«كانت الشعوذة والدجل مهنةً وفنَّاً لكثير من الدجالين لكسب المال الوفير والجاه الكبير بين الناس البسطاء، وهذا ما نجده خاصة عند الدخلاء في مجال الطب، وعادة ما كان يتجلبب هؤلاء برداء الدين، ويتباهون بالمعرفة الطبية، وهم بعيدون كلَّ البعد عن الحقيقة والطب، ولا شكَّ أنهم يقضُّون مضاجع الأطباء والدولة، ويعتبرون حاجزاً في وجه التقدم، والرقي العلمي، وقد تصدى بعض الأطباء لهؤلاء المشعوذين والدجالين، ومن بينهم الطبيب الأديب "عبد السلام العجيلي"».
هذا ما قاله الكاتب الدكتور "محمد أحمد الصالح"، لموقع eRaqqa بتاريخ (18/4/2009)، وذلك في معرض حديثه عن دور "العجيلي" في التصدي للشعوذة والدجل في منطقة "الرقة"، حيث يتابع قوله: «كان "العجيلي" بارعاً ماهراً في التشخيص الشعبي والسريري، يقارب الحالة المرضية الاجتماعية، ويقارنها بما يعلم من علمٍ وطب.
إن علة المرحوم "خلف الإبراهيم" لم تكن "حبة الهوا" ولا "أم سبعة ثياب"، بل كانت جمرة حميدة ناجمة عن تجمع عدة دمامل، الذي كان مصاب بداء السكري قبل ذلك
ففي قصة "الكَلب أم الجهل" يبرع "العجيلي" في التقاط واقتناص القصة السريرية أو الحادثة، ويضع أعراض الأمراض ومضاعفاتها ويقترح العلاج معاً، ثم يقارن الحادثة مع الشعوذة وما تؤَّل إليه مثل هذه الأمور، ويخاطب الناس الحضر والبدو بلسانهم، حيث يقول في كتابه "عيادة في الريف": «قلت لأهل المريض: أما كان في وسعكم أن تضيفوا إلى معالجة "الجنيدات" معالجة طبية مجانية، تتولاها الدولة في كل مكان لا تكلفكم فلساً»، ويستطرد قائلاً: «أتذكَّرُ ما قاله "عمر بن الخطاب"، حين مرَّ بأحد المسلمين، فرأى إبله مصابة بالجرب، فسأله: بماذا تداوي أباعرك من جربها، فقال الرجل: إني أدعو الله لها، فقال "عمر" رضي الله عنه: هلاَّ جعلت مع دعائك شيئاً من القطران».
أراد "العجيلي" أن يَلِجَ إلى جوهر المعتقد لدى الناس، وقد يكون مليئاً بالشعوذات، فينتشلهم من البئر الآسن بالدجل، ويوصلهم إلى شاطئ العلم والمعرفة والتوعية الصحية في الحاضر والمستقبل، وللشعوذة فنون وللدجل ألوان، وهذا ما يؤيده "العجيلي"، في قصة "موسم الدجل" قائلاً: «وراحت "عدلة الجاسم" تَصِفُ لي المترددين والمترددات بصورة خاصة على الشيخ الذي يعضُّ، وتَصِفُ السيارات التي تحمل إليه المرضى من كل البقاع فيتقاطرون إلى هذا الشيخ المجدد في الدجل شيخٌ لا يكتب للوافدين عليه حجاباً ولا يسقيهم شراباً، وإنما يَعضُّهم.
بين الحين والحين تقع عيني وأنا أفحص مرضاي الريفيين على شريط أخضر يحيط بعضد امرأة أو يستدير كزنار على وسط رجل، أو أني أراه مخيطاً على كم قميص أحد الصبيان عند الكتف، فأعرف أن هذا الصبي أو ذلك الرجل أو تلك المرأة، قادم أو قادمة من زيارة ضريح أحد الأولياء، وأنه تزوَّدَ أو أنها تزوَّدت من قَيِّم ذلك الضريح بذخيرة مباركة هي هذا الشريط الأخضر, فاعتقادات العامة ببركة مثل هذه الذخيرة لا تسوؤني كثيراً ولا تدعوني إلى تسفيهها, والإيمان على رأس هذه العوامل، "ولو آمن أحدكم بحجر لشفاه".
