يميل ابن البيئة البدوية، وشبه البدوية، إلى الهدوء والسكينة والتباطؤ في حيثيات حياته اليومية، سواء أكان ذلك في تنقله أم رعيه لمواشيه، على نقيض سكان المناطق الجبلية، الذين يمتازون بالشراسة والشدة، بيد أن هذه الصفات تنعكس على الشعر والغناء في هاتين البيئتين، فنجده في "البادية" هادئاً في شعره وأغانيه، أما في الجبل فنجده يميل إلى الصراخ فيها.

سمة الهدوء هذه ليست قاعدة تامة، بل إنها غالبة، إذ إننا نجد في البيئة الفراتية عموماً، والرقية خصوصاً، وإلى جانب تلك الأغاني الهادئة البسيطة كـ"العتابا"، "الموليا"، "النايل"، و"السويحلي" أغانٍ أخرى سريعة بإيقاعاتها، لكنها لا تخلو من مسحة الهدوء في مفرداتها، يطلق على هذه الأغاني مسمى "التشاطيف".

و"التشاطيف" أغانٍ إيقاعية خفيفة تكتب على أربعة أشطر، أشطرها الثلاثة الأولى موحدة القافية، أما الشطر الرابع فينتهي بما تنتهي به قافية اللازمة التي يتكرر ترديدها في الأغنية، ومن نماذج هذه "التشاطيف":

وجه فراتي

"المامر": وهو لونُ ينظم، ويغني في الجزيرة السورية والعراق، وقد اختصت مدينة "الرقة" بجانبٍ كبير منه، وغنى هذا اللون مطربون كبار حتى أصبحت منه أغنية يمكن تسميتها بأنها عربية، لشهرتها.

يعود أصل التسمية إلى كلمة "مرور"، ويقصد فيها بالذي لم يمر، ويحمل في مدينة "الرقة" مسمى "أبو الخديد"، ويقصد فيه ذا الخدود مثل "أبو الخديد الوردتين الياعم"، "أبو الخديد الوردتين الصاد"، "أبو الخديد الشبه ورد الخاثر"..

فتيات من الرقة

ينظم "المامر" على أربع شطرات، الثلاثة الأولى موحدة الروي، أما الشطر الرابع فإنه ينتهي بحرف الراء.

أبو الخديد الوردتيـن الصفصف/ وذهوب ابو لعيبه على قصتو صف (1)

اندور العانات من صف لي صف/ مذهب حبيبـي والدمع لو مبثـر (2)

غالب ما نظم في الشعر الشعبي من هذا اللون يبدأ بـ"أبو الخديد"، إلا أن بعض الشعراء خرجوا عن هذا النهج، وجعلوا من مدخله حراً.

صفار زلفك من جنس والا حنه/ دق ابو لعيبة هرجكم واللحنه (3)

خايف علينـا يا ترف والاّ حنا/ نصبر على جور الزمان وتقد

"زريف الطول": اتخذ هذا اللون مسماه من مطالع أغلب أبياته والتي تبدأ بكلمة "يا زريف الطول"، أي يا ظريف الطول، وقد انقلب حرف الظاء إلى زين كون هذه المفردة قادمة إلى مدينة "الرقة" من بيئات أخرى.

وهو أيضاً بيت بأربع شطرات، أشطره الثلاث الأولى موحدة القافية، وينتهي شطره الرابع بالألف أو الأحرف القريبة منها كالهاء المخففة، ومن نماذجه:

يازريف الطول يابو سنٍ ضحوك/ وما ربيت إلا بحضن امك وابوك

يوم اسود يوم قالولـي خطبوك/ نار قلبي والمشاعل عالجه

وهناك ألوان أخرى كـ"الأسمر اللون اللون" وأغاني الطواح، وهي أقرب إلى الأغاني الخفيفة التي يتم نظمها ولحنها بشكل متكرر، وهي بحاجة إلى دراسة موسيقية أكثر منها إلى دراسة أدبية.

هذه هي بعض نماذج ألوان "التشاطيف"، والتي أراد منها الشاعر الرقي والمغني كسر قيود التباطؤ والهدوء، وفي جانبٍ آخر الحزن، وهي عذبة كألحانها شجيّة كمفرداتها، جميلة كصورها.

هوامش:

1ـ صف صف: كلمة إيقاعية استند عليها الشاعر لبناء قافية بيته، ويكرر استخدامها الشعراء بهذا اللون كـ"اللا لا"، ذهوب أبو لعيبة: أي الذهب الذي صيغ لدى الصائغ أبي لعيبة.

2ـ العانات: جمع مفردة عانه وهي فصيحة، مذهب: فاقد الشيء الثمين.

3ـ زلفك شعرك المرسل: ويقصد بهذا الشطر: هل كان اللون الأصفر طبيعي أم أنه من صبغة الحناء؟

هرجكم: حديثكم، اللحنه: لحنه.

المراجع:

1ـ "قبسات من الشعر الفراتي". "محمد الموسى الحومد". دار "الصفدي"، "دمشق" /1995/.

2ـ "الشعر الشعبي الرقي بين الأصالة والتقليد"، مخطوط، "محمد الموسى الحومد"