بعيداً عن صخب المدينة، وفي مزرعته الخاصة التي تقع شمال مدينة "الرقة"، يمضي الفنان التشكيلي "محمد العكلة" معظم أوقاته في مرسمه الهادئ والبسيط، باحثاً عن عوالم تشكيلية جديدة، فالفنان المبدع- كما يرى- لا يكفُّ عن البحث والتجريب، وإلا تيبست مخيلته وضاق فضاؤها.
موقع eRaqqa وبتاريخ 14/1/2010 التقى الفنان التشكيلي "محمد العكلة"، الذي راح يحدثنا عن بداياته التشكيلية، حيث يقول: «ولدت في عائلة، كان يعمل الأب فيها صانعاً للنسيج اليدوي، وقد كان من أمهر صانعي البسط العجمية، والتي تعرف في "الرقة" باسم "بساط الرشواني"، وقد تأثرت في طفولتي المبكرة بالرسوم والزخارف التي كان ينسجها والدي، كما تأثرت بألوانها المتعددة وخاصة الحارَّة منها، كاللون الأحمر والأصفر والبرتقالي، التي كانت تستهويني وتحرك شيئاً مجهولاً في داخلي.
أعكف حالياً على دراسة حضارة وادي "البليخ"، بهدف تتويج هذا البحث والدراسة، بمعرض خاص يسلط الضوء على تاريخ وحضارة هذه المنطقة السورية العريقة، وأظن أنني سأنتهي من هذا المشروع خلال العامين القادمين إن شاء الله، كما أن لدي حالياً العديد من اللوحات التي أعمل عليها، وسأوقع عليها في القريب العاجل
وبعد سنوات من ذلك، بدأ هذا التأثر يتحول إلى عشق حقيقي للفن، بحت به على ضفاف نهر "الفرات" المجاور لمنزلنا، حيث كنت وأنا ابن العاشرة، أتردد دائماً إلى النهر، ألعب هناك وأشكل بالطين الدمى والتماثيل الكثيرة، بعد ذلك بدأت باستخدام اللون والورق، ورسمت "خرابيش" كثيرة بمجملها كانت فوضوية، ربما ليس لها دلالات، لكنها كانت تعني لي الكثير، لأنها باختصار حولتني إلى عاشق لفن الرسم.
وكعادة العشق، فهو لا يكفُّ عن النمو والتوغل، فقد دفعني حبي للفن إلى البحث عن مكان أستطيع من خلاله أن أصقل ما لدي من موهبة، فكانت البداية الحقيقية في عام /1989/م، عندما انتسبت لمركز الفنون التشكيلية، وهناك تعرفت لأول مرة على الأصول العلمية لفن الرسم والنحت، ففي مجال الرسم أشرف على تدريسنا الأستاذ "فواز يونس"، والأستاذ "طلال معلا"، وفي مجال النحت كان الأستاذ "أيمن ناصر"، جميعهم- وفقهم الله- لم يبخلوا علينا بجهدهم أو علمهم.
وبعد انتهاء مدة الدراسة في المركز، والتي استمرت قرابة الثلاث سنوات، حصلت على شهادة تخرج، وبدأت بالاعتماد على نفسي، خاصة بعدما تعرفت على الأدوات الأكاديمية في الفن، فبدأت البحث في عوالم التشكيل المختلفة من المدرسة الواقعية إلى الانطباعية إلى التعبيرية، انتهاءً بالأسلوبية "الأسلوب الخاص للفنان"، والتي تعتبر خلاصة جهد ودراسة الفنان، ومنها انطلقت في رحلة سبر لأغوار الفكر التشكيلي».
وعن أهم المعارض الفنية التي قدمها، يقول "العكلة": «أقمت العديد من المعارض الفردية والثنائية والمشتركة، وأول معرض أقمته كان في عام /1998/م، كان ثنائياً مع الفنان الراحل "موسى الحمادة"، وذلك في المكتبة المركزية في جامعة "حلب"، وفي عام /2000/م، قدمت أول معرضٍ فرديٍّ لي، في صالة "الأسد" للفنون الجميلة في مدينة "حلب"، وقد حمل عنوان "من وحي الكهوف"، وتم عرضه في صالة "الشعب" بـ"دمشق" عام /2001/م، أما معرضي الفردي الثاني فقد قدمته في المركز الثقافي الروسي بـ"دمشق" عام /2002/م، وهو بعنوان "الطبيعة المعلم الأول"، وفي عام /2003/م، قدمت معرضاً فردياً بعنوان "أحاسيس عشق صوفية"، وذلك في معهد "ثربانتس" المركز الثقافي الاسباني بـ"دمشق"، وفي عام /2005/م، قدمت معرضاً ثنائياً مع الفنان "عبد الله الهندي"، في صالة "المرسم للفنون" في مدينة "الرقة"، بالإضافة إلى أنني شاركت بالعديد من المعارض الجماعية مع فناني "الرقة"، كما وشاركت بمعظم المعارض السنوية التي تقيمها وزارة الثقافة "مديرية الفنون الجميلة" في "الرقة"».
وبسؤال "العكلة" عن الفنانين الذين أثَّروا بتجربته التشكيلية، أجاب قائلاً: «تأثرت كثيراً بالمدرسة الانطباعية، والفنانين الرواد الذين اشتغلوا عليها، وأرسوا دعائمها، كالفنان الفرنسي "سيزان" الذي يعتبر علامة فارقة في حياتي التشكيلية، كذلك الفنان الفرنسي "كلود مونييه" و"رينوار"، أما من الفنانين العرب، فقد عشقت كثيراً أعمال الدكتور "فاتح المدرس" رحمه الله، الذي كان تأثره بالطبيعة السورية، وحضارتها متأصلاً في لوحاته».