مواسم الدجل كثيرة، وهكذا يُدْخِلُ "العجيلي" إلى قلب المشكلة، يدرس حجمها ويضع مسبباتها ويعطي الحلول الناجعة، وينتشل مَنْ بإمكانه انتشالهُ من الغاطسين في دياجير الجهل والشعوذة، ويقول في قصة "موسم الدجل": «على أن نهاية دجال بعينه لا تعني امحاء الدجل من الوجود، فمواسم الدجل قامت منذ بدء الخليقة، وستستمر مادامت في الحياة مجاهل مظلمة لم تٌُِنر المعرفة كافة خوافيها، فلا شك في أن قابلية الانخداع عند مجموعة من الناس تتناسب مع خط هذه المجموعة من الجهل وهذا ما يحصل، المؤمنين بشعوذات الشيخ "العضَّاض" مثل المؤمنين بكرامات ذلك "المُجنَّد" المسكين من أمثال "عدلة الجاسم".
بين أبناء ريفنا المتخلف نجد أن الشواهد كثيرة على اندفاع أفراد من أكثر المجتمعات، تعبر ما وراء أشخاص نراهم نحن مشعوذين، أو على انخراطهم في نحل نعتبرها أحابيل خداع وتظليل، ذلك أن معرفتنا حتى في هذا العصر الذي بلغ فيه العلم الوضعي ما بلغه, لا تزال عاجزة عن كشف كل مجهولات النفس البشرية أو الجسد البشري، لا تزال في هذا وتلك مناطق مظلمة يستطيع المشعوذ الذكي أو الموهوب أن يستغلها ليلعب فيها لعبته.
وفي هذه اللعبة التي تجري في الظلام قد يحدث أن يصاب هدف برمية من غير رام, حينذاك يكون بدءاً لموسم...., موسم يتكون فيه للمشعوذ أتباع ويتقاطر إليه زوار مسوقون بالعدوى وبشهرة تصنعها الشائعات البريئة أو المغرضة, يصبح عند ذاك أمر صاحب الموسم، مثل أمر حصاة تدهورت من أعلى الجبل فتكور حولها الثلج، تضخم كرتها كلما تدحرجت من سطح الجبل في إنحدارها إلى الوادي، حتى إذا بلغت مستقرها وسلطت عليها الشمس أشعتها الحارة والمضيئة، تضاءلت تلك الكرة وذابت ثم انكشفت عن حجر صلد عقيم تماماً, ثم تنكشف عن مثل ذلك عاجلاً أو آجلاً كل مواسم الدجل في التطبب وفي غير التطبب».
كان "العجيلي" مُلمًَّا بأحوال بلدته وعاداتهم وتقاليدهم، فبطل الحكاية "الحاج نجم" يريد من "العجيلي" أن يوافق على وصفاته، ولا يخلو "العجيلي" من دعابة وفكاهة مع مرضاه وزواره، فهذا أحد مرضاه يستأذن أن يعالج الروماتيزم بوصفة "الحاج نجم"، يقول "العجيلي" في هذه القصة: « فنصح "الحاج نجم" المريض أن يغمس شريحتين عريضتين من اللباد في البنزين حتى تتشربا به جيداً، ثم ألفَّ ساقي حتى الركبتين بهاتين اللبادتين، قلت: لقد سها "الحاج نجم" عن شيء، قال: ما هو قلت: نسي عود الكبريت الذي يجب أن تشعله قرب اللبادتين المشبعتين بنزيناً بعد أن تلف ساقيك بهما».
