«تتميز مصداقية التاريخ بالأوابد التاريخية، وبعض الأوابد سميت بأسماء أصحابها لشهرتهم ومعرفة الناس بهم، كمقعد الأمير في قرية "امتان" وهو مضافة عرفت بهذا الاسم نسبة للأمير "أبو علي مصطفى الأطرش" الملقب بـ"أبو وجه أخضر"، لأنه كان منتصراً دائماً بغزواته».
الحديث للمحامي الأستاذ "عثمان العيسمي" في ساحة القرية وأمام نصب الشهداء لموقع eSuweda بتاريخ 13/7/2007 والذي أضاف يقول: «ما إن تدخل إلى ساحة القرية وتنظر باتجاه الغرب قليلاً حتى ترى مضافة قديمة وقناطر أثرية شاهقة حفر الزمان على حجارتها حكايا الأجداد وقصص المجتمع الخالدة.
منذ صغرنا وكبار السن في قريتنا يحدثوننا أن مقعد الأمير "ابو علي مصطفى الأطرش" كان منبراً ثقافياً للشعراء والأدباء، ومجلساً وطنياً للتشاور بين الثوار، خاصة في زمن الاحتلال العثماني والفرنسي، إضافة إلى حل النزاعات والخلافات بين الناس، ولهذا لم تشهد قرية "امتان" حادثة قتل في تاريخها، إنما كانت النزاعات تبقى في إطار سيطرة العقلاء عليها، وهذا يعود لحكمة أهلها ومحبتهم ولانتمائهم لقريتهم، إذ كثيراً ما كنا نسمع أن بعضاً من الرجال لا يستطيعون تناول ماء الشرب بمقعده لهيبة شخصيته، ولكن باختصار لا مكان للضعيف والجبان في مقاعد الأبطال والشجعان ومضافات الكرم والفرسان، فمقعد الأمير لم يكن لتداول الأحوال الاجتماعية والاقتصادية فحسب بل لإظهار مواهب إبداعية شعرية وأدبية وطرح ثقافة استخدام العقل الاجتماعي الأمر الذي جعل الصغار تأخذ من حكمة الكبار، ومقعده الذي تجاوز القرنين من الزمن باق يتحدى الزمن ويقدم للمجتمع الرجال أصحاب الرأي السديد والفكر الجديد
وبالعودة إلى الأمير "أبو علي مصطفى الأطرش"، كان يمتلك صفة أخرى ينطبق عليها المثل الشعبي المحلي: "وجه رجال للرجال حراب"، فالمثل وليد العادات والتقاليد الاجتماعية التي لها دور في تفعيل حركة الشعور الإنساني والاجتماعي والوطني، كما هي شخصية "أبو علي مصطفى الأطرش"، وهو للدلالة على أن هناك أشخاصاً كان مقامهم مرتبطاً بكاريزما خاصة بهم لوقارهم وهيبتهم وشخصيتهم القوية.
فقد حدثنا والدي إضافة لأعمامي الطاعنين بالسن أن الأمير "أبو علي مصطفى الأطرش" المتميز بالحكمة والهيبة، عندما كان أهل البلد يجلسون ويتداولون أحوال الناس ضمن قضايا المجتمع المحلي، فإن كلاً من الحاضرين في المقعد يخشى أن يقف من مكانه ليتناول ماء الشرب ولو كان عطشاً، فهو يفرض على مجلسه الصمت المرين والحضور المهيب، وهذا معنى "وجه رجال حراب" أي يستطيعون بطاقاتهم السيطرة على جلسائهم من الرجال، ولهذا كان الناس جمعياً يناقشون في مقعده الأمور الاجتماعية والوطنية والإنسانية والاقتصادية كحالة المحصول وتوزيع النواطير وغيرها بجدية ويأخذون القرارات الحكيمة بحزم».
وأضاف الأستاذ "عثمان العيسمي" قائلاً: «سأورد حادثة كما سمعتها: في إحدى سنوات الجفاف القاسية على قرية "امتان" حل ضيوف ذوو شأن ومكانة كبيرة عند أهل الجبل عامة وأهل القرية خاصة، فكان باستقبالهم الأمير "أبو علي مصطفى الأطرش" وقام بدعوتهم إلى مقعده المعروف، والعادة تقتضي أن يقوم الأمير بتقديم الطعام لهم بحضور أهل القرية ووجهائها، ويقوم واحد من أهل القرية بدعوة الضيوف إلى طعام الغداء أو العشاء حسب الوقت، والأهم كان الناس يتفاخرون بحضورهم فإذا عمل الأمير على تقديم الذبائح وجب على أهل القرية تقديمها أيضاً فهم لا يشعرون إلا بالامارة أيضاً، ولكن هذه المرة كانت الأحوال الاقتصادية للأهالي مضنية والجفاف شمل جميع الأهالي، فما كان من الأمير إلا أن قدم للضيوف طعاماً من النوع البسيط بمعنى أكلة شعبية عرفت باسم "عميشة" (وتتكوّن من البرغل المطبوخ والمخلوط بالكشك الناعم) بدلاً من الذبائح المسكوب عليها السمن العربي، كي لا يشعر أي من أهالي القرية بالعجز عن دعوة الضيوف، فما كان من أهل البلد إلا الفرح والعز والفخر بأميرهم الذي كان واحداً منهم في السراء والضراء، ولعمري كان موقفاً عقلانياً منه رفع من شأنه بين قومه، وهناك أشياء كثيرة قد لا يتسع الوقت لذكرها».
الشاعر الشاب "سعيد جابر" من قرية "امتان" بيّن بالقول: «منذ صغرنا وكبار السن في قريتنا يحدثوننا أن مقعد الأمير "ابو علي مصطفى الأطرش" كان منبراً ثقافياً للشعراء والأدباء، ومجلساً وطنياً للتشاور بين الثوار، خاصة في زمن الاحتلال العثماني والفرنسي، إضافة إلى حل النزاعات والخلافات بين الناس، ولهذا لم تشهد قرية "امتان" حادثة قتل في تاريخها، إنما كانت النزاعات تبقى في إطار سيطرة العقلاء عليها، وهذا يعود لحكمة أهلها ومحبتهم ولانتمائهم لقريتهم، إذ كثيراً ما كنا نسمع أن بعضاً من الرجال لا يستطيعون تناول ماء الشرب بمقعده لهيبة شخصيته، ولكن باختصار لا مكان للضعيف والجبان في مقاعد الأبطال والشجعان ومضافات الكرم والفرسان، فمقعد الأمير لم يكن لتداول الأحوال الاجتماعية والاقتصادية فحسب بل لإظهار مواهب إبداعية شعرية وأدبية وطرح ثقافة استخدام العقل الاجتماعي الأمر الذي جعل الصغار تأخذ من حكمة الكبار، ومقعده الذي تجاوز القرنين من الزمن باق يتحدى الزمن ويقدم للمجتمع الرجال أصحاب الرأي السديد والفكر الجديد».
