«لا تتمتع محافظة "الرقة" بتنوع كبير في مواسم الإزهار، نظراً لعدم وجود اختلاف كبير في الظروف المناخية داخل أراضي المحافظة، لكن وجود مشاريع الري على مساحات واسعة، أدخل العديد من المحاصيل الزراعية ذات التنوع في مواعيد إزهارها وزراعتها، مما أغنى المراعي النحلية، وأفسح مجالاً لاستمرار تواجد الإزهار خلال أيام السنة.
ويعتمد توفر مرعى للنحل في موسم الربيع على كمية ومواعيد الأمطار المتساقطة، فقد أصبح معروفاً لدى نحالي المحافظة، أنه إذا أمحلت السنة أمحل النحل أيضاً، حيث تعتبر المراعي الطبيعية، خاصة المبكرة، منشطة للنحل، وباعثة على زيادة الحضنة وبالتالي زيادة النحل» .
نباتات الربيع المبكرة هي غالباً نباتات عشبية، تظهر بين الزراعات، وعلى حواف السواقي والمساكب والطرقات, أهمها "الفجيلة الصفراء"، و"كيس الراعي"، و"الطرخشقون"، و"القراص". وتعاني محافظة "الرقة" من قلة البساتين، فالفلاح في المنطقة لا يفضل زراعة الأشجار المثمرة، وذلك لحاجتها لاستثمار كبير في البداية، وتأخر إنتاجها لعدة سنوات، إضافة لعدم خبرته في مجال زراعتها
هذا ما ذكره بتاريخ (10/9/2009) لموقع eRaqqa الدكتور "طارق مردود"، رئيس اللجنة الفرعية لجمعية النحالين السوريين في محافظة "الرقة"، عضو الهيئة التنفيذية لأمانة سورية، اتحاد النحالين العرب، في معرض حديثه عن تربية النحل في محافظة "الرقة"، وآفاق تطويرها.
وعن النباتات التي يتغذى عليها النحل بشكل عام، وفي محافظة "الرقة" بشكل خاص تحدث الدكتور "مردود"، قائلاً: «نباتات الربيع المبكرة هي غالباً نباتات عشبية، تظهر بين الزراعات، وعلى حواف السواقي والمساكب والطرقات, أهمها "الفجيلة الصفراء"، و"كيس الراعي"، و"الطرخشقون"، و"القراص".
وتعاني محافظة "الرقة" من قلة البساتين، فالفلاح في المنطقة لا يفضل زراعة الأشجار المثمرة، وذلك لحاجتها لاستثمار كبير في البداية، وتأخر إنتاجها لعدة سنوات، إضافة لعدم خبرته في مجال زراعتها».
وعن أهم مصادر الرحيق في الربيع الباكر، في المناطق القريبة من المدن، يقول "مردود": «هي "القرعيات"، خاصة "الكوسا"، و"الخيار"، كما تعتبر أشجار "الأوكاليبتوس"، المسماة خطأً بـ"الكينا" في سورية، مهمة للنحالين في محافظة "الرقة"، وعلى الرغم من محدودية انتشارها، ويتميز إزهار "الأوكاليبتوس" بموعدين في السنة، الأول رئيسي في أيار، والثاني ثانوي في تشرين الأول، وتشرين الثاني، والموعد الثاني لا يحدث إلا إذا سقطت أمطار مبكرة.
وهناك مراعٍ غير مستثمرة إلا من قلة من النحالين، وهي المراعي الطبيعية في "البادية" الشامية، والوديان، والأراضي البور، غير المزروعة، لوعورتها، وتزدهر في الربيع في السنين الجيدة الأمطار، وتظهر نباتات "القيصوم"، و"الزعتر البري.
ومن الجدير بالذكر أنه يوجد في محافظة "الرقة"، نوعان من الزعتر، زعتر الوادي وينمو في مسيلات المياه والوديان، ويزهر في شهر أيار، في سنابل تحمل أزهاراً بيضاء, وزعتر التل، وينمو في المرتفعات ويزهر في أيلول وتشرين الأول، في سنابل تحمل أزهاراً بنفسجية اللون, وهو أشد رائحة من "زعتر الوادي"، وأهم أزهار المراعي الطبيعية في المناطق المروية، أعشاب مثل "الطرخشقون، "الأقحوان"، "الخلة الصغرى" وغيرها.
