يحلّق التشكيلي "محمد الرفيع" في سماء الواقعية، ويقتنص اللحظة الراهنة، ليجسدها في فضاء اللوحة، التي تجسد خصوصية لافتة في محاكاة الواقع.. برع في "البورتريه" فكانت تجربة طويلة، لعل الزمن الآتي سيشهد اكتمال أركانها.
عالم "الرفيع" الفني مليء بالتجليات التي تعيد المتلقي إلى إنسانيته الغائبة أو مغيبة، موقع eRaqqa بتاريخ 16/2/2010 التقى الفنان "محمد الرفيع" في محترفه الفني وكان لنا معه الحوار التالي.
** الحركة التشكيلية في "الرقة" كغيرها من الفنون الإبداعية التي انتشرت في بداية الخمسينيات والستينيات، وذلك من خلال ظهور العديد من فناني "الرقة" المبدعين الذين كان لهم الدور الريادي في هذا التأسيس، وجاءت الولادة الحقيقية لأول تجمع لفناني الرقة عام /1967/ نتيجة للجهود المثمرة والخيّرة التي انطلقت آنذاك لكوكبة من الفنانين المتميزين ممن يمتلكون الخبرة الكبيرة، والإحساس المرهف، والفكر الواعي، واستطاع أن يكون هذا التجمع النواة الحقيقية لحركة تشكيلية مغايرة، حيث أقاموا العديد من النشاطات الهامة داخل المحافظة وخارجها، واستطاع الفنان الرقي بحضوره اللافت أن يثير إعجاب ودهشة النقاد والتشكيليين في قلب العاصمة السورية "دمشق"، ويبث أناشيد اللون والإبداع في أرجاء المحافظات السورية.
*وماذا عن الفترات اللاحقة؟
** في الثمانينات دخلت تجارب جديدة، ومواهب عديدة استطاعت أن تترك بصمة جديدة ومتميزة على الساحة التشكيلية، وفي بداية التسعينيات انضمت مجموعة أخرى كجيل آخر من خريجي كلية ومعاهد الفنون الجميلة، ومركز الفنون التشكيلية، وأصبحت اللوحة علامة فارقة تثير إعجاب واهتمام النقاد والمهتمين، ولا ننكر أن المشهد التشكيلي قد شهد فتوراً وتراجعاً عما كان عليه في السبعينيات والثمانينيات، وذلك بسبب سفر العديد من فنانينا المبدعين خارج القطر أو خارج المحافظة، ومنهم من تفرغ لعمله وجعله يبتعد عن العطاء بعض الشيء، ما أدى إلى انفراط هذا العقد الجميل، واقتصرت النشاطات على الفردية حيناً والجماعية أحياناً أخرى، مما يجعلنا أن ندعو فنانينا الرواد إلى لم شمل جميع الفنانين التشكيليين من مختلف الأجيال من خلال إقامة الندوات والمعارض والملتقيات، والعمل مع كادر اتحاد التشكيليين السوريين في "الرقة" لتفعيل دوره ودفع عجلة الفن التشكيلي الرقي ليظل كما عهدناه دائماً رافداً حقيقياً في خدمة قضايا الوطن والإنسان والارتقاء بالذائقة البصرية والجمالية.
** من يطلع على معظم تجاربي الفنية يجد الواقعية التسجيلية في معظم لوحاتي، وهذا يعود إلى إيماني بهذه للمدرسة، لأنني وجدت نفسي فيها، وهي تلامس ذوق المتلقي لتصل إليه دون فلسفات، ولا تحتاج إلى "شيفرة" لفك رمزها أو عناصرها أو ما تختزنه من ألوان، أو تعبيرات، إضافة إلى أنها تبرز قدرة الفنان وتجربته ومهاراته، وتمكنه من أدواته، ولا تخلو بعض لوحاتي من الجنوح نحو التعبيرية في بعض الأحيان، وأنا أقرأ تقييم تجربتي الفنية من خلال عيون المتلقين، وإحساسي بمدى الإعجاب ودرجاته لكل ما أرسم، ومن خلال ما تتركه من أثر في بصيرة وبصر المشاهد، وبقدر ما تثيره من حوار في وسط المثقفين أو النقاد أو ممن يتذوقون اللوحة التذوق الصحيح.
** للفن التشكيلي رسالة سامية وجليلة، وهي رسالة محبة وسلام وجمال، وتعبير عن واقع الناس، ومحاكاة همومهم وقضاياهم، ومعاناتهم، وما معنى أن يرسم الفنان لوحته وهو بعيد عن المجتمع والناس؟.
