إصرارهم على المقاومة، والإيمان إنها السبيل الوحيد لتحقيق الجلاء جعل الثوار يعيشون في صحراء قاحلة، و يجرعون مر المنفى عن أسرهم وبيوتهم في "وادي السرحان" الواقع بصحراء "النبك" السعودية ويقاومون الحياة والاستعمار معاً باحداث لم تدون في التاريخ المعاصر ومنها واقعة "الطفل الجائع" الذي قال له والده: "أن القمر رغيف خبز".

لمعرفة الواقعة بتفاصيلها المهندس "كمال شكيب العيسمي" تحدث بها لموقع eSwueda قائلاً: «في مكان صحراوي عاش مجاهدي ثورة 1925 منفاهم الصعب وذات مرة جاع الطفل "شكيب بن سليمان العيسمي" الذي كان ميلاده في تموز شهر الثورة 1925 واشتد جوعه ويلح "ينق" مطالباً بالأكل وحتى يصرف "سليمان" ولده عن شعوره بالجوع عله ينام، وحتى لا يدخل إلى مشاعره الابتعاد عن هدفه الذي رسمه في مقاومة الاحتلال الفرنسي، نظر إلى بقعة ضوءِ اْنطبعت على اْرض بيت الشعر بشكل صحن دائري اصفر اللون شكلّها خيط من ضوء القمر تسلل عبر ثقب في أعلى البيت، أخذه إلى هذا الصحن المزعوم وبدء يقول له: "كلّ يا ولدي هذا صحن الأكل كلّ" وهكذا حتى نام "شكيب" الطفل وهو جائع».

رغم الشدائد العاطفية والجسدية على الثوار لم يدخل الياس إلى قلوبهم وبقيت روح مقاومة الاستعمار هي أملهم في الحياة، فقد كانت شقيقتي "أمينة" تقضي الليل في "وادي السرحان" طالبة الخبز، ووالدي يؤكد أن: «من ألو العمر ما بتقتلو شدة

وتابع الأستاذ "العيسمي" بالقول: «وعندما ذهب المجاهدون في اْرض الجوف من منفاهم في "قريات الملح" إلى مكان ينزل فيه "أبو مهجع بشير الشراري" وهو صديق قديم لأهل الجبل كان معهم مجاهداً أثناء الغزوة وهو "فرحان بن مشهور"، ويقول "سليمان بن حمد": "لما وصلنا وسلمنا على أهل البيت وجلسنا في مكان الضيافة شممنا رائحة خبز فقلنا لزوجته يا "أم مهجع" ريحة عيش أي ريحة خبز فقالت: يا بعد عين "أم مهجع" العيش من بعد طويل الثلج"، أي جبل العرب ويسمى كذلك لوجود الثلج عليه وانتطاح الغيم له لكن نحن لم نصدق رغم أن الجائع يرى في الحلم دورة القمر رغيفاً من خبز، فمعاليق أحشائنا ترتجف لرائحة الخبز الذي لم نذقه منذ أكثر من أربع سنين وإذ "بأم مهجع" تفاجئنا "بعربود" وهو عجين مشوي بالرماد على شكل رغيف كبير وسميك كانت قد جهزته بعد إن وجدت لديها قليلا من الطحين الذي علته خيوط القاطوع وادخرته يوم عادت من الجبل، ويقول "سليمان بن حمد": المعروف باسم الحركة آنذاك "عواد الحمد" في تسجيل صوتي له عام 1980،أنه لم يذق أكلاً أطيب من ذلك العربود رغم انه زار دمشق وعمان وبيروت وبغداد والقدس!».

المهندس كمال العيسمي

وأكد الدكتور "عبدي صياح الأطرش" أحد أعضاء لحنة جمع تراث الثورة السورية على هذه القصة شارحاً طبيعة الحياة في تلك الفترة قائلاً: «رغم الشدائد العاطفية والجسدية على الثوار لم يدخل الياس إلى قلوبهم وبقيت روح مقاومة الاستعمار هي أملهم في الحياة، فقد كانت شقيقتي "أمينة" تقضي الليل في "وادي السرحان" طالبة الخبز، ووالدي يؤكد أن: «من ألو العمر ما بتقتلو شدة». بعدها غادر قسماً من الثوار إلى الجبل ودمشق ولبنان وباقي المناطق السورية والبعض الأخر غادر إلى منطقة الحصيدات جنوباً وبحجة أنها ما زالت أراض تحت حكم الانتداب الانكليزي نقلوا خيامهم إلى منطقة "مشاش حدرج" وبنفس الحجة إلى منطقة العّمري وهكذا حتى وصلوا إلى منفاهم في ارض "النبك" على "وادي السرحان" من اْرض الجوف حيث الرمال السوافي لأبل المتحركة أيضاً وثبتوا حبال الخيام بأكياس الرمل التي دفنوها عميقاً في الرمل بعد أن ربطوها بالحبال لاْن الأوتاد لا تصلح لتلك الأرض وعانوا هناك مع عائلاتهم كل أصناف العذاب والجوع والعطش في الحر والقر والخوف من الغزاة وقطاعي الطرق ومن وحوش وآفات البراري والصحاري وكان مصدر الماء الوحيد عين "جوخه" ذات المياه المالحة المذغة التي جعلت أسنانهم ذات لون اصفر لا تقوى على مضغ الطعام بسبب تراجعها المستمر وكان طعامهم من نبت الأرض كحب "الامصع" "يشبه بندورة الحية" وأوراق القطف وحليب النوق والجراد الذين يكبسونه بالماء المملح لأوقات الحاجة والجوع الشديد واْستمروا على هذه الحال حوالي عشرة سنوات كانت ثقيلة وبطيئة يصفهم الأمير "عادل ارسلان" قائلاً:

وعصبة عربـاء فوق الثرى / كأنهم من عزهم في صروح

صورة تذكارية للثوار في وادي السرحان

في مهمة قفر كـان السـما / لم تروه بالقطر من عهد نوح

إنسانه ضبٌ وأشجاره شـيح / وأصـوات التـغـني فحيح

الدكتور عبدي الأطرش

كل رغيف حـوله تسـعةٌ / كأنما صلى عـليه المـسيح

ينوح فيها الذئب مستوحشاً / وارحمتاه للذئب فيما ينوح».