"الصراة" هي اللفظ المرادف لمصطلح المستنقع الكبير، وتعتبر من الأراضي الرطبة الطبيعية المنتشرة في كل أنحاء العالم، وفي "دير الزور" أكثر من "صراة" أهمها "صراة المحيميدة" أو مستنقع "السفيرة" وذلك لأنها تتبع إدارياً لقرية "السفيرة".

يعلم الكثير من أهالي "دير الزور" أن "صراة المحيميدة" موضع جدل بين الأهالي والحكومة، فهم يطالبون بتجفيفها لأنها تتسبب بنشر البعوض والأمراض- حسب ما يقولون- والحكومة تتمهل ربما لأسباب تتعلق بجدوى التجفيف، لكن في النهاية، تحقق للمطالبين بالتجفيف حلمهم وأصدر السيد وزير الري بتاريخ 30/9/2009 قراراً موجهاً إلى المؤسسة العامة لاستصلاح الأراضي بالموافقة على الإعلان عن طلب عروض للتعاقد على تجفيف "الصراة".

سورية إحدى الدول الموقعة على اتفاقية حماية الأراضي الرطبة التي تضم بين أنواعها "الصراة"، وهذه الأراضي تشكل مراكز للتنوع الحيوي النباتي والحيواني. أما سبب صدور القرار من السيد وزير الري بالتجفيف رغم توقيع القطر على الاتفاقية، فهو عدم وجود تنسيق بين الجهات المعنية، فلو تم استشارة وزارة البيئة بالموضوع لأعلمت وزارة الري بالاتفاقية وحينها كان من المستحيل أن يصدر قرار التجفيف

وبعد صدور القرار، بادرت دائرة التنوع الحيوي والمحميات الطبيعية في مديرية بيئة "دير الزور" إلى الاتصال بموقع eSyria لعرض وجهة نظرها المخالفة لقرار التجفيف باعتبارها الجهة المعنية بالمستنقع لكونه مركزاً للتنوع الحيوي.

المهندس أحمد أيدك

لكن وقبل عرض وجهة نظر الدائرة، بادر الموقع إلى الاتصال برئيس بلدية "سفيرة تحتاني" السيد "صالح هجان العمر"، وذلك حرصاً من الموقع على عرض وجهة نظر الطرفين في موضوع حساس يتعلق بعدد كبير من المواطنين.

فقال "العمر": «"الصراة" موضع شكوى منذ سنين طويلة وليس الآن، وتقريباً منذ عام 2000 ونحن نطالب بتجفيفها لما لها من أذى على جوارها بسبب تجمع البعوض على مياهها وانتقاله إلى منازل المواطنين.

مراقبو الطيور عند الصراة

وهذا ليس كلام البلدية، بل شكاوى عدد كبير من المواطنين الذين تحملوا أذى الحشرات والأمراض التي تتسبب بها خاصة في السنوات السابقة عندما كانت "الصراة" أكبر، لأن حجمها قد تضاءل بسبب سنوات الجفاف.

وبالنسبة للمعالجة دون اللجوء للتجفيف، فقد حاولنا مراراً القضاء على الحشرات دون فائدة، وفي هذا العام بالذات، قمنا برشها ثلاث مرات بأدوية قوية جداً ولم نستطيع القضاء على الحشرات. وللعلم، فإن جزءاً من الأراضي التي ستنحسر عنها الصراة بعد التجفيف هي لفلاحين والباقي أملاك دولة».

د. عمر عبد الرزاق

وعودة إلى رأي دائرة التنوع الحيوي والمحميات الطبيعية في بيئة "دير الزور"، فقد تحدث رئيس الدائرة المهندس "أحمد أيدك" قائلاً:

«"صراة المحيميدة" من أشهر مراكز التنوع الحيوي في العالم، حيث إن العديد من مراقبي الطيور حول العالم يقصدون الصراة المذكورة سنوياً لمشاهدة أنواع نادرة جداً من الطيور التي تحط فيها بالذات، مثل "البط أبيض الرأس والبط الرخامي والقطقاط أبيض الذيل والقطقاط مستدق الجناح وثرثارة العراق" وأنواع أخرى بعضها مقيم وبعضها الآخر مهاجر، وهي من أهم الطيور وأندرها عالمياً وإقليمياً، الأمر الذي يدعم السياحة البيئية في المحافظة بشكل كبير.

ولتجفيف "الصراة" سبب ظاهري هو انتشار البعوض والحشرات في المنطقة المحيطة "بالصراة" خلال أشهر الصيف بسبب انخفاض منسوب المياه فيها، أما السبب الحقيقي فهو رغبة البعض في الاستفادة من الأراضي التي ستنحسر عنها "الصراة" والتي تقدر بألف وخمسمئة دونم في أعمال الزراعة والبناء بشكل غير قانوني، لأن أراضي الصراة أملاك دولة وليست أملاكاً خاصة، وهذا ما جعل بلدية "سفيرة تحتاني" التي تتبع لها الصراة إدارياً تمتنع عن رش المبيدات للإسراع في استصدار أمر تجفيفها، وهذا ما حصل فعلاً».

وأضاف رئيس دائرة التنوع الحيوي والمحميات الطبيعية:

«تجفيف الصراة أو ردمها سيؤثر بشكل كبير على مجموعة من الطيور النادرة عالمياً، و"صراة المحيميدة" مدرجة على جميع خرائط مراقبي الطيور في العالم، والحل في رش المبيدات المخصصة لبلدية سفيرة تحتاني وزيادة مخصصاتها إن لم تكف الكمية الأصلية، لا بردمها وتجفيفها.

