الموسيقا كما الكلمة لها أحرفها وتأويلاتها ورسالتها، وهذا ما حاول الملحن "عبد الله" تقديمه بأغانيه وألحانه الشرقية التي ارتبطت بالساحل.
فالموسيقا والفن بالنسبة له ليست مجرد صوت يردده فنسمعه ونطرب إليه، وإنما هو هدف وغاية مرجوة يمكن من خلاله ايصال فكر هادف بناء، فهي لا تنتمي إلى عمر محدد ولا تحدها السنوات أو تمنعها من إظهار ابداعاتها طالما الفكر مستمر بالحياة.
الأستاذ "عبد الله" فنان موهوب بألحانه ومحترف بعزفه، ويعتبر من الرعيل الأول في المحافظة بمجال العزف والتلحين، وقد عرف بحسه المرهف وبلونه الشرقي خلال ممارسته العزف والتلحين. كنت أتمنى منه أن يكون أكثر جرأة وقوة في تقديم فنه الجميل، ولا يتوقف عند الظروف الصعبة بل يحاول تجاوزها ويرسم لنفسه العديد من الخطوط أو المشاريع الفينة كي لا يتوقف عند حاجز ما ويضعف الأمل فيه ويموت
موقع eSyria التقى بتاريخ 1/5/2012 العازف والملحن "عبد الله خضور" وأجرى معه الحوار التالي:
** أنا من أسرة موسيقية فوالدي كان عازف ربابة محترف ومعروف على مستوى المحافظة، ومن الطبيعي أن يلتف حوله من مثله فنياً، لذلك كان منزلنا عامراً بشكل دائم بالسهرات الفنية الموسيقية، وقد عايشت هذه المرحلة واستقيت منها الفن الجميل وتعلمت أصول العزف والدوزنة والموسيقا الراقية، وعند ظهور اختراع الراديو بدأت اسمع الموسيقا وأتذوقها بشكل جيد جداً وأقارب ألحانها من مهاراتي على آلة العود، وهنا بدأت العمل على تطوير أفكاري الموسيقية ومهاراتي الفنية بالمطالعة والاستماع والتدريب المستمر، وهذا لحين تمكنت من دراسة الموسيقا بشكل أكاديمي في "لبنان".
فالاستماع إلى الموسيقا مكنني من إدراك المفردات الموسيقية، وكنت شديد الاستماع إلى حفلات "أم كلثوم" وموسيقا "محمد عبد الوهاب" و"رياض السنباطي"، فالموسيقا العربية نالها الكثير من الاهتمام في البدايات لتكون بمكانتها الحالية في عالم الموسيقا.
** قبل عملي بشكل رسمي في الهيئة سجلت عدة أعمال منها "ورودك يا ضيعة بتحيي قلب الموعود"، وعمل آخر بعنوان "يالله خدني وروح" وهما للشاعر "أحمد حسن" من قرية "بريصين" التابعة لمدينة "الشيخ بدر"، وسجلت أيضاً "عالساحل عالساحل" للشاعر "حيان حسن". وبعدها قدم لي نص موسيقي "أوبرا الشهيد" لتلحينه وهو من أصعب النصوص التي مرت عليّ ويتحدث عن الشهيد والشهادة في فترة زمنية لا يوجد فيها أية دلالات على هذه المناسبة، ولكن هذا النص أعجبني كثيراً وقررت ممارسة التحدي لتلحينه، لما يملكه محتواه من قيمة مضافة تتمحور حول الشهيد الذي يضحي بدمه من أجل أن يعيش الآخر، وفعلاً خلال ثمانية أشهر أنجزت اللحن بالشكل والطريقة المناسبة له، وعند التنفيذ لم يحصل على حقه المناسب ولم ينفذ بالطريقة التي رسمتها له ليكون متكامل الجوانب. وفي الفترة ذاتها من عام /1989/ تم تعييني كخبير موسيقي ملحن في "الهيئة العامة الإذاعة والتلفزيون" من "مجلس الوزراء"، وهو حلم انتظرته طويلاً، لأني وطوال مسيرتي الفنية عملت من أجله، وفي تلك الفترة كان من الصعب على الشخص مغادرة محافظته والعيش في محافظة أخرى نتيجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشة التي تترتب عليه من جراء المغادرة.