في المجتمعات البدوية ونصف الحضرية تكثر العادات والتقاليد وأساليب الشعوذة والدجل، وأحياناً تحت عمامة دينية فقام "العجيلي" بحرب لا هوادة فيها ضد هذه المظاهر اللاعلمية، وكما يقول في قصة "الدجالون درجات": «جزء منهم ينصح مرضاه أو عواده بعدم مراجعة الأطباء لأنهم يعطون إبراً للمريض, فبعدها تحصل وفاة كما عند الدجال "علي الشواخ"، وهذه النصائح المضرة أدت إلى وفيات كثيرة ودون وصول المصابين إلى الأطباء المختصين»، ويذكر "العجيلي" في ذات القصة: «ذلك أن الدجالين فئات متمايزة يمكن تصنيفهم بحسب درجتهم في المعرفة أو لِنقل درجتهم في الجهل، أو حسب شهرتهم وتهافت طالبي الشفاء عندهم، أو حسب مدى الضرر الذي يلحقونه ببسطاء الناس، الذين يقصدونهم مفتشين عندهم دواء لعللهم اليسيرة أو المستعصية».
كان "العجيلي" هادفاً لفضح هذه الشعوذات وباثاً التوعية الصحية في مجتمعات متخلفة طبياً وعلمياً، وللأسف الشديد كانت للشعوذة مدارس متميزة وتعالج كل الأمراض "الحمى الدماغية, الداء الرثوي, التوتر الشرياني, الأمراض المعدية وأمراض البطن" ويصف "العجيلي" هذه الفئة المشعوذة قائلاً: «هذه الفئة وتلك، أضاف أفرادها إلى ممارستهم غير المشروعة للتطبيب أو إلى ابتزاز مال قاصديهم من السذج والجهلة، طرقاً للعلاج أدت إلى ضعف أو اشتداد المرض في أجسام أولئك القاصدين، وأخطر منهم وأكثر جناية، فئة هذا الذي داوى الطفل بالدجل بالماء المالح، وبالكي بالنار، ثم احتجزه مشدداً على أهله أن لا يعرضوه على طبيب له معرفة بدائه، غير متورِّع من أن يتسبب في تفاقم مرض الطفل الذي قاده إلى منيته، كان ذلك تستراً على دريهمات قبضها من شعوذته وتدجيله».
ويشن "العجيلي" حملة توعية واسعة النطاق بالعيادة وبالمضافة وبالجلسات العائلية وغيرها، ويدحض العلاج الشعبي ذي الشعوذة، قائلاً: «المعالجة تتعلق بالتبكير فيها، وأين التبكير في الريف، وقد وقف فيه للمريض بالمرصاد عجائز الحي، ليعالج باللبخات الحارة والنفطة، أو المُسِنُّون في العشيرة يتناولوا العضو المصاب بكيٍّ بالحديد المحمى، أو الحرق بلفافة الخرق الزرقاء، والشيوخ ذوو اللحى العريضة يُعزِّموا على المريض المسكين ويبخرونه، ويبتزوا ما في جيب أهله من مال».
«إن لم تكن "حبة هوا" فهي "أم سبعة ثياب"»، بهذه الكلمات يتفوه "العارفة" بالطب الشعبي، "ياسين الأحمد"، في قصة "المشورة"، من كتاب حكايات طبية لـ"العجيلي"، ويستطرد "العارفة": «نعم هي "أم سبعة ثياب" هو خرَّاج خبيث يا "فهد" أفندي، ولكن هذا لا يعني أنها لا تشفى، في السنة الفائتة داويت مثلها في صدر بعير الشيخ "حداد"، بعيره الأسود..، وضعت على صدر البعير لزفة دم القرد ثلاثة أيام بلياليها حتى لانَ الدَّملُ، ثم جئت بالسكين الكبيرة، فأحميت رأسها في الجمر حتى احمرَّ، وشققت الجلد بشكل صليب، فهدر الصديد المتجمع، وبان اللحم تحته...حتى شُفي البعير».