إن ردم الصراة لن يحقق سوى هدر مئات الملايين من أموال الدولة تماماً كما حصل عندما تم ردم سهل الغاب الذي ندمت الجهة التي قامت بالردم على قرارها الخاطئ، كما أن الزراعة في الأراضي التي ستنحسر عنها الصراة مستحيلة، لأن الأملاح والرطوبة الموجودة في الأرض ستمنع عملية الزراعة، وكذلك الأمر بالنسبة للبناء، وبهذه الحالة، سنكون قد خسرنا موقعاً هاماً جداً للتنوع الحيوي دون أي فائدة تذكر، ناهيك عن مئات الملايين التي قلنا إنها سوف تهدر في هذه العملية الفاشلة.

وسابقاً، وجه أهالي المنطقة أكثر من شكوى حول موضوع انتشار الأمراض والروائح الكريهة بسبب الصراة وكان رد مديرية البيئة بضرورة رش المبيدات، إلا أن البلدية رفضت كما ذكرنا سابقاً.

وبالنسبة لنا، فقد وجهنا بتاريخ 2/11/2009 كتاباً إلى وزارة الري حول ضرورة وقف تجفيف الصراة لما له من نتائج سلبية».

وللحصول على رأي إضافي فيما يخص الموضوع، التقى مراسل eDeiralzor نائب عميد كلية الهندسة الزراعية ورئيس جمعية "أصدقاء البيئة– حياة"، الدكتور "عمر عبد الرزاق" الذي كان لديه فكرة كاملة عن الموضوع فقال:

«سورية إحدى الدول الموقعة على اتفاقية حماية الأراضي الرطبة التي تضم بين أنواعها "الصراة"، وهذه الأراضي تشكل مراكز للتنوع الحيوي النباتي والحيواني.

أما سبب صدور القرار من السيد وزير الري بالتجفيف رغم توقيع القطر على الاتفاقية، فهو عدم وجود تنسيق بين الجهات المعنية، فلو تم استشارة وزارة البيئة بالموضوع لأعلمت وزارة الري بالاتفاقية وحينها كان من المستحيل أن يصدر قرار التجفيف».

وتابع د."عبد الرزاق": «خلال العام الماضي، زار المحافظة وفد من الجمعية الملكية البريطانية لحماية الحياة البرية، واستضافته الجمعية لمدة أربعة أيام، وكان سبب الزيارة رصد بعض أنواع الطيور النادرة في المنطقة وخاصة في "صراة المحيميدة" و"الصراة" موجودة على خرائط مراقبي الطيور في كل أنحاء العالم. والسؤال: هل يعقل أن نردمها بدلاً من الحفاظ عليها واستغلالها في مشاريع سياحية بيئية؟!

وبالنسبة لموضوع البعوض والحشرات التي تؤذي الساكنين حول "الصراة"، فالوضع ليس بهذا السوء، وإنما يتم تهويل الأمر للإسراع بردم الصراة من أجل منافع شخصية، وللأسف فإن ما أراده البعض تحقق».

حلول ممكنة

وقال د. "عبد الرزاق": «كي لا يظن أحد أننا نقبل معاناة جوار "الصراة" من البعوض، فإننا نطرح حلاً بسيطاً، وهو رش الأماكن المتضررة من البعوض صيفاً بسبب انخفاض منسوب "الصراة" بالمبيدات الخاصة بالبعوض، وليس رش "الصراة" نفسها، وأكرر أن الموضوع ليس بالخطورة التي يروج لها البعض، وهناك المئات من أمثال "صراة المحيميدة" في مختلف أنحاء العالم، ويُحافظ عليها وتعامل بعناية، مثل بحيرة "الجبّول" القريبة من محافظة "حلب"، والتي ينخفض منسوب مياهها صيفاً أيضاً مثل "صراة المحيميدة"، ومع هذا، فقد دخلت البحيرة في نطاق الحماية، وحالياً يخطط لإقامة مشروعين سياحيين على ضفافها، فلماذا نكون الوحيدين الذين لا يقدرون قيمة الصراة البيئية؟

كما أننا لا نريد أن نقع في أخطاء حصلت أمامنا من قبل، فبعد أن تم تجفيف قسم من الأهوار العراقية، أعيد إحياؤها من جديد لتعود مركزاً للتنوع الحيوي، إضافة إلى أن الصراة مثل الغابة والنهر والبحيرة، خلقها الله لتكون مركزاً للتنوع الحيوي.

ونحن كجمعية بيئية نؤكد أن تجفيف "الصراة" خطأ فادح جداً من الناحية العلمية، خاصة أنها ليست وليدة البارحة، بل هي موجودة من عشرات إن لم نقل مئات السنين، ويدل على هذا طبيعة النباتات الموجودة حولها، وهي مركز مهم من مراكز التنوع الحيوي وخاصة الطيور.

وبالنسبة للفكرة الرائجة عن أن تجفيف "الصراة" سيؤدي إلى تنظيف الأراضي الزراعية المحيطة بها من الأملاح فهي فكرة خاطئة جداً، لأن وجود الصراة هو الذي يساعد في غسيل الأملاح من الأراضي المجاورة وليس العكس.

وكجمعية بيئية، نهيب بالسادة المسؤولين ونناشدهم وخاصة السيد المحافظ لإيقاف تنفيذ تجفيف "الصراة" ريثما تنظر وزارة البيئة بالموضوع».