أكثر من ثلاثين ألف هكتار حراجية، لكنها ما تزال غير كافية بحسب "دائرة الحراج"؛ فزيادة هذه المساحة من شأنه التأثير على معدلات هطول الأمطار، إعمار مساقط المياه، ومنع انجراف التربة في الكثير من الأراضي الزراعية التي تمّ استصلاحها دون أسسٍ علمية مدروسة.

والمهندس "حسن صالح" رئيس "دائرة الحراج" يعتبر بدوره أنّ لا فرق في المنفعة الاقتصادية بين الشجرة المثمرة والحراجية، ويعبّر في حديثه لموقع eTartus قائلاً: «بالنسبة للحراج ليس الهدف هو وجود هذه الشجرة الحراجية التي تضايق الناس وفق عرفهم المبني على زرع شجرة مثمرة أكثر فائدة مكانها كشجرة "تفاح"؛ فذلك ليس منطقاً علمياً أو وطنياً، لأنّ للحراج فوائد هائلة جداً، لكن حتى الآن لا نحصل منها على فوائد مباشرة».

كان عدد الأيام المثلجة سابقاً أكثر ومعدلات الأمطار أكبر من الوقت الحالي وخاصة في القرى الشمالية الشرقية من منطقة "القدموس"، فكان بعضها يصبح معزولاً شتاء لأيام متواصلة

ويضيف مبيّناً أنّ معدلات درجات الحرارة قد تغيرت بتغيّر المساحات الحراجية التي كانت توصف بأنها شاسعة في العقود الماضية، وتساهم بتساقط الثلوج في المرتفعات الجبلية على مدى الأشهر الثلاثة الباردة: «في منتصف السبعينيات كنا نخرج من منازلنا مباشرة إلى الحراج التي كانت تشكّل مساحاتٍ هائلة، وكان الناس يستفيدون بشكل مباشر من هذا الأمر، وفي تلك الفترة كنت أمشي في منطقتنا ثلاثة أشهر متواصلة على الأقل على الثلج والجليد، أما الآن فأصبح هطول الثلج نادراً ولم يعد يتراكم، بل يزول في اليوم التالي».

المهندس "حسن صالح"

من التأثير على معدلات درجات الحرارة إلى علاقة الحراج بمعدلات هطول الأمطار، والتأكد من ذلك بحسب قوله لا يتطلب تقنياتٍ متطورة، بل يمكن ملاحظته من خلال مقارنةٍ بسيطة، والتكلفة لا تتعدى قيمة تذكرة سفر إلى محافظة مجاورة في أحد الأيام الماطرة: «للحراج التأثير الأكبر على الطقس، ويمكن للمراقب أو الناظر بعين الخبرة إلى هذه المسألة ملاحظة تفاوت كميات الأمطار في مناطق متجاورة؛ فمثلاً عندما نسير على الأتوستراد من محافظة "اللاذقية" إلى نهاية حدود محافظة "طرطوس" حتى محافظة "حمص" وتكون السماء ماطرة؛ نلاحظ أنّ الأمطار غزيرةٌ جداً في بقعٍ تصل إلى خمسة كيلومترات، بينما في البقعة التي تليها لا يوجد مطر أو توجد أمطار خفيفة جداً، ويمرّ الناس بهذه الحالة لكن لا يسألون أو يحاولون التفكير حول السبب».

أمّا الخبراء بشأن المساحات الخضراء فأصبحوا على علم بالأسباب المباشرة التي تمكّنهم من تفسير هذه الظاهرة بسهولة، فكما يضيف: «في هذا المثال أعلم أين تكون الأمطار غزيرة وأين سأتلافى المطر، لأنني أعرف البقع الحراجية المتصلة أحياناً من شاطئ البحر إلى قمم الجبال وعلى مجاري الأنهار، والمتصلة أيضاً بمنطقتي "الغاب" و"مصياف" أو محافظة "حماة"، أو التي يكون عرضها خمسة أو ستة كيلومترات؛ فهذا ما يجلب الأمطار ومن المؤكد أن للحراج الدور الأساسي».

المهندس "خضر أحمد"

بحسب ما سبق من أمثلةٍ توضح تغير معدلات هطول الأمطار ودرجات الحرارة، ندرك أنّ مسألة تقليص مساحات الحراج تشكل دوراً حاسماً، في الوقت الذي سمح فيه الإنسان بالاستغناء عن بعض المساحات الحراجية واستصلاحها؛ يتابع المهندس "حسن" قائلاً: «للأسف الشديد تابعنا بطريقة أو بأخرى على مدى سنواتٍ عديدة كسر الأراضي الحراجية في المحافظة، وقد يعتبر الناس أنّ توسيع الأرض وزيادتها عدداً من الدونمات يعود بالفائدة ويجدونه أمراً خيّراً لكنّنا نحصد النتائج السلبيّة حالياً».

