إن أردنا أن نتحدث عن كاتب فعلينا أن نرصده في إطار بيئته أولاً، وفي إطار بيئته ثانياً، فلا معنى للصورة - أي صورة – دون خلفيتها التي هي جزء أساسي منها.
وإن أردنا أن نتحدث عن القاص "زكريا المحمود" فعلينا أن نتحدث أولاً عن خصوصية اللون الذي تمنحه ثمار الفستق الحلبي في بلدة "مورك" التي تبعد حوالي /30/ كم شمالي "حماة"، لسببين الأول هو أنه بالرغم من كون "زكريا محمود" خجولاً يصبغ وجهه لون الفستق الحلبي في أغلب الأحيان إلا أن ذلك لا ينفي عنه صفة الثائر في قصصه على كل مفاهيم العادات الاجتماعية البالية.
القصة القصيرة جداً فهي ومضة تحتاج إلى طاقة إبداعية هائلة
يقول القاص "زكريا المحمود" في قصته التي بعنوان "الرأس والحذاء":
«حدّقت المرأة في الرسم ثم التفتت إلي بدهشة:
- أين القبعة؟
- ها هي أمامك.
- ولكنه حذاء!!
- هذه القبعة التي أريد.
نظرت إلي ثم انفجرت صارخة- أنت مجنون- عبثاً حاولت إقناعها- فقد أصرت على وصفي بالمجنون ثم أقسمت بأن لا تكلمني- وأن تمنع عني حقوقي كزوج ورجل- إن لم ألغ هذه الفكرة وأمحوها من رأسي نهائياً.
" أسفت لموقفها – يا لها من امرأة حمقاء"، قاطعتني تلك المرأة رغم إصراري- ووضعت برنامج المقاطعة إذ أخذت تبعد الأولاد عني.
"ازداد أسفي لموقفها غير أني تابعت البحث".
موقع eSyria التقى القاص "زكريا إبراهيم محمود" في قريته "مورك" بتاريخ 7/4/2009 وكان لنا معه اللقاء التالي:
** لا أدري ما علاقة هذا المصطلح بالإبداع، لأن كل نصّ إبداعي قصة كان أم شعراً، أم مسرحاً هو تجاوز للمألوف نحو أفق إبداع أرحب، دون أن يعني هذا القطيعة المعرفية، فالحياة كل الحياة –بالمألوف واللا مألوف- هي المرتكز الإبداعي ويكمن الإبداع بتجاوز المرتكز من خلال الرؤى الإبداعية التي تمنح الفن بكل تجلياته القيمة التي تتجاوز المألوف.
«اللغة هي أنا وأنت والآخر»
** اللغة هي أنا وأنت والآخر، وتختلف اللغة بين الذات المبدعة والذات المتلقية، وأعظم ما في اللغة هي شعور الذات المتلقية أن هذه اللغة هي لغة الذات المتلقية، الإبداع الحقيقي في اللغة هو اختيار اللغة الكاشفة التي تستطيع تجاوز الحدود دون أن يشعر المتلقي بالغربة أو الانفصال عن الذات المبدعة – المتحدثة – الكاتبة، أما أن تكون اللغة مقصودة لذاتها دون جوانب الإبداع ككل متكامل، فهي بوح ذاتي يفضل أن يحتفظ به الكاتب لنفسه.
** اختيار اللفظ في هذا السؤال ذكي حقاً، فهناك فرق بين من يكتب، وكاتب. وقد بحثت عن هؤلاء الكثيرين فلم أجد إلا القلة –الكاتبة- حقاً، فبعض من كتب القصة منذ عدة عقود ظل وفياً لأول قصة كتبها فلم يتجاوز ذلك وظل متقوقعاً ضمن مفهوم البدايات "وفاء يستحق عليه ركنه في متحف" والبعض الآخر ما زال يجرب في خواطر قصصية، والبعض استهلك تماماً بعد بداية إبداعية موفقة فتوقف أو صمت ولم يبق إلا أقل القليل من الكتّاب الحقيقيين الذين يمكن أن نطلق عليهم لفظة كتّاب، أما عن التميز فلا أجد أسماء متميزة، وهنا أتحدث عن التميز بمعناه الواسع في دنيا الأدب.
