«أثبت علماء الآثار بأنّ الإنسان في منتصف الألف التاسعة قبل الميلاد /8500/ ق.م، اختار موقعاً متميزاً لسكنه على الضفة اليسرى لنهر الفرات، حيث الماء والتربة الخصبة وأشجار الحور والطرفاء، والحصى المتناثرة على سرير النهر، ووجود بعض طبقات الصخر الهش الذي يمكن قطعه بسهولة لعمل المسكن منه، هذا الموقع يبعد حوالي /90/ كم غرب مدينة "الرقة"، عند أول انعطاف نحو الشرق لنهر الفرات المتجه جنوباً، واسم هذا المكان "تل مريبط"».

بهذا الكلمات يتحدث المهندس "محمد المفتاح" عن مسقط رأسه "تل مريبط" في مقالةٍ له، ويتابع حديثه عن علاقة الإنسان بالمكان، بقوله: «ويكمل هؤلاء العلماء بأنّ الإنسان في "تل مريبط" كان أولّ من طبّق نظام الريّ الحديث في تلك الحقبة التاريخية، وأنّ المسكن الذي بناه كان يشبه "الدبابة"، وهو ينخفض عن مستوى الأرض قليلاً، ويتوسطه موقد للطبخ والتدفئة والإنارة، وهو معمول من الطين (وما أزال أذكر عائلة كانت تقيم على مسافة قريبة من بيتنا في نهاية الستينيات من القرن الماضي، وكان جدّهم الطاعن في السنّ والمريض يقيم في غرفة معزولة عن مسكنهم، وكانت مسقوفة بالخشب والقش وتنخفض عن الأرض قليلاً، وكنّا نطلق عليها اسم "الدبابة"».

منذ نهاية المرحلة الثالثة طرأت تغيرات كثيرة على أشكال البناء، إذ ظهرت حجرات مستطيلة الشكل بعرض /150/سم، واستخدمت غرفاً للمئونة، ولكن أول بيت مستطيل عثر عليه في المنطقة ينتمي إلى المرحلة الرابعة، وفيها يعتقد أن المستوطنين بدؤوا بتدجين الحيوانات

وعن مخزون ذاكرته حول المكان يتابع "المفتاح" مقالته بالقول: «وقد كان "تل مريبط" محجَّاً للبعثات الأثرية الأجنبية، ومنها "الأمريكية" و"الفرنسية" إلى ما قبل غمره بمياه سدّ "الفرات" عام /1974/م، (من منّا لا يتذكّر المرحوم "ممدوح الشعبان" - أبو شعبان - ابن قرية "الحويش" المجاورة لبلدتنا والذي كان يعمل مترجماً مع بعثاث التنقيب الأمريكية؟) ومن يهتم بعلم الجغرافيا يجد أنّ أول انعطاف لمجرى نهر "الفرات" القادم من الشمال باتجاه الجنوب، يقع في بلدة "تل مريبط" إذ ينعطف عندها نحو الشرق، وكانت السفينة التي تصل بين ضفتي النهر من العلامات الفارقة لبلدة "تل مريبط"، فقد كانت واسطة النقل المائية الأكثر ازدحاماً، حيث تنقل الناس والبضائع بين الضفتين بكل يسر وسهولة، وكان لها مربطان: غربي يستخدم في الصيف، وشرقي يستخدم في الربيع عندما يفيض النهر، والثابت أنّ أوّل من أنشأ تلك السفينة هم "الإنجليز"، ولهذا كنا نطلق عليها اسم "البرك"، دون أن نعرف سبب التسمية، وقد تبين لي فيما بعد بأنّ التسمية مأخوذة من الكلمة الإنجليزية "bark" التي تعني السفينة الشراعية، وكانت "تل مريبط" ذات تنوّع سكاني فريد من نوعه في سورية، ولا أبالغ إن قلت أنّها كانت لوحة فسيفساء جميلة، تضمّ مواطنين من جميع المدن والبلدات السورية، وذلك بحكم الإقامة الدائمة أو الإقامة للعمل والوظيفة».

المهندس "محمد المفتاح".

