"من ملك دمشق إلى أخي "زمري ليم" حاكم "مملكة ماري"، علمت أن مدينتك قد تعرضت للهجوم، أرسل لي آخر أخبارك"، هذه الكلمات هي الترجمة الأولية للنص المسماري الذي عثرت عليه البعثة الوطنية مؤخراً في موقع "تل سكا" بغوطة "دمشق"، ويعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد.
ويعتبر النص هو الأول من نوعه في منطقة "دمشق" والجنوب السوري بشكل عام، وهو يشير إلى وجود مملكة آمورية قوية حكمت تلك المنطقة في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد.
بعد عمل متواصل منذ العام /1989/ واكتشاف مجموعة من المعطيات الأثرية تمكنت أخيراً البعثة الوطنية التي تعمل في الموقع من العثور على النص المسماري، وهو ما يعطينا الأمل لمتابعة عمليات التنقيب والبحث في محاولة لإيجاد نصوص أخرى تعطي للباحثين المزيد من التفاصيل لدراسة أوسع عن تاريخ منطقة "دمشق" في الألف الثاني قبل الميلاد
ولمعرفة المزيد من التفاصيل حول أهمية هذا الاكتشاف والاكتشافات الأخرى في موقع "تل سكا"، eSyria التقى مع مسؤول عمليات التنقيب في الموقع الأستاذ "أحمد فرزت طرقجي" يوم الاثنين 13/10/2008، بدايةً حدثنا عن موقع "تل سكا" والاكتشافات الأثرية التي تم العثور عليها قائلاً: «بدأت عمليات التنقيب في موقع "تل سكا" منذ العام /1989/، وهو موقع يبعد عن "دمشق" قرابة 20كم إلى الجنوب الشرقي، الموقع تعرض إلى العديد من عمليات الحفر والبناء خاصة عبر شرق طريق رئيسي يمر من خلاله وبناء مدرسة في الجزء الجنوبي منه، حيث تحولت المساحة الإجمالية المقدرة بحوالي 6,5هكتار إلى 2,5 هكتار ورغم ذلك أعطت عمليات التنقيب نتائج هامة في الموقع والدليل على ذلك الاكتشافات الأثرية التي تم العثور عليها خلال المواسم السابقة».
وعن أقسام الموقع من الناحية الأثرية والمكتشفات الخاصة بكل قسم فيها تابع قائلاً: «يقسم الموقع إلى خمسة أقسام أثرية، السوية الأولى وهي في القسم الأعلى من الموقع تضم مجموعة من القبور تعود إلى الفترة الإسلامية أو المملوكية، أما السوية الثانية فهي تعود إلى الفترة الكلاسيكية 300ق.م- 500ق.م، وتضم مجموعة إضافية من القبور تعود إلى فترات مختلفة "سلوقية، رومانية، بيزنطية"، في حين أننا استطعنا من خلال التنقيب في السوية الثالثة من العثور على مدينة صغيرة ترجع إلى فترة البرونز الحديث أي خلال الفترة الممتدة من 1550ق.م إلى 1300ق.م، حيث تم العثور على مجموعة من المنازل والمنشآت والورش الصناعية التي استخدمت في صناعة النسيج وصناعات أخرى، كذلك تم اكتشاف قصر في السوية الرابعة يعود إلى فترة البرونز المتوسط أي قرابة 1800ق.م، وهذه الفترة شهدت بروز عدد من الممالك الآمورية القوية والمهمة في سورية ومنها "بابل، ماري، قطنا، ايبلا" وقد ازدهرت هذه الممالك خلال تلك الفترة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والعلمية في منطقة بلاد الشام».
القصر الذي تم اكتشاف أجزاء منه في موقع "تل سكا" يشير بشكل واضح إلى أهمية تلك المنطقة، والتواصل الحضاري بين الممالك الموجودة، وتوضيحاً لذلك يتابع الأستاذ "طرقجي" قائلاً: «القصر الذي تم اكتشاف أجزاء منه في الموقع لم تنتهي فيه إلى الآن عمليات التنقيب، حيث تبين لنا وجود ساحة كبيرة لها مجموعة من الأروقة تمتد إلى الداخل إضافة إلى مجموعة من الغرف الملحقة، استطعنا معرفة الفترة التي يعود إليها القصر من خلال قطع الفخار الموجودة على الأرضيات مع وجود جرار خزن الحبوب في غرف خاصة لذلك، هذا إضافة إلى وجود رسومات موجودة على الأرضيات وفي علوم الآثار نعلم أن تلك الرسومات لم تتواجد إلا في مملكة ماري، وجود مجموعة من الرسومات الجدارية التي تروي قصص الحياة اليومية لأهالي ذلك القصر من الحروب والصيد والرقص والاحتفالات الدينية يدلنا بشكل كبير إلى أن هذا المبنى ليس عادياً وإنما هو قصر يعود إلى أسرة حاكمة».