«لم يعد هناك دور نشر تنشر حباً بالأدب أو الإبداع»
** لأني أكره أن أحمل مجموعتي متملقاً ومستجدياً أو طالباً واسطة أحد ما للطباعة في إحدى المؤسسات المتخصصة؛ أما دور النشر الخاصة فأي مجموعة أو كاتب جديد هو مشروع استثماري ينظرون إليه من مبدأ الربح أو الخسارة، لم يعد هناك دور نشر تنشر حباً بالأدب أو الإبداع.
** كنت أقرأ عن السرقات الأدبية وأستغرب حقاً كيف يفعل مبدع هذا الفعل الشنيع ولأني كنت أضع المبدع في مرتبة سامية، كنت أستبعد هذا الأمر، إلا أن ما حدث معي شخصياً أكّد هذا الفعل المقرف، واسمح لي بذكر الحادثة منذ البداية، فمنذ عدة سنوات كنّا مجموعة من الأدباء الشباب في ملتقى أدبي، وكان من الأنشطة أمسيات للشعر والقصة، وفي أمسية القصة التي تم التحضير لها باستضافة كاتب قصة وناقد معروف، وأقول معروف حسب الواقع الأدبي في زمنه، تمّت الأمسية وأفسح المجال للكاتب المعروف لإبداء رأيه وملاحظاته، كنت أنا ممن قرأ في الأمسية؛ توقف كاتبنا عندما قرأت، بعبارات مديح مذهلة، فاعتبر أن ما قرأته من مصاف الأدب العالمي، وقال بأني ذكرته بالكاتب "تشيخوف" و"كافكا"، وبعد نهاية الأمسية طلب مني النصّ لينشره في إحدى الصحف فقد كان سكرتير تحرير إحدى الصحف الأدبية المتخصصة، طبعاً لم ينشر نصّ القصة، وبعد عدة أشهر كنت أقرأ مقالاً تقدياً عن مجموعة للكاتب نفسه، وقد توقف الدارس عند إحدى قصص المجموعة، وفوجئت بأن ما تحدث عنه الناقد هو قصتي التي لم تنشر، قرأت المجموعة فوجدت أنه أخذ روح قصتي مع بعض التغيرات الطفيفة، أمر السرقة موجود حتى في النشر الإلكتروني يحدث هذا الأمر بفجاجة وصفاقة مقرفة.
«القصة السورية هي سيدة ساح الإبداع القصصي»
** القصة هي نفثات الروح الشاعرة، هي خلجات هذه الروح بكل ما تحمل من فرح وحزن وأسى وغضب وقرف، القصة هي انطباع الواقع في النفس والتعبير عن هذا الواقع من خلال الذات وتماهيها مع الآخر، القصة ليست حكايات وأحاديث وتسجيل للأحداث، هي التعبير عن الحياة –كل الحياة- من خلال الذات المبدعة.
القصة السورية هي سيدة ساح الإبداع القصصي في الوطن العربي مع استمرارية الكتّاب الكبار المبدعين بالتواجد على الساح الأدبية، مع وجود جيل من الشباب المبدع الذي أرجو أن يجد متنفساً في القادمات.
«القصة القصيرة جداً فهي ومضة تحتاج إلى طاقة إبداعية هائلة»
** القصة القصيرة جداً أو كما يحب أن يسميها البعض /ق.ق.ج/ هي تفريع عن الأصل وهو تفريع مستحب وجميل في بعض الأحيان، أما ما أقرأه الآن في معظمه هو حدث ينتهي على الأغلب بطرفة أو بشيء يدعو على الأقل للابتسام، أما القصة القصيرة جداً فهي ومضة تحتاج إلى طاقة إبداعية هائلة كي يمسك الكاتب بكلماته القليلة بجوانب القصة، ويمكن لهذه الومضات أن تكون فنّاً قادراً على الاستمرار والتآلف إذا وجد من يتمكن من هذا الفن، أما من خلال ما أقرأ فلا أعتقد ذلك.
** يمكن لهؤلاء أن ينتسبوا إلى اتحاد الحرفيين، فهم صنّاع يشترون المواد اللازمة ثم يضيفون إليها بعض اللواصق، وينثرون بعض البهارات فتخرج من بين أيديهم أشكالاً محنطة يكفي لإطار خشبي كي يجعلها إحدى القطع المتحفية بالأبيض والأسود، أعتقد أن الواقع قد تجاوز هؤلاء وأنهم في لحظات النزع الأخير.