إنه حديث من عاشر المكان وألفه، حديث من القلب لمرتع الطفولة وبوادر الصِّبا، وكي نقف على تفاصيل أخرى حول هذا الموضوع فإنَّ موقع eRaqqa وبتاريخ (26/9/2008) التقى مدير آثار محافظة "الرقة" السيد "محمد السرحان الأحمد"، الذي تحدث لنا عن هذا الموقع قائلاً: «في هذا التل كانت أول عمليات استقرار الإنسان في التاريخ، حيث مارس أعمال الزراعة وتربية الحيوان، وعندما وجد هذا الإنسان الغذاء متوفراً طوال العام، ونهر الفرات إلى جانبه زاده هذا الأمر تمسكاً بالبقاء، فقام ببناء المسكن، حيث أخذت هذه المساكن شكل بيوت دائرية، وكانت الغابات كثيفة حول النهر، وتوفرت فيها الحيوانات كالخنازير والأيائل، وفي الصحراء التي تجاور ذلك المكان، توفرت الغزلان والجمال وحيوانات الصحراء الأخرى، بالإضافة لعالم الطيور والنباتات البرية، وزودت طبيعة المنطقة الصخرية هذا الإنسان بالمادة الأساسية لصنع أدوات الصيد، والحصاد، وتحضير الطعام، وغالباً ما كانت هذه الأدوات ما تكون مشغولةً من مجموعة كبيرة من القطع الصغيرة المركبة بإتقان، مما سمح لهم بأن يعرفوا كثيراً من الأدوات التي كانت تسهل حياتهم، منها السكاكين والنصال، والمناجل ورؤوس الرماح، وفؤوس التحطيب، كما عثر أيضاً على ما يشبه الرحى التي يظن أنها كانت تستخدم لطحن الأعشاب البرية التي كان يحصدها الإنسان آنذاك».

ولدى سؤالنا "الأحمد" عن بداية الاهتمام بهذا الموقع بشكل رسمي أجاب: «في عام /1964/م بدأت جامعة "شيكاغو" عمليات التنقيب فيه، واستمر عملهم في الموقع عاماً كاملاً، أي حتى عام /1965/م، ثم توقفت هذه الأعمال حتى تم تجديدها على يد مركز أبحاث البيئة وآثار ما قبل التاريخ في فرنسا منذ عام/1971/م حتى عام /1974/م، وعثر أيضاً في الموقع بعد استمرار عمليات التنقيب على مجموعة من المخارز المصنوعة من العظم، لمعالجة الفراء، ودلَّت التنقيبات أيضاً على أن البشر في هذا المكان كانوا يتزينون بقواقع المحار والحلزون الذي كانوا يأتون به من النهر، وبعقود من الأحجار المصقولة، لتوفرها في المنطقة، كما ثبت أن نساء تلك المنطقة كنَّ يسرحن شعورهن بدليل الأمشاط التي عثر عليها إثر عمليات التنقيب التي جرت في التل المذكور، وقد عثر على أول الأدلة عن التصورات الدينية عند هؤلاء المستقرين، الذين يعتمدون في حياتهم على الصيد والالتقاط في المرحلة الثانية، إذ وجدت قطعة من تمثال إنسان محفورة في حجر كلسي طري، بشكل بدائي جداً، كما وجد في أحد البيوت مقعد من طين، يحتوي على جمجمة ثور، أما المرحلة الثالثة فقد شملت /150/متراً مربعاً من الحفريات، وهي أوسع مساحة بكثير من الطبقات الأقدم، وفيها تم اكتشاف بيت دائري كبير أتى الحريق عليه كاملاً لكن الحرارة ساهمت في حفظ ما تبقى منه».

من آثار "المريبط"

