يتميز المنزل الجبلي القديم باحتوائه على العديد من الأدوات التي دخلت التراث وغدت نوعاً من تصميمات المنزل الداخلية التي يعتز بوجودها لأصالتها ولمحاكاتها زمن الأجداد.
ومن هذه الأدوات: الطينية، والجلدية، والخشبية والنحاسية والفخارية، ولكل منها عدتها الخاصة وأمثالها الشعبية التي تنسجم معها في جبل العرب.
منذ ولادتي والخابية موجودة في منزلنا وربما تعود بقدمها إلى أكثر من قرنين، فقد عملت جدتي تلك الخابية ومازالت إلى وقتنا رغم سني المتقدم الذي شارف على القرن، لا أرغب بتناول الماء إلا منها فهي تمثل لي تاريخاً بزخارفها ومنظرها الذي بات من التراث، الأهم أن من يعتاد على شرب الماء من الخابية لا يستطيع استبدالها لتبادل علاقة بينه وبين تلك الفخارة التي صنعتها الجدة أو غيرها بطريقة تشعر كم عانت من الجهد والتعب حتى توصلت إلى شكلها، وأيضاً البقاء لها لزمن تجاوز القرنين أكسبها قيمة بتعاملها مع عوامل البيئة والزمن، وهذا برأيي أعطاها مكانة اجتماعية رفيعة في منظومة عاداتنا وتقاليدنا العربية
الباحث التاريخي الأستاذ "فوزات رزق" عضو اتحاد الكتاب العرب يتحدث لموقع eSwueda بتاريخ 27/1/2012 حول الأدوات الفخارية التي اشتهرت في منازل جبل العرب منذ القديم والتي ارتبط بها العديد من الأمثال الشعبية بالقول: «كان الجبليون يصنعون بأنفسهم أدواتهم الطينية والحجرية والجلدية ويعهدون "للفاخوري" صنع أدواتهم الفخارية ما عدا الخابية التي تصنعها سيدة المنزل بنفسها، ولست أدري من أين جاء تشبيههم للرجل إذا رقّ دينه وذهبت دنياه، إذ يقولون: "مثل الفواخرة لا دنيا ولا آخرة".
كما وردت المفخرة "مصنع الفخار" في أمثالهم تحت اسم "الفاخورة"، فإذا أرادوا أن يواسوا أحداً حين يكسر صحناً أو كأساً قالوا له: "لولا الكاسورة ما عمرت الفاخورة"، كما أنهم يقولون: "فخار يكسر بعضه"، وهو مثل يضرب للتنصل من أمر ما، وعدم الالتزام به، والأدوات الفخارية في البيت الجبلي كلها أوان لحفظ الطعام أو طهوه أو لحفظ الماء وأهمها "الخابية" وهي وعاء لحفظ ماء الشرب تصنعها السيدة الجبلية بنفسها، وذلك بطريقة صنع المخبز، غير أنها تقوم بشيها بعد إنجاز بنائها على شكل كروي تقريباً، لكنها تزين جدارها الخارجي ببعض كسرات الودع أو الزجاج، وتصنع لها حافة لوضع طاسة الشرب، وتقوم بدلكها مراراً وتكراراً حتى تغدو صقيلة ناعمة.
وهناك "البياطس" ومفردها "بيطس" وهو وعاء كبير له شكل بين البيضوي والمخروطي يستخدم لخزن الدبس أو السمن. ويبقى البيطس ثابتاً في الأرض، إذ يجعلون له حفرة تغطي منتصفه تقريباً لوقايته من الكسر، وتوضع البياطس في بيت الخرج "بيت المؤونة" الذي يحتوي على كل ما يتعلق بمؤونة البيت.
كذلك "النعاير" ومفردها "نعارة" وهي وعاء لها شكل كروي تقريباً، ومتفاوتة الحجوم، سعة الكبيرة منها حوالي 15 ليتراً، وربما صغرت لتتسع إلى خمسة ليترات، وتستخدم "النعارة" لخزن اللبن والجبن والدهن والسمن والمعاقيد، وتكون مطليةً من الداخل، غير أن هناك أنواعاً من "النعاير" غير مطلية من الداخل تستخدم لصنع اللبن "القنبريس" أو لصنع النبيذ».
