في تتويج لعملية ترميم استغرقت ما بين دراسة وتنفيذ قرابة الخمس سنوات، أقيم حفل موسيقي تضمن موسيقى كلاسيكية لفرقة "كوميداس" لموسيقى الحجرة وذلك في جوف "قلعة حلب"! ضمن "الخزان الأيوبي" (المطمورة) الذي يقع في قلب القلعة وعلى عمق /79/ درجة من سطحها وذلك يوم الاثنين 23/3/2009بحضور عدد من الشخصيات الاجتماعية المهمة في مدينة "حلب"...وجاءت هذه الأمسية نتيجة لأعمال الترميم الذي قامت به كل من مؤسسة "الآغا خان" بالمشاركة مع "صندوق الأوابد العالمية" (World Monuments Fund) بمساعدة جمعية "أصدقاء قلعة حلب" وتحت إشراف "المديرية العامة للآثار والمتاحف".
وقد كان موقع "eSyria" من المواقع الرائدة التي تحدثت عن هذا الموقع وأهميته التاريخية والأعمال الترميمية التي أجريت فيه في تحقيق تفصيلي من خلال لقاء عدد من المهندسين الذين أشرفوا على عمليات الدراسة والترميم وذلك قبيل الافتتاح الرسمي للموقع والذي كانت هذه الأمسية بمثابة افتتاح "غير رسمي" له هو أقرب إلى عملية تكريم للقائمين على المشروع والذين شاركوا في عملية ترميمه على مدار السنوات الخمس والتي بدأت مع بداية العام /2003/م في الدراسة التي استمرت ثلاث سنوات، وانتهت في أواخر العام /2008م/ مع عملية الترميم التي استغرقت العام والنصف تقريبا وذلك بحسب تصريح سابق للمهندسة "ريم قدسي" والتي كانت مشرفة على المشروع والتي تتابع لنا اليوم بالقول:
كانت الفكرة مميزة وجريئة، وقد أحببت الغناء الأوبرالي الذي جرى في الأمسية
«كان المشروع تحديا كبيرا لنا بسبب خطورته الإنشائية، وكان المكان مخيفا مع وجود مخاطرة كبيرة تجاه من كان سوف يعمل ضمن مشاريع الترميم، لم يكن موضوع التحكم بالجودة سهلا واستغرقت العملية وقتا وجهدا كبيرين، إلا أن النتيجة كانت كما رأيتموها الآن، أنا جدّ سعيدة لإقامة هذه الأمسية اليوم خصوصا أنها من جهة تقوم بتعريف الناس بالعمل النوعي الذي تم هنا، ومن جهة ثانية فإنها أمسية للموسيقى الكلاسيكية الأمر الذي يجعلنا ـ ومع الطابع العام للمكان ـ نعود إلى الفترة الماضية، إلى الفترة التي تم فيها بناء الخزان الأيوبي».
وقد قامت المهندسة "ريم قدسي" بعرض شرح عن الخزان قمنا بذكره بشكل موسع في المقالة التي نشرها موقع "eSyria" بتاريخ 11/3/2009 وذلك لحضور الأمسية من الجمهور.
أقرب مرة إلى" موسيقى الحجرة"!..
وبعد الشرح عن أعمال الترميم التي أقيمت، قدمت فرقة "كوميداس" لموسيقى الحجرة معزوفات موسيقية لكل من كبار مؤلفي الموسيقى العاملين أمثال: "هاندل"، "تشايكوفسكي"، "فيفالدي"، إضافة إلى مقطوعتين من الموسيقى الكلاسيكية الأرمنية للراهب الأرمني الأشهر "كوميداس" مع غناء أوبرالي أيضا.
وقد عرض موقع "eSyria" موضوعا عن تاريخ الفرقة وتأسيسها؛ أما مصطلح "موسيقى الحجرة" فيعود إلى الفترة التي كانت فيها الفرق الموسيقية الصغيرة (ذات حجم وعدد عازفين أقل من فرق "الاوركسترا" وبدون مايسترو) تعزف في "حجرات" القصور والقلاع الأمر الذي تحقق لأول مرة بالنسبة لفرقة "كوميداس" من خلال عزفها في "حجرة الخزان الأيوبي" بدلا من المسرح حيث يعلق السيد "وانيس مبيض" مدير الفرقة عن هذا الموضوع بالقول:
«برأيي كان التواصل اليوم ما بين العازفين والموسيقى والناس أكبر من أي مرة ماضية الأمر الذي أحسست به بشكل كبير اليوم، أتمنى أن تتكرر مثل هذه التجارب لتقدم الموسيقى في أماكن أخرى غير المسارح، رغم ضيق المكان بالنسبة للفرقة والعازفين، إلا أننا جميعا استمتعنا بالفكرة، واستمتعنا بالموسيقى».
وعلى مدار ساعة ونصف تقريبا، قدمت الفرقة مقطوعات الموسيقية التي نالت تقدير واستحسان والحاضرين ما بين قطع موسيقية صرفة وأخرى شاركت فيها مغنية الأوبرا السيدة "لودميلا هاخينيان- أرابتليان" والتي صنعت مع المكان لوحة مميزة جميلة كان لابد من أخذ رأي فنان فيها هو الفنان "سعد يكن" والذي قال عن الأمسية:
«كانت هذه الأمسية مميزة وأهم ما ميزها هو رغبة العازفين في تقديم عمل متألق ومتميز والذي جاء بمناسبة انتهاء عملية ترميم الخزان الأيوبي، والذي بدوره شكل بداية نهايات عمليات الترميم في القلعة وما يحيط بها سواء على المستوى العمراني أو الإنساني».
