خلال العمل التنقيبي في موقع "قصر الحير الشرقي" الواقع في محافظة "حمص" تم اكتشاف مجموعة من القبور وذلك في باحة مسجد فيه، وقد احتوت تلك القبور على عظام بشرية لأفراد تنوعت أعمارهم وأجناسهم.

قامت الدكتورة "رانية العلي" المتخصصة في علم الانتربولوجيا الحيوية والبحث في البقايا العظمية بدراسة تلك العظام دراسة علمية دقيقة توصلت بموجبها إلى نتائج مهمة على الصعيد التاريخي والعلمي.

إنّ نتائج تحاليل الكربون C14 حددت تاريخ تلك العظام بالفترة التاريخية بين /1250 -1400/ ميلادي

الدكتورة "رانية" وفي تصريحات خصت بها موقع eSyria قالت بأنها توصلت خلال دراستها لتلك العظام بوجود آثار ضربات السيف عليها وهي المرة الأولى التي تجد وتدرس مثل هذه الحالات في حياتها المهنية، وفي التفاصيل أضافت:

من عظام القبر رقم 4

«في البداية لا بد من إعطاء القارئ الكريم فكرة عامة عن موقع "قصر الحير الشرقي"، إذ يقع في الشمال الشرقي من مدينة "تدمر" بنحو /105/ كم والى الجنوب من مدينة "الرصافة" /60/ كم وذلك بالقرب من إحدى الطرق التي تصل بين سورية الغربية و"الجزيرة" وصولاً للجمهورية العراقية، ويتألف الموقع من قصرين، الأول قصر كبير مربع طول ضلعه /160/ م تقريباً والثاني قصر صغير مربع غير منتظم طول ضلعه /70/ م تقريباً، وبين القصرين توجد مئذنة وهي عبارة عن برج مربع بسيط قسمها العلوي مفقود، كما يوجد في الموقع مسجد تم العثور في باحته على مقبرة تعود لعدة أفراد.

ينتمي "قصر الحير الشرقي" إلى سلسلة من المواقع والقصور الأثرية المسماة قصور الصحراء، والتي تم بناؤها أثناء الحكم الأموي /661 -750/ م كما يعتبر واحداً من الصروح الحضارية الأكثر حفظاً وتنوعاً وجمالاً من ناحية البنية المعمارية المهمة».

الزوائد العظمية على الفقرات في إشارة إلى أمراض

وتابعت الدكتورة "رانية" حديثها حول التنقيبات التي جرت في الموقع بالقول: «بدأت التنقيبات في هذا الموقع مع البعثة الأمريكية ثم قام متحف مدينة "تدمر" بأعمال الترميم فيه، وفي العام /2002/ استلمت البعثة السورية- السويسرية المشتركة العمل فيه وذلك في الجزء الشرقي من باحة المسجد حيث تم الكشف فيها عن ستة قبور فردية ومجمع مؤلف من ثلاثة قبور جماعية، وقد تم الدفن في القبور الجماعية بشكل متتابع وعلى فترات متلاحقة لأكثر من متوفى ضمن القبر الواحد حيث كان يتم تجميع عظام المتوفى الأول في إحدى زوايا القبر ومن ثم دفن المتوفى الجديد.

لقد تضمنت الدراسة الانتربولوجية التي طبقناها خلال السنتين الماضيتين /2008 -2009/ على جميع العظام المكتشفة في الموقع منذ العام /2002/ ولغاية العام /2008/ ما يلي: دراسة عدد الأفراد في كل قبر وتحديد ما إذا كان القبر فردياً أم جماعياً ووضعية الموتى وتحديد أعمارهم وأجناسهم والأمراض الظاهرة عليها، وكذلك دراسة بعض الصفات لتحديد ما إذا كان هناك صلة القربى بين أفراد المقبرة الواحدة وما إذا كانوا ينتمون لعائلة واحدة.