وعن الأدوات الفخارية وأصل تسميتها تابع الباحث "رزق" بالقول: «إضافة إلى ما ذكرناه هناك "الزلعات" مفردها "زلعة"، ولها شكل أسطواني، ويتراوح حجمها بين خمسة إلى عشرة ليترات، وتكون مطلية من الداخل وتستخدم كاستخدام "النعارة"، وهناك "المحلوبة" وهي وعاء فخاري صغير الحجم لا تزيد سعته على خمسة ليترات، له شكل كروي، ويستخدم لحفظ اللبن والسمن والدهن الذي يكون قيد الاستعمال، إذ تأخذ السيدة جزءاً من هذه المؤونة من الوعاء الكبير لتضعة بين يديها في المحلوبة، وكلما فرغت المحلوبة ملأتها ثانية، و"المعجنة" هي آنية واسعة تشبه القصعة، مطلية من الداخل، يقدم فيها الطعام الجماعي، و"الجنطاس" وهو آنية متفاوتة الحجم فقد لا تبلغ سعتها نصف الليتر، وربما اتسعت لليتر، يقدم فيها ماء البهار للنفساء وزائريها، و"إبريق المغلي" وهو إبريق من الفخار يغلى فيه البهار الذي يقدم للنفساء أي "للمرأة الولادة".
وهناك بعض الأواني الفخارية الأخرى كالقدور والأطباق والزبادي، وما يجدر ذكره أن استخدام الأواني والأوعية الفخارية أصبح اليوم قليلاً إن لم نقل نادراً، وقد حلت الأواني الزجاجية والمعدنية محل الفخار».
وعن الخابية القديمة وطريقة زخرفتها بيّن المعمر الشيخ "نجم جابر" الملقب "أبو حمد" قائلاً: «منذ ولادتي والخابية موجودة في منزلنا وربما تعود بقدمها إلى أكثر من قرنين، فقد عملت جدتي تلك الخابية ومازالت إلى وقتنا رغم سني المتقدم الذي شارف على القرن، لا أرغب بتناول الماء إلا منها فهي تمثل لي تاريخاً بزخارفها ومنظرها الذي بات من التراث، الأهم أن من يعتاد على شرب الماء من الخابية لا يستطيع استبدالها لتبادل علاقة بينه وبين تلك الفخارة التي صنعتها الجدة أو غيرها بطريقة تشعر كم عانت من الجهد والتعب حتى توصلت إلى شكلها، وأيضاً البقاء لها لزمن تجاوز القرنين أكسبها قيمة بتعاملها مع عوامل البيئة والزمن، وهذا برأيي أعطاها مكانة اجتماعية رفيعة في منظومة عاداتنا وتقاليدنا العربية».
وحول أهمية المواد الفخارية في التراث العربي أوضح الأستاذ "فيصل نفاع" رئيس جمعية الأدب الشعبي وأصدقاء التراث قائلاً: «عندما تذكر "الخابية، والبيطس، والنعارة، المحلوبة، والمعجنة، والجنطاس" وغيرها، نتذكر تاريخنا الماضي حيث كان المنزل الجبلي في جبل العرب يحتوي على معظم تلك الأدوات، ويستخدمها، ومازال بعضها لدى المعمرين والطاعنين في السن إلى يومنا، ولكن تلك الأدوات دخلت المتاحف والتراث الاجتماعي، ذلك لأن الحضارة غزت بيوتنا وبتنا نستخدم أدوات زجاجية أقل وزناً وأقل تكلفة مادية، لأن المواد الفخارية القديمة هي من صنع نساء الجبل، والجهد الذي يبذل لصنع إحدى تلك الأدوات كبير، والجيل المخضرم الذي عاصر الجيلين ما زال يشعر بأهمية تلك الأدوات ومدى انعكاسها على حياتنا اليومية، وتاريخنا الشعبي والاجتماعي، حتى بات من يحتفظ بإحداها كأنه يرتبط بالتاريخ، من ناحية أخرى كان استخدامها يشكل عند الجيل الماضي حالة من العلاقة والترابط بينه وبين الطبيعة والأرض، ولربما كانت الطاقة المستمدة من جمال الطبيعة تكسب المرء قيمة البقاء واستمرارية المحافظة على حياة لا تدخلها التكنولوجيا أو العولمة وما شابه من تأثيرات تقنية بحياتنا اليومية، تلك الخصوصية أعطت رونقاً مميزاً لتلك الأدوات التي ما زالت تدخل الأفئدة دون استئذان وتشعرنا بالحنين للماضي الجميل».
