لكل شخص على هذه البسيطة هدف يحاول أن يبتغيه، هناك من يظفر به وهناك من يفشل لأسباب مباشرة وغير مباشرة، وهناك من يستبسل مرابطاً لنيله ويكون عندها رمزٌ بين أقرانه.. من هؤلاء الشيخ "بدوي عبد الغفور" الذي ضحى بالغالي والنفيس من أجل دراسة أبنائه.

عن تلك الشخصية التقى مراسل موقع eSyria بتاريخ 14/11/2009 ابنه الأوسط الدكتور المهندس "عبد الرزاق بدوي عبد الغفور" وهو مدرس في كلية الهندسة المدنية بجامعة "الفرات" الذي حدثنا بدوره قائلاً:

إضافة لحبة الجم للعلم كان عزيز النفس شديد الأنفة، يتحلى بذكاء وذاكرة خارقة، صاحب حكمة، حنون وعطوف جداً

«الجاه ورفعة النسب والعيش الرغيد لم تغرِ والدي، بل كان رجلاً عملياً علمياً، يعشق العلم وهو صاحب المقولة المشهورة التي استخدمها الكثيرون من أبناء المنطقة في كتاباتهم "العقول لا تؤمم".. حيث كان ينظر للعلم أنه مكمل لكل ما ترتكز عليه شخصية الفرد ضمن دوره الفعال بالمجتمع، وقد ترجم ذلك ووظف له كل ما يملك حتى وصل به الأمر إلى حالة الفقر المدقع، ومن خلال ذلك أستطيع أن أقول لك أن والدي رجل سبق عصره علماً ومعرفة ودراية، والدليل على قولي تلك النتائج التي حققها على أرض الواقع وهي نسبة التعليم في منزله بلغت نسبة /100%/ وهي نسبة شبه نادرة في سورية».

نجله الدكتور المهندس عبد الرزاق عبد الغفور

أما عن سبب عشقه للعلم فيتابع الدكتور حديثه: «الحكاية تعود لأيام طفولته بعد أن انتقل والده من حياة البداوة إلى حياة الريف.. فوالدي من مواليد البادية /1929/ عاش طفولته في منطقتين من ريف "الحسكة"، الأولى في قرية قريبة من مركز مدينة "الحسكة" اسمها "خراب البيض" وقد سُميت فيما بعد باسمه أي قرية "بدوي العبد الغفور"، بعد ذلك بسنوات انتقل مع والده إلى قرية "طابان" التي تغفو على ذراع نهر "الخابور"، حيث انضم هناك إلى مدرسة العشائر التي كان يحتضنها الشيخ "جميل المسلط" وكان يدرسهم آنذاك الأستاذ الوطني "بديع الغادري" وهو من منطقة "أريحا" بـ"ادلب"، تتلمذ فيها لغاية الصف الخامس أي "السرتفيكة" ثم عاد أدراجه مع والده إلى قريته البسيطة على ضفاف نهر "الجغجغ"، لكن بقي عسل العلم في ذائقة والدي ويوماً بعد يوم كان يزداد عشقه للعلم ولعل الظروف أو الوضع الاجتماعي لم تسعفاه لإكمال دراسته، فإكمال الدراسة يعني سفره وابتعاده عن حضن والديه الدافئ وهو كان شبه وحيد لهما».

وعن مشواره بتدريس أبناءه قال نجله: «تزوج والدي عام /1948/، وبعد أن رزق بخمسة أطفال حزم أمره وعقد عزمه للانتقال من حياة الريف إلى حياة المدينة ليكرس جُل وقته لدراسة أبنائه ويعوض بهم ما فاته من التعليم.. ثم بدأ مشوار دراستهم المضني والذي كلفه بيع الغالي والنفيس وحرمانه من ملذات الدنيا لأجل إتمام تعاليمهم الأكاديمية وفي أكبر وأرقى الجامعات الأميركية والأوربية.. وفي نهاية المطاف أوجد هذا الرجل النصف مدني في مجتمعه النائي علمياً خمسة شباب يحملون أعلى الشهادات الجامعية ويعملون اليوم مع زملائهم في بناء مجتمعهم والعمل على ازدهاره وهم: الدكتور المهندس "محمد" دكتوراه في هندسة الحاسوب من جامعات أميركا- الدكتور المهندس "عبد الغفور" دكتوراه في الهندسة المدنية من جامعات أميركا- الدكتور المهندس "عبد الرزاق" دكتوراه في الهندسة المدنية من جامعات أميركا- الدكتور "غازي" دكتوراه علاقات دولية من جامعات الهند- الدكتور "راشد" طبيب بشري من جامعات هنكاريا».

مع أولاده الثلاثة الكبار

ثم ختم الدكتور "عبد الرزاق" حديثه بالتطرق لخصال والده بالقول: «إضافة لحبة الجم للعلم كان عزيز النفس شديد الأنفة، يتحلى بذكاء وذاكرة خارقة، صاحب حكمة، حنون وعطوف جداً».

من جانبه الأستاذ "جميل شايش المسلط" قال: «لا أعرف إن كان يحق لي أن أتكلم عن هذا الرجل أم لا، رجل عرف قيمة العلم حق معرفة، ورآه أفضل سلاح للأيام فآثر أن يحمّله لأبنائه، فانصرف عن ملذات الدنيا وانكب على متابعة تحصيل أولاده العلمي دافعاً بذلك أغلب أملاكه العقارية معللاً ومعزياً نفسه (بأن كل شيء يعوض إلا العلم)، فكانت شهادات أبنائه العلمية بين أقرانهم كالأعلام التي على رأسهن نارُ.. هذا هو الحاج "بدوي عبد الغفور" "أبو محمد" كبيرٌ بكل المقاييس».

الحاج أبو محمد أمام أحدى البوابات الهندية