الدكتورة رانية العلي تتحدث لموقعنا

وفي النتائج تبين أنّ وضعية دفن الموتى متطابقة مع التقاليد والطقوس الجنائزية الإسلامية حيث تم وضع المدفون على طرفه الأيمن، الرأس نحو الغرب والوجه نحو الجنوب، وقد تحللت الأجسام في وسط فارغ من الأتربة لأنّ المتوفين تم دفنهم في توابيت خشبية والدليل على ذلك وجود مسامير حديدية في المقابر ولا يوجد آثار للخشب تقريباً باعتباره قد تلاشى مع الزمن، رغم أنّ بعض تلك القبور احتوت على آثار قليلة من الخشب وذلك بحسب تحاليل الكربون C14.

وبالنسبة للجنس فقد تبين أنّ بعض القبور الفردية احتوت على عظام نسائية، القبر 2 -3 وقبور أخرى احتوت على عظام رجالية، القبور 1 -4 -5 وعظام طفل عمره بين /12 -14/ سنة في القبر 7، أما المدفن الجماعي فقد احتوى أحد قبوره T6a على رجلين الأول شاب عمره /30/ سنة مدفون ثانياً والآخر رجل عمره بين /50 -59/ سنة مدفون أولاً، والقبر T6c ضم شاباً عمره بين /17 -20/ سنة مدفوناً أخيراً ورجلاً بين /40 -44/ سنة مدفوناً أولاً، أما القبر T6b فقد ضم رجلاً /30 -35/ سنة وامرأة /35 -40/ سنة وطفلاً /3 -6/ أشهر، وقد أظهرت دراسة الصفات المشتركة لديهم وجود الرابطة العائلية فيما بينهم ولكننا حالياً في انتظار نتائج تحاليل DNA لتأكيد ذلك.

وبنتيجة دراسة الأمراض الظاهرة على العظام- والكلام مازال للدكتورة "رانية العلي"- فقد تبين أنّ هؤلاء الأفراد قد مارسوا في حياتهم نشاطات فيزيولوجية شاقة إلى حد ما ويظهر ذلك جلياً على الفقرات وعظام الركبة والأطراف السفلية والعلوية التي بدت عليها الآثار المرضية مثل الزوائد العظمية في الفقرات وتآكلها، طبعاً عظام الرجال هي أكثر تأثراً من عظام النساء.

وأهم ما تم الكشف عنه من خلال الدراسة الانتربولوجية المعمقة بواسطة المجهر وذلك بمساعدة عالمة العظام الحيوانية السويسرية والمختصة بالآثار المتروكة على العظام الحيوانية السيدة "جاكلين ستيدر" وهو ملاحظة وجود آثار ضربات حادة وقاتلة على مستوى الجمجمة، ففي القبر رقم 1 وفي مستوى عظم الجبهة لشخص عمره /35 -39/ سنة تمت ملاحظة أثر لضربة سيف حادة بطول /4/سم وثخن /1,96/ مم وذلك من الجهة اليسرى، وبالنسبة لعموده الفقري وخاصة الفقرات القطنية والصدرية فقد أبرزت الدراسة وجود تشوهات حادة تدل على نشاط فيزيائي فائق قام به خلال حياته.

أما في القبر 4 فقد وُجدت عظام رجل شاب عمره /30 -34/ سنة أبرزت نتائج دراسة عظامه آثار ضربة سيف حادة وواضحة جداً وذلك في مستوى عظم الفك وفي الجهة اليسرى أيضاً وآثار ضربتي سيف في مستوى الجمجمة».

وحول أسباب موت الرجلين بالسيف حسب رأيها قالت: «هناك نظريتان حول الموضوع الأول هو حصول شجار بينهما والثاني أن يكونا محاربين وقد قتلا في إحدى المعارك وأنا شخصياً أميل للنظرية الثانية فالفترة التي تعود إليها هذه القبور شهدت تلك المنطقة نزاعات بين "المماليك" و"المغول"».

وختمت الدكتورة "رانية" حديثها لموقعنا بالقول: «إنّ نتائج تحاليل الكربون C14 حددت تاريخ تلك العظام بالفترة التاريخية بين /1250 -1400/ ميلادي».