ولمزيدٍ من الإيضاح يضيف رئيس "دائرة الحراج" قائلاً: «على الرغم من أنّ عملية استصلاح الأراضي قد تمت على نطاقٍ واسع، لكنها لم تتم بالطرق الفنية الصحيحة، لأنّها تحتاج إلى كلفٍ كبيرة جداً، فاستخدموا آليات ثقيلة، فتحوا الأراضي دون سلاسل حجرية أو ميول صحيحة، وبمجرد تساقط الأمطار تجري المياه جارفة التربة ما يؤدي إلى فقرها، وهنا نؤكد أهمية إعمار مساقط المياه».

أراضي زراعية جبلية

ومع غياب الحواجز الاصطناعية أو الطبيعية من جذور الأشجار لتمنع عملية انجراف التربة التي تتم خلال الفصول الماطرة، فتعويض هذا الأمر يستغرق من الأراضي سنوات عديدة لتحوّل التربة البكر إلى زراعية، وهذا ما يؤكده المهندس "حسن" بقوله: «ربما لا يعرف الكثيرون منا أنّ التربة الزراعية الخصبة التي يستفيد منها النبات هي على سماكة حوالي عشرة سنتيمترات، فهي تنجرف بشكل سنوي، وذلك ينعكس فقراً على المزارع والفلاح، لأنّ الأرض لم تعد تنبت إلا بمستلزمات إنتاج مكلفة جداً، أي بإضافة كميات هائلة من الأسمدة المعدنية والعضوية، من أجل تعويض نقص التربة بهذا المجال».

وكما يبيّن فقد أصبح الميزان التجاري للمزارع خاسراً جداً، فعلى الرغم من الإنتاج الوافر هناك زيادة في التكاليف: «غالباً ما يضطر المزارع لبيع إنتاجه وفق السوق وبمبالغ متدنية، ومن الملاحظ أنّ هذا الكم الكبير من الإنتاج احتاج إلى كلف عالية جداً، فنلاحظ أنّ الكثير من الناس يعزفون عن بعض الزراعات».

وبعد هذه التغيرات الحاصلة في درجات الحرارة، تساقط الأمطار وانجراف التربة، نتيجة تقليص الأراضي الحراجية في مناطق متفرقة من المحافظة، يبقى موضوع الاهتمام بالحراج وتطويرها يشكّل حلقة متكاملة ولا يمكن تجاهل أحد أركانه، كما يؤكد رئيس "دائرة الحراج": «لا ألوم الإنسان البسيط أو الإرشاد لكن ألوم المسؤولين، فمثلاً عندما يقول مسؤول في الصف الأول في المحافظة للناس أنّ شجرة "الزيتون" أفضل من الحراج؛ أعتبر رأيه وللأسف مدمراً، في حين نلاحظ أنّ الكثير من الدول قد اعتنت بإعمار مساقط المياه، من خلال تشجير مساحات واسعة طولانية وعرضانية، بحيث لا تجعل مياه الأمطار دائمة الجريان».

ومقارنة بمعلومات "شعبة حراج القدموس" أيضاً، نجد تغيراً واضحاً في درجات الحرارة من خلال حديث المهندس "خضر أحمد" الذي يصف مناخ الأجزاء النائية من المنطقة فيما مضى قائلاً: «كان عدد الأيام المثلجة سابقاً أكثر ومعدلات الأمطار أكبر من الوقت الحالي وخاصة في القرى الشمالية الشرقية من منطقة "القدموس"، فكان بعضها يصبح معزولاً شتاء لأيام متواصلة».

وتبقى أيام الوشاح الأبيض في المنطقة معدودة، على الرغم من المساحات الحراجية المسجلة التي تبلغ أكثر من ثلث الحراج في المحافظة كما يبيّن: «تشرف "شعبة الحراج" على مساحة حراجية تبلغ 4615 هكتاراً من الحراج الطبيعية و9135 هكتاراً من الحراج الاصطناعية، وتضم الشعبة ثلاثة مخافر حراجية تؤمّن حماية الحراج من خلال عناصر الضابطة الحراجية وحراس المواقع الحراجية».