منذ الطفولة وأنا أعمل على نفسي موسيقياً، ما مكنني من امتلاك مخزون فني كبير من الأعمال الفنية، ولكن خلال فترة عملي في الهيئة والتي لم يستمر أكثر من ستة أشهر فقط لم استطع تسجيل أي عمل فني لأنه لم يُرد لي العمل بمهنيتي الفنية، وبعد ستة أشهر فصلت من عملي بحجة واهية ليس لها أساس من الصحة وهي عدم التزامي بقواعد العمل والدوام، وهذا ما أدى إلى موتي حيوياً، وأشعرني بمرور وحضور سريع لسنوات العمر القادمة، وكأني وصلت إلى سن التقاعد الرسمي.
** لا أستطيع الجزم في هذا الأمر، ولكن ليس كل ما اسمعه من المطرب قد يعجبني وينال رضاي الفني لأقدم له ألحاني الفنية، وهذا ما اعتبره شرط واجب ليحصل الفنان على ألحاني.
** لا أعرف كيف ترد فكرة العمل اللحني، فبلحظة من اللحظات يأتي إلي ما يشبه الوحي الفني، ودليل هذا أن الشاعر الكبير "أحمد محمود نجم" أهداني مجموعة شعرية رائعة الجمال وأعطاني حق التصرف بها، وعند اطلاعي عليها أعجبت بنص جميل وحاولت تلحينه ولكني لم أستطيع، وبقيت حوالي أربع سنوات أحاول ولكن دون فائدة، وفي إحدى سهرات الطرب الأصيل وبسبب تفاعل الحضور معي وتفاعلي معهم بالمقابل، وصلت إلى مرحلة النشوة الفنية فعدت إلى المنزل وقمت بتلحين النص من ألفه إلى يائه وبكل بساطة وسلاسة.
* ما مقومات الملحن الجيد؟
** يجب أن يمتلك الملحن مخزونا كبيرا من الموسيقا، وأن يكون إلى حد كبير ذواق لها، وأن يكون على اطلاع بمختلف أجناس الموسيقا الكلاسيكية والجاز وغيرها العديد من هذه الأجناس، ليكون مواكباً لحركة تطورها.
** الآلة الموسيقية هي معشوقتي الوحيدة، لذلك أنا على تواصل وتماس مباشر معها في كل لحظة من لحظات يومي، وهذا ما يقيني ويبعدني عن الموت الفني، حتى خلال زياراتي الاجتماعية وسهراتي العائلية العود حاضر فيها بكل براعة.
لذلك عملت أيضاً على صناعة الآلة الموسيقية واستأجرت محلاً تجارياً لممارسة هذه الصناعة وتسويق منتجاتها.
** في البداية أنا عازف عود وملحن على آلة العود، ومن الضروري أن أفهم تكوينات هذه الآلة وأدرك كافة تفاصيلها، وهذا ما دفعني إلى الاطلاع على مختلف الدراسات المتعلقة بهذه الصناعة وإدراك مشكلات التصنيع وتلافيها في العمل، لصناعة عود مميز.
* ما مشروعك لخريف العمر؟
** قد لا يصدق أحد ما سأقوله، ولكن منذ تلك اللحظة التي قتل فيها حلمي الفني في "الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون" قتلت معها أفكاري ومشاريعي، ولكني أحاول وسأبقى أحاول إنشاء جيل مثقف فنياً وسماعياً ويحب تذوق الموسيقا، وذلك من خلال ما أعطيه من دروس خصوصية في الموسيقا والعزف ضمن القواعد والأسس العلمية السليمة للموسيقا.
في لقاء مع الفنان "أحمد عبد الحميد" حدثنا عن ألحان وعزف الفنان "عبد الله خضور" فقال: «الأستاذ "عبد الله" فنان موهوب بألحانه ومحترف بعزفه، ويعتبر من الرعيل الأول في المحافظة بمجال العزف والتلحين، وقد عرف بحسه المرهف وبلونه الشرقي خلال ممارسته العزف والتلحين. كنت أتمنى منه أن يكون أكثر جرأة وقوة في تقديم فنه الجميل، ولا يتوقف عند الظروف الصعبة بل يحاول تجاوزها ويرسم لنفسه العديد من الخطوط أو المشاريع الفينة كي لا يتوقف عند حاجز ما ويضعف الأمل فيه ويموت».
يشار إلى أن الملحن والعازف "عبد الله خضور" من مواليد محافظة "اللاذقية" عام /1952/، ومقيم في محافظة "طرطوس" منذ عام /1975/.