وعن أهم المعوقات التي تعاني منها الحركة التشكيلية الرقية في وقتنا الحالي، يقول "العكلة": «الحركة التشكيلية الرقية قدمت وما زالت تقدم الكثير من الأسماء المهمة على الصعيد المحلي والعربي، إلا أن لهذه الحركة الكثير من الهموم والمعوقات التي تحدُّ من مسيرة تقدمها، ومن أهم هذه المعوقات، هو عدم تفعيل دور اتحاد الفنانين التشكيليين في "الرقة"، لمساندة الفنان الرَّقي وإبراز نشاطه، بالإضافة لضعف دور المؤسسات الرسمية المسؤولة عن الشأن الثقافي والفني في المحافظة، ممثلة بمديرية الثقافة، والتي يقع على عاتقها الدور الأكبر في عملية رعاية الفن والفنانين.
ولا يفوتني هنا أن أذكر على سبيل المثال، الملتقى الدولي للفن التشكيلي، الأول والثاني، الذي ترعاه مديرية الثقافة في "الرقة"، والذي يتم من خلاله دعوة العديد من الفنانين التشكيليين من كافة أنحاء العالم، يقومون بدورهم بتشكيل معسكر أو "ورشة" عمل فنية، تتوج في النهاية بمعرض للُّوحات التي رسمها الفنانون خلال فترة المعسكر، لكن ما أودُّ أن أقوله، هو أنه لا يعقل أن يقام هذا الملتقى الدولي في مدينة "الرقة"، دونما إبراز للحركة التشكيلية الرقية، وذلك من خلال معرض موازٍ على الأقل يقدمه فنانو "الرقة" غير المشاركين في الملتقى، ولاسيما إذا عرفنا أن ثمن تذكرة الطائرة لأي فنان مدعو من خارج القطر، من الممكن أن تدعم أي فنان رقي مدة عام على الأقل، وأنا شخصياً لا أعرف الدور الذي تقوم به هذه الملتقيات التشكيلية، التي لا تعير مسألة "المثاقفة" أي اهتمام، والتي هي الهاجس الأكبر الذي نبحث عنه، ليكون هناك احتكاك وإفادة بصرية من تجارب الآخر.
أما بالنسبة لفناني "الرقة"، فهناك الكثيرون منهم يعملون بصمت، ويجتهد على نفسه كثيراً، وهناك الآخر الذي يتحرك كثيراً ويثير الكثير من الصخب والضجيج، لكن دون جدوى، وهذا الأمر يطرح تساؤلاً هو أنه إلى أي مدى يمكن للفنان التشكيلي أن يكون مثقفاً فنياً؟ طبعاً هذا يأتي بالاجتهاد والدراسة، والبحث الدائم عن عوالم تشكيلية ليست بالتقليدية، ولا بالساذجة، أو المقلدة، فالفنان التشكيلي إن لم يكن على دراية ومعرفة كافية بتاريخ الفن أو بتنوع المدارس الفنية، وما يحدث حالياً على الساحة العالمية من تطور تقني للفن، فإنه سيبقى أسير ماضيه الفقير تشكيلياً، وهذا النموذج من المشتغلين بالفن، لن يقدم للحركة التشكيلية أي شيء يذكر "ففاقد الشيء لا يعطيه"، بل على العكس من ذلك تماماً، فهو سيكون عبئاً على هذه الساحة.
والفنان الحقيقي المثقف، يمكن أن تتعرف عليه من خلال عمله سواء أكان منحوتة أو لوحة، لأن العمل الفني يعكس حقيقة اطلاع الفنان ومعرفته، وبمعنى آخر، إن العمل الفني هو مرآة لفكر الفنان ومشاعره وشخصيته، وللأسف فإن الساحة التشكيلية الرقية، تعاني من وجود بعض الدخلاء، الذين لم يتعبوا على أنفسهم كثيراً، وعلاقتهم مع الدراسة والقراءة الفنية مقطوعة تماماً، وهم يعتبرون أميين تشكيلياً، ومن الممكن التعرف عليهم من خلال أعمالهم الخاوية من أي فكر أو جمال، والتي لا تعدو أن تكون "زعبرة" لونية أو نحتية أو تطبيقية».
وأخيراً يحدثنا "العكلة" عن مشاريعه الفنية المستقبلية، بقوله: «أعكف حالياً على دراسة حضارة وادي "البليخ"، بهدف تتويج هذا البحث والدراسة، بمعرض خاص يسلط الضوء على تاريخ وحضارة هذه المنطقة السورية العريقة، وأظن أنني سأنتهي من هذا المشروع خلال العامين القادمين إن شاء الله، كما أن لدي حالياً العديد من اللوحات التي أعمل عليها، وسأوقع عليها في القريب العاجل».
من الجدير ذكره أن الفنان التشكيلي "محمد العكلة" من مواليد "الرقة" عام /1970/م، درس الفن التشكيلي في مركز الفنون التشكيلية في محافظة "الرقة"، وهو عضو اتحاد التشكيليين فرع "الرقة"، عضو اتحاد الفنانين التشكيليين العرب، عضو مؤسس في جمعية "ماري" للثقافة والفنون في "الرقة"، عضو مؤسس في الرحلة الثقافية من "توتول" إلى "ماري"، عضو تجمع فناني "الرقة" الشباب، عضو تجمع "توتول" الفني.
