القديمة لعدم إمكانية وصول الحديثة، وغالبية الاعتماد في الزراعة يكون على القمح في قرى وأحياء معدودة».

سفوح القلعة والبلدة القديمة

وهنا يوافقنا مختار المنطقة بإمكانية الاعتماد على الأشجار المثمرة كزراعة بديلة، لكنها برأيه تحتاج إلى مزيد من الاهتمام ومكافحة الأمراض، أما ينابيع المنطقة فما تزال موجودة حتى اليوم، لكنّ بعضها أصبح أقلّ غزارة: «أكثر الزراعات انتشاراً هي القمح، وتوجد أنواع من التفاحيات بشكل قليل، كما تناقصت الأعداد الكبيرة لأشجار "التين" منذ حوالي خمسة وثلاثين عاماً بسبب المرض أو البناء. توجد في منطقة "القدموس" عدة ينابيع هي: "عين الريس، البلان، الخنبش، بسيحين، بيت عطفة، صارم الدين، بيت الشامي وأبو سليم"».

وبالحديث عن تراث المنطقة وماضيها، نتساءل عن قلعتها المعروفة والأسماء المشهورة التي ارتبطت بها وبقيت جذوراً للكثيرين من أهالي "البلدة القديمة" كما تدعى حتى اليوم، فيجيب: «تقع "قلعة القدموس" على ارتفاع حوالي 950 متراً، وتوجد فيها سبع عائلات تربطها صلة القرابة، ومن أشهر العائلات وأقدمها في المنطقة "إبراهيم، أسعد، محمد، سليم وعطفة"».

كغيرها من المهن والحرف، صبغت مهنة "الحدادة" بأحرفها أسماء من عملوا بها، ومنها عائلة "محي الدين الحداد" المعروف كأقدم الحدادين في سوق "القدموس" القديم، يخبرنا عن مهنته قائلاً: «حتى والدي لا يعلم بدقة متى بني هذا المحل فهو موجود منذ مئات السنين وعمل به أجداده، الذين كانوا يأتون منذ ساعات الفجر الأولى للانتهاء من العمل، وإنجاز أدوات العمل الزراعي الذي اعتمد فقط على اليد العاملة.

ظل هذا السوق رئيسياً في منطقة "القدموس" حتى بداية السبعينيات، أما كنية أسرتنا فتحولت من "حيدر" و"وطفة" إلى "حداد" مع مرور السنين».

لو أنّ eTartus قام بزيارة الحداد "محي الدين" قبل حوالي نصف قرن لما أمكنه الإجابة عن أسئلتنا؛ فالمشهد قد تغير تماماً بحسب وصفه: «أعمل منذ حوالي ثمانية وخمسين عاماً هنا، حيث بقينا نعمل مع والدي وإخوتي حتى أوائل السبعينيات، لكن في ذلك الوقت لم يكن ممكناً للزبون أن يجد مكاناً له في الداخل بسهولة بين ثمانية أشخاص يتابعون عملهم بالحدادة».

في ورشة مجاورة لورشة "الحدّاد" المعروفة لمعظم أهالي المنطقة تعلّم "سعيد خنسة" الحدادة أيضاً من والده وجده، لكنّ متطلبات الزبائن حالياً لا تملأ إلا ساعات قليلة من أيام العمل بحسب تعبيره: «اعتمدت على دخل هذا المحل سابقاً أربع أسر، لكن بعد أن ظهرت آلات الحصاد والحراثة كالجرارات وغيرها لم يعد بالإمكان الاعتماد على الحدادة العربية كمهنة أساسية، كما أنّ محلات عديدة في هذا السوق أصبحت مغلقة ويمكن استئجار أيّ منها بمبلغ زهيد».