كما يزهر النفل، على جوانب الأقنية، وفي المروج الرطبة، طيلة شهري نيسان وأيار في الأراضي المروية».
ويضيف الدكتور "مردود"، قائلاً: «هناك فترتين لانتقال النحل وهما، فترة الانتقال من الربيع إلى الصيف، حيث يعتبر شهرا أيار وحزيران، وخاصة بين منتصفيهما، فترة جفاف في الرحيق، نظراً لانتهاء أزهار الربيع، وعدم بلوغ المحاصيل الصيفية مرحلة الإزهار، وتسمى هذه الفترة بـ"عصّة" المرعى.
ولكن تتوفر في محافظة "الرقة" مساحات كبيرة مغطاة بنباتات "العاقول"، و"الصفـّيرة"، أو "الدردارة" أو "المرًير"، والتي تزهر في هذه الفترة، وتتميز "الصفيرة" بجودة عسلها، إلا أنها لا تنمو إلا في المواسم جيدة الأمطار.
ومساحات هذه المراعي الشوكية، تتناقص نتيجة لزحف الري في مناطق مشاريع الري، مما يضطر النحال للارتحال بعيداً في طلبها. وتوجد مساحات واسعة حول القرى والأماكن المعرضة للرعي الجائر، مغطاة بنباتات "الحرمل"، الذي يزهر من أواسط أيار وحتى أواسط حزيران، لكن مناطقه لا تتوفر فيها المياه غالباً، مما يستدعي تأمينه من قبل النحال.
كما توجد نباتات الخلة الصغرى حول نهر "البليخ"، وفي بعض الأماكن الأخرى تزهر في أيار وحزيران, إلا أن مساحاتها في تتناقص بسبب تنظيم مجرى "البليخ"، وزحف الري، وقلة الأمطار.
والفترة الثانية، هي فترة الانتقال في الصيف، حيث يبدأ إزهار القطن، منذ منتصف شهر حزيران، للزراعات المبكرة، لكن القطن لا يشكل مصدراً جيداً للرحيق إلا منذ بداية شهر تموز، وللأسف فإن الصنف المخصص لمحافظة "الرقة" وهو رقة /5/، لا يفرز الرحيق، مما يسبب خسارة كبيرة لنحالي المحافظة منذ أن بدأت زراعة هذا الصنف.
عملياً، يعتبر القطن نبات الفيض الرئيسي للعسل، ليس فقط في محافظة "الرقة"، وإنما في سورية كلها، وتشير المراجع إلى أن ما تستطيع الخلية القوية أن تجمعه في موسم القطن لوحده، إلى عشرات الكيلوغرامات من العسل، فإذا عرفنا المساحات الواسعة من القطن في المحافظة, عرفنا مقدار الخسارة التي يتكبدها النحالون، ما لم يتم استبدال هذا الصنف، وهذه المشكلة بدأ يعاني منها النحالون في بقية المحافظات بعد إدخال أصناف غير رحيقية فيها.
من المؤسف عدم مراعاة الصنف المنتخب في أن يكون رحيقياً، ويتم التركيز على الصفات الاقتصادية، مع أن زيارة النحل لزهرة القطن تزيد من عدد البذور مما يرفع من الإنتاج, وهذا لمصلحة الفلاح أيضاً.
وتزرع مساحات واسعة بعد حصاد القمح في محافظة "الرقة"، بمحاصيل تكثيفية مختلفة، أهمها "السمسم"، "البطيخ الأحمر", "دوار الشمس"، "الخضار"، وغيرها، وأكثرها أهمية "السمسم"، لتميزه بغزارة الرحيق وطول فترة الإزهار، وجودة عسله، وتمتد فترة إزهاره شهرين هما آب وأيلول».
ويتابع "المردود" في ذات السياق، قائلاً: «تتواجد في الشمال الغربي لمحافظة "الرقة"، مساحات من الأراضي البور، والجبلية، ينبت فيها نبات "الحلاب الجيجان"، الذي يزدهر بعد حصاد "الكمون", وهي تؤمن مراعٍ جيدة للنحل، ابتداءً من بداية حزيران، وحتى حلول الشتاء، ومن المعروف أن عسل "الجيجان"، ذو قيمة غذائية عالية، بين أنواع العسل لنكهته الممتازة, لكن مناطق تواجده موبوءة بالدبور الشرقي، الذي ينهك الخلايا، وتصعب مكافحته، في فترة ارتحال النحال إلى مناطقه، كما أن إفرازه للرحيق غير مضمون، وذلك بسبب حرارة الجو ونقص الرطوبة في المنطقة.