اكتشاف النص المسماري الذي يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد يفتح باباً جديداً في دراسة تاريخ المنطقة خلال تلك الفترة، وعن أهمية هذا الاكتشاف والاستنتاجات الأولية لما ورد فيه، أضاف: «تمكنت البعثة الوطنية من العثور على نص مسماري يمثل اكتشافاً مثيراً يغير من تاريخ المنطقة، حيث إن منطقة "دمشق" في الألف الثاني قبل الميلاد لم تكن الأنظار موجهة إليها من أي طرف آخر ومع اكتشاف أول نص في الموقع وفي الجنوب السوري عموماً يعطي لهذه المنطقة أهمية كبرى، من ناحية الشكل فإن النص المسماري مطابق للنصوص المعروفة في مملكة ماري إلا أن الانجاز الذي تحقق هو في قراءة النص من خلال أستاذ التاريخ في جامعة "دمشق" "فيصل عبد الله" وبالتعاون مع الخبير "جان ماري لوران" المختص في قراءة الكتابات المسمارية في مملكة ماري».
الترجمة الأولية للنص المسماري تشير إلى وجود علاقات وتحالفات بين "مملكة دمشق ومملكة ماري"، فإلى ماذا تشير هذه العلاقات وما هي نتائجها، يقول الأستاذ "طرقجي": «من خلال الترجمة الأولية للنص تبين لنا أنه عبارة عن رسالة ملكية موجهة من ملك يحكم منطقة "دمشق" إلى "زمري ليم" حاكم مملكة ماري والتي قضى عليها بشكل نهائي الملك "حمورابي" في العام 1760ق.م، نص الرسالة الذي تضمن في بدايته "إلى زمري ليم أخي" يشير بلغة ذلك العصر أن ملكاً يرسل كتاباً إلى ملك آخر من نفس المستوى، ويتابع في الرسالة "علمت أن مدينتك تعرضت للهجوم" وهذا يشير إلى أن ملك منطقة "دمشق" كان علم بالأحداث السياسية والعسكرية في تلك الفترة، وجود عبارة في الرسالة تقول "أرسل لي أخبارك" يحمل مجموعة من المعاني القوية عن العلاقات التي تربط المملكتين، استخدم في كتابة النص اللغة الآمورية وهي ذاتها المستخدمة في مملكة ماري ما يدل على وجود لغة واحدة متداولة في تلك الفترة».
بعد العثور على نص مسماري يشير إلى علاقات متبادلة بين الممالك، هل يؤدي ذلك إلى اكتشافات أخرى توضح الصورة التي كانت عليها منطقة "دمشق" في تلك الفترة، أجاب عن هذا الاستفسار الأستاذ "طرقجي" قائلاً: «بعد عمل متواصل منذ العام /1989/ واكتشاف مجموعة من المعطيات الأثرية تمكنت أخيراً البعثة الوطنية التي تعمل في الموقع من العثور على النص المسماري، وهو ما يعطينا الأمل لمتابعة عمليات التنقيب والبحث في محاولة لإيجاد نصوص أخرى تعطي للباحثين المزيد من التفاصيل لدراسة أوسع عن تاريخ منطقة "دمشق" في الألف الثاني قبل الميلاد».
في نهاية حديثنا أشار الأستاذ "أحمد فرزت طرقجي" إلى الجهود الكبيرة التي بذلتها البعثة الوطنية من خلال عمل متواصل في الموقع استمر قرابة 20 عاماً، توج في العام /2007/ حين قامت السيدة الأولى "أسماء الأسد" بزيارة الموقع ما خلق صدى واسعا بين الأوساط العربية والأجنبية وسلط الأضواء على هذا الموقع الهام.
