اشتهرت "الرقة" من بين المدن السورية، بأنها زراعية بامتياز، وخصَّت القوانين والتشريعات الفلاح، والأرض بقوانين ووصايا عديدة، منذ شريعة "حمورابي"، بعض هذه القوانين والوصايا مازال يُعمل بها إلى يومنا هذا، وبعضها الآخر أصبح طي النسيان، ومنها ما أخذه الغرب، ومازال يعمل به، مع ما شمله من تطوير إثر ما تشهده المكننة الزراعية من تقدم.

ترى ما وصايا الفلاح سابقاً؟ ولماذا غابت بعضها؟ ولماذا الوفرة في الإنتاج سابقاً في ظل ما تشهده الأراضي الزراعية من إهمال؟ وهل بإمكاننا العودة إلى وصايا الفلاح القديمة واستخدامها في أيامنا هذه؟ وأسئلة كثيرة طرحها موقع eRaqqa على الباحثين "محمد عبد الحميد الحمد"، و"محمد العزو".

إذا حان وقت الحصاد، على الفلاح أن لا ينتظر حتى تنحني السنابل، وتميل من جراء ثقلها، بل يجب حصده في أبان قوته، يقوم بعمل ذلك "الحاصد" و"الحزام"، ثم يأتي من بعدهما "الرجّاد" لينقله إلى البيدر. ولتستمر عملية "الدراس" خمسة أيام، وهنا نقدم الصلاة والقرابين للإله "داجن" قبل النذر لتعم البركة

في البداية تحدث الباحث الرقي "محمد عبد الحميد الحمد" حول وصايا الفلاح سابقاً بقوله: «جاءت وصايا الفلاح لابنته على شكل أرجوزة ليسهل حفظها، وتتضمن عدّة أمور، يبدأها بتهيئة الأرض، فتقول الأرجوزة إذا قارب الوقت الذي تبدأ فيه زرع حقلك، فلا تجعل مياهك ترتفع فيه عالياً، وحين بزل الماء من الحقل حافظ على استواء الأرض، فلا تدع ثوراً شارداً يطأه، وأحذر المتجولين والسائبة منه، واجعله كالأرض المأهولة نظفه بعشر فؤوس حادة، لإزالة الحفر والثقوب الضيقة بالمسحاة.

الباحث محمد عبد الحميد الحمد

ويلزم تطهير الأرض من الحشائش، وجذور النباتات المتروكة في موسم الحصاد السابق، كما يلزم إحاطة الحقل بالسياج. واحرص أن يكون لديك ثوراً إضافياً قبل أن يبدأ الحرث، وعليك أن تفرق الأرض، وتكسرها بالفأس مرة، وبالرفش مرة أخرى. وإذا انتهيت من حرث الخطوط المستقيمة، احرثها بعد إذ خطوطاً مائلة، ثم احرثها ثانية خطوطاً مستقيمة. ثم قدّم الصلاة للإله "داجن" ليحفظ حقلك من الجرذان والطيور».

ويتابع "الحمد" حديثه حول نثر البذور، وري المحصول، فيقول: «تتابع الأرجوزة مرددة بأنه يجب نثر البذور في الأخاديد ثمانية خطوط في اللوح الواحد، الذي عرضه عشرون قدماً، راقب من يبذر الشعير والقمح، بحيث يجعل البذار بعمق إصبعين، وأن تكون تلك بصورة منتظمة، وكانوا يقولون: إن الشعير المبكر "الهرفي" قد يفلح. وإن الشعير المتأخر "الخيري" قد يفلح، فما أدرانا؟.

الباحث محمد العزو

ومتى نما الشعير أو القمح على الفلاح أن يرويه، كي يصبح بهيئة الحصير وسط السفينة. فعليه أن يسقيه مرة أخرى ومرة ثالثة، وإذا لا حظ احمراراً في الزرع، فإن ذلك إمارة على وجود الآفة المخيفة "سمانا" المهلكة للزرع والغلة، وإذا حال الزرع فعليه أن يرويه مرة رابعة».

ويختم "الحمد" حديثه حول الحصاد قائلاً: «إذا حان وقت الحصاد، على الفلاح أن لا ينتظر حتى تنحني السنابل، وتميل من جراء ثقلها، بل يجب حصده في أبان قوته، يقوم بعمل ذلك "الحاصد" و"الحزام"، ثم يأتي من بعدهما "الرجّاد" لينقله إلى البيدر. ولتستمر عملية "الدراس" خمسة أيام، وهنا نقدم الصلاة والقرابين للإله "داجن" قبل النذر لتعم البركة».

حقل قمح مروي

أما حديثاً، فيقول الباحث "محمد العزو": «على الفلاح بعد حرث الأرض بآلة الحراثة الحديثة، أن يقوم بتسوية الأرض، قبل أن يرويها بالماء، وتسمى هذه العملية في "الرقة" بـ"الطربيس"، ثم بعد الجفاف عليه أن يحرثها ثانية، وبشكل خطوط منتظمة، كي يقض على آفة الحشائش القاتلة والضارة، وبعضهم من يضع مع السقي المواد الكيماوية للقضاء على الحشائش، وعلى الفلاح بعد أن يتم هذه العمليات أن يقوم ببذار الحقل، وعملية البذار تتم على شكل منتظم من حيث عمق الأخاديد، والبعد بينه، ويردد الفلاحون أثناء إتمام عملية البذار قائلين: "للطير وما قسم الله"».

وحول عملية السقي وري المحصول، وحصاده، يتابع "العزو"، قائلاً: «بعد عملية البذار والسقاية، على الفلاح أن يقوم بعملية ما يسمى لدى أهل "الرقة" بـ"الدكاك"، أي إزالة الأعشاب مباشرة، ثم عليه أن يقوم بعملية "التبريد"، وذلك بتقليب الأتربة حولها، أو حراثتها بواسطة المحراث الخشبي بشكل خطوط منتظمة بين خطوط النبات، وعلى الفلاح أن يحسب بدقة عملية الري، على أن تكون هناك ثمان ريات سقي، وبين كل رية ورية أخرى عليه أن يقوم بإزالة الحشائش، ويفضل أن تكون عملية السقي صباحاً أو مساءً، وعليه أن لا يكثر من الماء أثناء السقي، وعليه أن يقوم بعملية "التفريد"، أي إزالة النباتات الزائدة، وأن ينتبه إلى الآفات القاتلة للزرع من دودة وغيرها، وذلك من خلال الانتباه إلى لون النبات وشكله الخارجي، وعليه أن ينتبه إلى فطام الحقل أي قطع الماء عنه، لكي يستطيع قطافه أو حصده في الوقت المناسب».