ومن الحضور الذين استمتعوا بالأمسية أيضا كان السيد المهندس "براء مكي" عضو مجلس إدارة "فرع حلب" لمنظمة "الهلال الأحمر العربي السوري" والذي يقول عن المناسبة:
«كانت الفكرة مميزة وجريئة، وقد أحببت الغناء الأوبرالي الذي جرى في الأمسية».
وعن رأيه في المرحلة التي وصل إليها المشروع حاليا، أجاب بالقول:
«كنت على اطلاع بالمراحل التي كانت تجري وعمليات الترميم للمشروع حيث كانت الجهود المبذولة جيدة جيدا، وأتمنى أن يجري ذات الأمر على كل الآثار السورية الأخرى».
وقد التقينا أيضا السيد "عدلي قدسي" رئيس جمعية "أصدقاء قلعة حلب" والذي تحدث لنا عن الأمسية والمشروع بالقول:
«إن موقع "الخزان الأيوبي" موقع مهم في القلعة يعود إلى /800/ سنة، وقد قمنا بمساعدة "وحتى مشاركة السيد المحافظ على اعتبار اختصاصه الهندسي القريب" بعملية الترميم للمكان ليبدو بالصورة التي هي عليه اليوم وذلك بالاشتراك مع مؤسسة "الأغا خان"، وصندوق "الأوابد التاريخية"».
وتقول السيدة "بوني بيرنهام" (Bonnie Burnham) رئيس صندوق الأوابد التاريخية عن هذا المشروع وعمليات الترميم الخاصة به:
« قمنا بعملية رعاية وتمويل لمشروع ترميم هذا الخزان والتي كانت مرتفعة جدا مقارنة بالمشاريع الترميمية الأخرى، حيث لم يكن المشروع في بداية مدرجا في خطط الترميم ولكن الحالة السيئة والخطرة التي كان عليها ألزمت جميع الأطراف بالعمل على عملية ترميمه حيث طلبنا مساعدة عدد من الأطراف الأخرى في موضوع التمويل والدعم».
وتضيف بأنها تأثرت بعملية الترميم وجمالها وحفاظها على الموقع ونوعية العمل الهندسي الذي تم للحافظ عليه وتضيف:
«أردنا أن يرى الناس كيف أصبح هذا المكان عليه اليوم لكي يحافظوا عليه ويقدروه. وجمعت هذه الأمسية ما بين الموسيقى الجميلة والمكان الجميل».
ماذا بعد...؟
هذا المشروع المتميز استحق منا أن نسأل عن مصير المشاريع الأثرية الموجودة في مدينة "حلب" والتي يقول عنها السيد المهندس "تامر الحجة" محافظ حلب:
«أصبح لدينا خبرة في مجال ترميم الآثار لدرجة أن أصدقائنا الأتراك جاؤوا ليطلبوا النصح منا في مجال الترميم والصيانة، أود أن أقول أن أعمال ترميم الآثار في "حلب" هي دوما موجودة في ذهن أي مسؤول.»
ويضيف بأن محافظة "حلب" لم تعد تعمل حول القلعة بل أيضا في داخلها حيث يضيف:
«سيكون هناك قريبا احتفال رسمي بمناسبة انتهاء أعمال المرحلة الثانية من تجميل منطقة محيط قلعة "حلب" بعد إنهاء شركة "الأغا خان" للمرحلة الأولى منه، أنا سعيد حاليا لأن أعمال الترميم والتحديث للسراي القديمة سوف تبدأ، وقد وقعت اليوم اتفاقية سوف يتحول بموجبها مبنى "مديرية الخدمات" القديم إلى فندق، أتوقع لمحيط القلعة أن يشهد نهضة كبيرة ومميزة سيتحدث عنها كل سكان منطقة الشرق الأوسط. أود أن أضيف بشرى أخرى تتمثل في استلامنا للمخططات النهائية لحديقة "قنسرين" بتكلفة تصل إلى "مليار ليرة سورية" مقدمة من "مؤسسة الأغا خان"؛ سيتم فيها تجهيز الحديقة التي مساحتها /17/ هكتار على مدى ثلاث سنوات وستضم مطعم وأكشاك سياحية وأماكن للتنزه وسوف تربط أجزاء المدينة القديمة مع بعضها».
أما المشاريع الحديثة والتي يقول عنها السيد المحافظ:
«استطعنا وبمساعدة خبراء من منظمة "اليونسكو" الحصول على موافقة على عملية ترميم لأقدم كنيسة موجودة في حلب والتي تعود إلى /1600/ عام وهي كنيسة "إليانوس". وسوف يقدم صندوق الأوابد التاريخية الإعانة اللازمة لعملية الترميم».
كانت أمسية مميزة بكل المقاييس لعمل كان مميزا بكل المقاييس أثبت قدرة المواطن السوري على الحفاظ على آثار بلاده بطريقة جميلة ومميزة أدهشت كل من اتى وحضر ورأى هذا المشروع.
