هل كان مصادفة أن يُشرق غلاف مجموعتها القصصية اليتيمة بلوحة تمثل امرأة رقيقة يختلط الحزن والأمل في نظراتها الذاهبة للبعيد البعيد..؟ وهل كان مصادفة أن تشبه امرأة اللوحة، وفي كل شيء، امرأة تضج بالحياة اسمها "جانيت بازو"؟ لا أدري، لكني أعرف أن فناناً شاباً اسمه "عابد حشيشو" هو الذي رسم هذه اللوحة وهذا الغلاف، وكان هذا الفنان ابنها.

يا إلهي.. كم يحرض فينا الموت أشياء وأشياء.. الآن، وأنا أهم بكتابة هذه السطور، أنتبه إلى مدى التشابه بين الصورة وبينها.. أنتبه أيضاً إلى المعنى البعيد لإهدائها الذي كتبته على مجموعتها القصصية، قبل أن تقدمها لي: (إلى الأخ الشاعر.... أتمنى لك طول العمر والصحة والعافية)... طول العمر والصحة والعافية..؟

للأسف لم يتسنّ لي بعد هذا العمل أن نلتقي فنياً مرة أخرى، فقد سافرت أنا إلى "السعودية" للعمل هناك، كما سافرت هي أيضاً، بعد تخرجها، إلى دير الزور، حيث تزوجت هناك وانخرطت في العمل في المدارس. عندما عدت من "السعودية"، تركت "الحسكة" واستقريت أنا الآخر في "دير الزور"، وفيها التقيت مجدداً بالسيدة "جانيت"، وقد أصبحت معروفة كأديبة وفنانة تشكيلية، مع لقبها الجديد "أم سلام"، وهو اسم أكبر أبنائها. لقد خسرنا هذه الفنانة، وهذه المربية، وأتمنى أن تكرّم على الصعيد الرسمي بالمستوى الذي يليق بها، وأن تبادر المؤسسات الثقافية لجمع مخطوطاتها وطباعتها، وهي التي لم تستطع فعله لأسباب مادية

أدرك الآن أنها قد تمنت لي ما كانت تتمناه لنفسها، وهي ابنة الحياة، المفعمة بالإرادة والحيوية، والتي لم يمهلها المرض طويلاً، ولم ينتظرها حتى لقبض أول راتب تقاعدي لها.

وهي مكرمة

بعد وفاتها بأسبوع واحد، وتحديداً في 11/4/2009، التقى eSyria المخرج المسرحي "عصام المانع"، وهو أول من اكتشف مواهبها ورشحها للعمل معه في المسرح، وعن هذا يقول: «في عام 1969، كنت حاضراً لمسرحية طلابية خاصة بطالبات الصف الخاص في "الحسكة"، فلفتت نظري إحدى الممثلات بأدائها الخاص، إذ إنها كانت متقنة دورها بتميز، رغم أنه كان دوراً ثانوياً، فسألت عنها فقيل لي اسمها "جانيت بازو".

بعد انتهاء العمل تقدمت منها وعرفتها على نفسي وعرضت عليها دوراً هاماً وبطولياً في مسرحيتي القادمة (الهروب من الحقيقة)، فوافقت عليه وكادت تطير من الفرح.

الفنان سعيد حمزة

بعد وقت قصير بدأنا التدرب على المسرحية، وكانت "جانيت" شديدة الانضباط والالتزام بالمواعيد واحترام ملاحظاتي كمخرج للمسرحية، وقد ساعدتني كثيراً، لذكائها ونضج موهبتها، في سرعة تفهم وإتقان دورها، وهو دور معقد، يحتاج إلى وقت طويل وتدريب شاق لاستيعابه، وبالفعل، فلم تخيّب هذه الفتاة ظني فيها أثناء عرضه، فقد نجحت فيه نجاحاً استحقت عليه كل الثناء».

ويتابع "المانع": «للأسف لم يتسنّ لي بعد هذا العمل أن نلتقي فنياً مرة أخرى، فقد سافرت أنا إلى "السعودية" للعمل هناك، كما سافرت هي أيضاً، بعد تخرجها، إلى دير الزور، حيث تزوجت هناك وانخرطت في العمل في المدارس.

المخرج المسرحي عصام المانع

عندما عدت من "السعودية"، تركت "الحسكة" واستقريت أنا الآخر في "دير الزور"، وفيها التقيت مجدداً بالسيدة "جانيت"، وقد أصبحت معروفة كأديبة وفنانة تشكيلية، مع لقبها الجديد "أم سلام"، وهو اسم أكبر أبنائها.