المبدع هو من يكتب لنفسه وللآخرين، ويقرأ الشعر على مسامع الآخرين، ويرسم اللوحة لكي تبصرها عيون الآخرين، وتمتع أحاسيسهم وتغذي وجدانهم، وأنا لا أستطيع أن أرسم بمعزل عن قضايانا الروحية والإنسانية والوطنية، لأن الفن هو أصدق أداة من أدوات التعبير، والفنان الحقيقي هو من يجسّد قضية الأرض والإنسان من خلال قيمة العمل الفني، فعندما أرسم الطبيعة وجمالها والموروث الحضاري والتراثي أعتقد أن هذا غير كافٍ، ولا ينبغي للفنان أن يقف مكتوف اليدين أما قضية أرض تحتل أو شعب يحاصر وأطفال جياع يزين قسماتهم البريئة أثر الفوسفور الأبيض، كما يحدث في "غزة" والعراق وسائر الأراضي العربية المحتلة، الفنان يمثل قضايا الناس في كل الأوقات وفي كل العصور وإلا لماذا اغتالت إسرائيل الروائي "غسان كنفاني" على سبيل المثال؟ ومثله كثيرون وهو لا يرسم إلا بالكلمات ولماذا اغتيل الفنان الفلسطيني "ناجي العلي"؟ الذي تمثل كل لوحة من لوحاته "غورنيكا" جديدة لو لم يشكل خطراً إعلامياً على إسرائيل والموساد، وفضح ممارساتهم على الساحة الدولية والعربية.
لذلك أنا أعتبر أن أهم الأعمال التي رسمتها هي التي تمثل شهداء "نابلس" و"جنين" وانتفاضة الأقصى وحرب تموز وغيرها من أعمال أخرى تمس قضايا الإنسان العربي وطموحاته.
** إن المتابع الجيد لمثقفي "الرقة" ومبدعيها بكل الأطياف، يلاحظ أن هناك عدداً كبيراً من أدباء وشعراء وفنانين ونقاد تجعل من المتلقي الرقي متلقياً حاذقاً وذواقاً ومتطلعاً ومحاوراً جيداً، فكل هؤلاء المبدعين يؤثرون في المشهد الثقافي ويتأثرون به، ونلمس ذلك أيضاً في شتى النشاطات الثقافية، وحضور النخبة التي أصبح عددها اليوم كثيراً بما في ذلك الحضور الأنثوي الذي بدأ يقتحم ويثبت حضوره على هذه الساحة، فالقادم من خارج "الرقة"، أو حتى من خارج سورية يشهد بذلك، ويخرج بانطباعات إيجابية ورائعة عن هذا الجمهور مبدياً إعجابه بهذه المتابعة وهذا الاهتمام.
** عندما يرسم الفنان لا يتذكر كيف اعتراه هذا الهاجس في القدرة على التعبير، ويجد نفسه غير مشفوع بسبب إلا بإحساسه، ففي داخل الفنان عوالم كثيرة من السحر والدهشة والإبداع، يحاول أن يتفرد بها على سطح اللوحة، بغية تقديمها إلى الآخرين على شكل قوس قزح، على أمل إبلاغ هذه الرسالة السامية على شكل وردة تتفتح في عيون وأفئدة الناس.
أطمح أن أتفرغ كلياً للعمل الفني، وأتمنى أن أكون قدمت لتلاميذي وطلابي كل ما تعلمته واكتسبته من خبرة متواضعة في هذا المجال، ولا أزال أقدمها إلى الآن، لكي يستطيع كل واحد منهم أن يقدم للأجيال القادمة المتعة والمعرفة، وبما أنني مولع برسم "البورتريه"، فأنا الآن بصدد متابعة رسم بعض الوجوه التي لها علاقة بالطفولة، وأحضر لعمل جداري جديد أضيفه إلى بعض الأعمال الجدارية التي نفذتها سابقاً.
يذكر بأن الفنان "محمد الرفيع" قد شارك في العديد من المعارض الفنية داخل المحافظة وخارجها. ومنها: معرض جماعي في صالة الرواق العربي "دمشق" /1984/. وعدد من المعارض الجماعية في "دمشق" و "حلب" و"اللاذقية" و"طرطوس" و"الحسكة".
كما شارك في ملتقى "الشجرة" الدولي في "طرطوس" و"اللاذقية" /2003/. ومعرض جماعي لدعم المقاومة اللبنانية، وآخر لدعم المقاومة الفلسطينية بدار الثقافة في "الرقة" /2002-2006/. وشارك في معارض أقيمت على مستوى القطر للمعلمين الفنانين في جامعة "البعث" و"تشرين" و"دمشق" وطرطوس" و"ريف دمشق" و"حماة" و"الرقة".
حائز على الجائزة الأولى في التصوير الزيتي في المهرجان القطري المركزي "عيد الشبيبة" في "حلب" /1966/.
حائز على العديد من شهادات التقدير والتكريم في مجال الفن التشكيلي والتربوي من نقابة المعلمين ووزارة الثقافة وبعض الوزارات الأخرى.
حائز على الجائزة الأولى لمسابقة المعلمين الفنانين على مستوى القطر بـ"طرطوس" /2000/. وله العديد من الأعمال المقتناة داخل القطر وبعض الدول المجاورة. وله تصاميم بعض الأغلفة لمجلات وأعمال أدبية.