ويفند "العجيلي" شعوذة ودجل "العارفة" المذكور، في نفس القصة قائلاً: «إن علة المرحوم "خلف الإبراهيم" لم تكن "حبة الهوا" ولا "أم سبعة ثياب"، بل كانت جمرة حميدة ناجمة عن تجمع عدة دمامل، الذي كان مصاب بداء السكري قبل ذلك».
وفي قصة "في ردهة الانتظار" يهزأ "العجيلي" من مجموعة علاجات شعبية، قائلاً: «وسألني صديقي الذي روى لي هذه الحكاية: أحقاً وصفت أنت مثل هذه البطيخة للمشتكين من الرمال في مجاريهم البولية؟ كم ضحكتُ وأنا أتذكر حكاية المشعوذ ابن الشيخ "عيسى"، وكلمة زوج الامرأة المتخوفة، اللتين أوردتهما في مطلع هذا الفصل، وقلت لصديقي مجيباً على سؤاله: لا، ولكنه مكر جاري البائع، الذي قولني ما لم أقله، وليس ذنبي أو ذنب أمثالي من أطباء، إذا وقع السذج في أحابيل الماكرين، أو استسلموا لخزعبلات المشعوذين، أو نسبوا إلينا ما يرفضه التفكير والمنطق وما يتجاوز المألوف والمعقول».
وفي قصة "المشورة" من كتاب "حكايات طبية"، يصف "العجيلي" العلاج الشعبي للدمل في ظهر المريض "خلف الإبراهيم" قائلاً: «ولقد عجزت لبخات زوجته العجوز "خاتون" التي صنعتها من الملح ونخالة الشعير، ومن الحلاوة والبصل ونشارة الصابون، على أن تخفف من شكواه، كل ما فعلت تلك اللبخات هو أنها فتحت في جلد ظهره ثلاث عيون تنزُّ قيحاً، وتزيده فوق الألم لزوجة بغيضة ورائحة كريهة».
وقد وصف "العجيلي" أثناء ممارسته الطبية أشكالاً شعبية من العلاجات الشعبية والعلمية القديمة الذكر، وتستطب في حالات مرضية مثل: (آلام العصب الوركي، التهاب المفاصل الرثوية، الآلام الوربية، الآم العمود الرقبي، الشقيقة والصداع العصبي)، ويقول: «الريفيون في وادي "الفرات" وباديته، يستخدمون "الكي" في كل الأمراض، في أبسطها وأسلمها، مثله في أكثرها استعصاءً على الشفاء، ويكون عندهم المرضى من كل الأعمار، الوليد، ابن الأسبوع، الفتاة العذراء، والشيخ المسن».
وأنواعها كما يصفها "العجيلي": أولاً "التلكيع": اللذع بطرف السيجارة المشتعلة، أو بحجرة متقدة، لذعاً سريعاً ومتعدداً، يترك في بشرة الجلد حرقاً أسودَ لا يتجاوزها إلى الأدمة.
ثانياً "التشطيب": «هو أن تحمي مسلة غليظة أو سيخ حديد من النار إلى أن يحمى، ثم يشطب الجلد بأحدهما حتى يحترق بكل طبقاته ويصل إلى الشحم والعضل تحته، ثالثاً "العطبة": وهي لفافة أسطوانية بغلظ الخنصر، تصنع من قماش أخضر ثخين، يحرق طرفها ويطبق هذا الطرف المحروق على طرف البطن أو الظهر أو على أحد الأطراف، فتشعل دقائق طويلة إلى أن يرى من يقوم بالعملية أن ما احترق من جلد المريض فيه الكفاية، فيرفعها عندئذ في انتظار أن يقلع النسيج المحترق، وتظهر النسج الحية دونه حمراء ملتهبة.
رحم الله "العجيلي" كم كان عمله الطبي العلمي صعباً، وسط الغالبية العظمى التي لا تقرأ ولا تكتب، وهم جاهلون بأبسط أمور الطب، ويثقون ثقةً عمياء بالمشعوذين والدجالين».