تزرع مساحات واسعة بمحاصيل غير رحيقية مثل القمح، والشوندر السكري، والذرة، لكن النحل يلجأ إليها أحياناً للحصول على غبار الطلع فقط».
وفي سبيل البحث عن المرعى المناسب للنحل بحثاً عن الرحيق، يتحدث الدكتور "مردود"، قائلاً: «بتوالي السنين والخبرة التي اكتسبها النحالون السوريون، تولدت أجندة خاصة لترحال النحالين وراء النباتات الرحيقية، في كافة مناطق سورية،
وهذه الأجندة يمكن اختصارها كما يلي:
"التشتية"، وتكون في مكان إقامة النحال أو قريباً منه, وإن كان بعض النحالين يفضل "التشتية" في المناطق الساحلية نظراً لدفئها، وتوفر مراعٍ، تحتوي على نباتات طبيعية، أو في مناطق تواجد أشجار "الأوكاليبتوس"، لأنها تزهر في الخريف، وفي الربيع، وفي الشتاء، الدافئ إذا سمحت الظروف الجوية.
الارتحال الأول، ويكون في نيسان، لمناطق زراعة الحمضيات، في المنطقة الساحلية، والفترة الرئيسية لإزهار أشجار الحمضيات هي بين اليوم الأول من نيسان إلى /20/ منه، وتعود أهمية الحمضيات في أنها تزهر مبكراً، فتساعد النحل على زيادة "الحضنة"، وتكاثر النحل, بالإضافة إلى أن عسل الحمضيات من العسل الجيد، إلا أن أسعاره في السوق السورية منخفضة.
الارتحال الثاني، ويكون من /20/ نيسان وحتى العاشر من أيار، إلى مناطق زراعة "الحبة السوداء"، أو "حبة البركة، في محافظة "إدلب"، وتعطي "حبة البركة" رحيقاً غزيراً، ينتج عنه عسلاً مميزاً، يباع بأسعار عالية، وهو قاتم اللون، له طعم مميز، وهو مرغوب لفوائده الطبية العديدة.
الارتحال الثالث، ويكون في العاشر من /أيار/، وحتى نهايته إلى مناطق زراعة "اليانسون"، الذي يعطي رحيقاً غزيراً، يجني منه النحال كمية كبيرة من العسل، ويقال: (إذ لم ينجح مرعى "اليانسون" فلن ينجح موسم العسل)، وعسل "اليانسون" قاتم اللون، لذيذ الطعم، لا يتبلور بسهولة، ومرغوب لفوائده الصحية.
الارتحال الرابع، ويقع في فترة ما يسمى "عصـّة المرعى"، لانتهاء أزهار الربيع ومازال الوقت مبكراً على أزهار الصيف، لذا يبحث النحال عن النباتات الشوكية، التي تزهر في حزيران، لكن مساحاتها لا تكفي، ولا تكون في متناول معظم النحالين، كما يلجأ النحالون في هذه الفترة لمناطق زراعة الخضار، و"دوار الشمس"، لتأمين غذاء النحل على الأقل، بالرغم من أنها غالباً ما ترش بالمبيدات الحشرية.
الارتحال الخامس، ويكون إلى مناطق زراعة "القطن"، وكان معظم النحالين يتوجهون إلى مناطق "الغاب"، و"مسكنة"، و"دير حافر", لكنهم الآن يتوجهون إلى محافظتي "حلب" و"الرقة" لكون أكثر الصنف المزروع رحيقي، ويعطي محصولاً جيداً من العسل، بينما الأصناف الأخرى غير رحيقية.
وهناك ارتحال خاص وراء نوع معين من العسل، مثل أشجار "الأوكاليبتوس"، في مناطق التحريج في شهر أيار، أو مراعي "الجيجان"، في شمال سورية ابتداءً من حزيران، كما يتوفر في المناطق الجبلية مراعٍ ربيعية وأخرى خريفية، ومعظمها من أشجار الغابات، وغيرها».