لقد خسرنا هذه الفنانة، وهذه المربية، وأتمنى أن تكرّم على الصعيد الرسمي بالمستوى الذي يليق بها، وأن تبادر المؤسسات الثقافية لجمع مخطوطاتها وطباعتها، وهي التي لم تستطع فعله لأسباب مادية».

بالغصة ومشاعر الاحترام نفسها تحدث الفنان والباحث في شؤون التراث الشعبي "سعيد حمزة" قائلاً: «عندما تلقيت خبر وفاتها بقيت مذهولاً، غير مصدق، فقد كنا مشاركين معاً في مهرجان "العشاري" الأدبي، في بلدة "العشارة" وقد تحدثت معها قبل يوم من انطلاق المهرجان وسألتها عما ستقرؤه في المهرجان، وهل هناك شيء خاص بـ "غزة" الجريحة فأجابت نعم، واستطردت: أفضّل أن تقول (غزة الصامدة)، فنحن السوريين نحب مفردات النضال والصمود ولا فرق بيننا وبين الفلسطينيين فعدونا واحد واتفقنا وانتهت المكالمة.

وفي لقائي الأخير معها في مديرية الثقافة أثناء اجتماع لجنة التراث، حيث كنا أيضاً نعمل معاً في لجنة جمع التراث الشعبي، اقتربت مني مبتسمةً بعد أن انتهى الاجتماع قائلة: لقد أنهيت خدمتي التعليمية والحمد لله ولحقت بك وطلعتُ تقاعد..

تحدثنا عن الأوراق التقاعدية.. ولكن لم يمهلها القدر كي تنعم براتبها التقاعدي وهي التي أفنت عمرها في العطاء بين الأطفال.

عرفتها لسنوات طويلة، عملنا معاً مع الأطفال في الأنشطة الطليعية والتخصصية، كما جمعنا الفن والتراث، وفي كل هذه السنين كانت الابتسامة لا تفارقها، حتى في أحلك أيامها، ولم تكن قادرة على الانفكاك عن محبة الناس.

ليس لدي الآن ما أقوله أكثر من أن أوصي عائلتها بالحفاظ على إرثها الأدبي والفني لطباعته ذات يوم ووضعه بين أيدي الناس الذين أخلصت في محبتهم بكل صدق وعفوية».

بقي القول، إنه، ومنذ أربعين عاماً و"جانيت بازو" تشحذ روحها بقيم الخير والمحبة والجمال، معززة كل ذلك بموقف فكري لا لبس فيه، ينهل من بئر صافية، ماؤها العدل والمساواة ونصرة المظلومين والفقراء.

فهي التي قصت الشريط كأول امرأة ديرية تقيم معرضاً فردياً في المركز الثقافي، وقد ضم حينها ما يزيد على الخمسين لوحة، ولست متأكداً فيما إذا كانت أيضاً أول ديرية (مقيمة في الدير) تحصل على عضوية نقابة الفنون الجميلة.

لم تقتصر النشاطات الفنية لـ "أم سلام" على حافظتها ووطنها، فهي قد أقامت معرضاً فردياً في "أوسلو" وضم لوحات وأعمال خاصة بالكولاج.

حصلت "أم سلام" على العديد من الجوائز المحلية، كان منها الجائزة المركزية لنقابة المعلمين عام 2002 عن مسرحية للأطفال وجائزة اتحاد الكتاب العرب عام 1999، كما تم تكريمها رسميا في العام الماضي من قبل السيدة "أسماء الأسد" كأم متميزة ومثقفة ومبدعة، وقد كان اختيارها لهذا التكريم مثار سعادة كل من كان يعرف أم سلام.

ترحل الآن هذه الفنانة والأديبة بعد أن تركت وراءها (الصفحة البيضاء)، وهي مجموعتها القصصية الوحيدة التي رأت النور، إضافة إلى عديد من المخطوطات القصصية الأخرى، ومخطوطات مسرحية للأطفال، ومخطوطة روائية واحدة، ومخطوطين شعريين، وعشرات اللوحات الفنية.

تقول الحكمة: تسقط الأوراق وتبقى الشجرة، وإن سقطت الشجرة فستبقى الأرض.. فهل سقطت "أم سلام"..؟

يقيني بأن هذه الشجرة، التي أصلها في محبرة المحبة وفرعها في قلوب الناس، لن تحتاج كثيراً إلى وسائد الأرض، فروحها الطيبة وبشاشتها الأنيقة و(مسيحيتها) الوارفة بالمحبة، ستظل تركض بين كلماتها وألوانها وحيطان بيتها وذاكرة الأصدقاء والعائلة.