ويتابع "الأحمد" وصفه لهذا البيت الذي اكتشف بقوله: «حفر هذا البيت على المنحدر الغربي للوادي المطل على النهر، فاتضح أن جداره الشرقي بكامله من التراب، وثبتت التربة من داخل البيت بأعمدة من خشب الحور، وصفت بجانب بعضها وطليت بالطين، أما جداره الغربي فكان معظمه فوق الأرض، وبني من الطين المرصوص، ودعم من الخارج بالأعمدة، وقسم البيت من الداخل بجدران لا يتراوح علوها /70/سم، وقد بنيت من الطين الذي تتخلله ألواح خشبية، وفيه نلاحظ بداية بناء منزل متعدد الأجزاء التي ينفصل بعضها عن بعض حسب وظائفها المختلفة، وحددت مكونات السطح نتيجة سقوطه على أرض البيت أثناء الحريق، وهو يتألف من دعامات خشبية مغطاة بطين مدكوك، وتتألف قرية "المريبط" من مجموعة من هذه البيوت، وفي الأمكنة الخالية الفاصلة بينها وجدت حفر للمواقد وفسحات عمل مرصوفة بالحجارة، ولوحظ في بناء هذه البيوت أن هناك رقياً في فن العمارة، حيث عثر في بعض جدران البيوت على رسوم ذات أشكال هندسية وتزيينات، كما أن تواجد هذه المجموعات البشرية مع بعضها سمح بخلق نظام من العيش المشترك لمجموعات وأعداد أكبر من البشر، ففي المرحلة الثالثة لم نعد نعثر على الأدوات الحجرية الدقيقة، بل عثر في هذه المرحلة على رؤوس سهام ومكاشط كثيرة، بالإضافة للفؤوس الحجرية الصقيلة، ولاحقاً تطورت حتى أساليب الصيد لديهم، حيث أصبحوا يفضلون حيوانات البراري المكتنزة باللحم، وقد يرجح السبب وراء ذلك إلى أساليب التنظيم الجديدة التي بدأت تتبلور ضمن الجماعات، وقرابة عام /7700/ق.م لوحظ تطور مذهل آخر يتمثل بزرع البذور في الحقول القريبة، وبذلك ابتدأ العمل بالزراعة، ومن المرجح أن عبادة الأجداد لديهم كانت منتشرة للعثور على قبرين تحت أرضية أحد البيوت، وعلى عدة جماجم بشرية كانت توضع داخل البيت فوق عتبة عالية».

ويختتم "الأحمد" حديثه لنا بالقول: «منذ نهاية المرحلة الثالثة طرأت تغيرات كثيرة على أشكال البناء، إذ ظهرت حجرات مستطيلة الشكل بعرض /150/سم، واستخدمت غرفاً للمئونة، ولكن أول بيت مستطيل عثر عليه في المنطقة ينتمي إلى المرحلة الرابعة، وفيها يعتقد أن المستوطنين بدؤوا بتدجين الحيوانات».

مشط من "المريبط"

ويصف لنا المهندس "المفتاح" الموقع قبل غمره بمياه بحيرة "الأسد" بقوله: «كان في بلدة "تل مريبط" مركز الناحية، ومدرستان: ابتدائية وإعدادية، ومستوصف حكومي، وعيادات طبية خاصة (من أبرز من مرّ عليها من أطبّاء د. "ممدوح الفهد"، د. "مصطفى الهنداوي"، د. "عبد الله الراكان"، د. "عدنان قهوجي")، وكان فيها محطة للوقود، ومطحنة للدقيق، وامتازت أراضيها بالخصوبة، وكان القطن والقمح والشعير والخضروات والفواكه من أهمّ المحاصيل الزراعية التي كان يزرعها السكان، وكثرة مضخات المياه المقامة على سرير النهر أكبر شاهد على التطور الزراعي الذي شهدته البلدة ومن حولها وقتذاك».

ويعتقد أن "تل مريبط" ظهر فيه أول استعمال للشعائر الدينية بهيئة جماجم الثيران البرية، كما ذهبت لذلك الدكتورة "ماري شهرستان" في إحدى مقالاتها المترجمة، وقد نُسب كل الذين أقاموا في "المريبط" في المرحلة الأولى، ولاسيما على أساس أدواتهم الحجرية، إلى زمرة ما يسمى بالحضارة "النطوفية"، التي كانت حتى الآن تعرف بأنها تعود إلى فلسطين أولاً، ولكنها ضمت مناطق الفرات الأوسط، وامتدت جنوباً حتى "النيل"، والموقع الآن مغمور بمياه بحيرة "الأسد" بعد إنشاء سد الفرات، وعُرف كل الذين تركوا أراضيهم بتلك المنطقة وهاجروا منها، عند أهل "الرقة" بـ "المغمورين".