قد يكون السيد "فيصل زيدان" آخر من تبقوا من مربي القز وصناع الحرير الطبيعي في قرية "عين البيضا" إن لم يكن في "الساحل السوري"، عله يحفظ هذه الصناعة من الموت ويبقيها حيةً لتستفيد منها الاجيال اللاحقة.

يتحدث السيد "فيصل زيدان" لمدونة وطن eSyria في 7/5/2013 عن صناعة القز في القرية قائلاً: «انها حرفة الآباء والأجداد، وقد تعلمتها طفلاً صغيراً وأذكر عندما كان والدي كغيره من آباء القرية يأخذني معه لكي أحمل كبولة الحرير ويوقفني الى جانب المغزل حتى إنني بت أشعر حالي كحال أبناء جيلي أنني خيط حرير خرّجه المغزل، في ذلك الوقت كان الغزل يتم في قرية "قسمين" المجاورة وتحديداً عند السيد "صالح صقر"».

بعدها نأتي بالخيط العشوائي ونبدأ بعملية ترتيبه بواسطة المغزل، حيث نجمع كل أربعة خيوط عشوائية ونبدأ بغزلها بواسطة المغزل، تلف الخيوط على بعضها بعضاً وتصبح خيطاً متيناً ويتغير لونها بعد عملية الغزل من أصفر الى أبيض

وتابع: «دودة القز لا تأكل إلا ورق التوت وهي معرضة للخطر والهلاك لذلك كنا نضطر لوضعها في بيوت ترابية بعيداً عن الحرارة والبرودة وخطورة الحيوانات، حيث إن لديها فترة زمنية للنمو من /20إلى 25/ يوماً حسب الطبيعة والعوامل المحيطة، تليها فترة للعطاء، وكل دودة تحمل شرانق مدورة الشكل لونها قريب من الأبيض، وكل شرنقة يكون بداخلها دودة ويبلغ طول خيطها احياناً حوالي /70/ متراً تنتجه كل دودة فالخيط ناعم ولا يأخذ حجماً كبيراً».

المحلج

ويضيف: «نزيل خيط الحرير من "الشرنقة" من خلال عملية الحلج التي تتم في دست ماء وتحته موقدة نار، ولديه دولاب صغير وآخر كبير أشبه بالناعورة، ومركب على منويل، الحلاج يمسك بطرف الخيط ويلفه على الدولاب ويطلب من المواطن لف الدولاب، وكل لفة خيط تسمى بيضة وعملية سحبها تتم بطريقة عشوائية، وكلما كان ماء الدست أسخن كلما كان الخيط انقى واصبحت حركة الشرنقة المعلقة بالدولاب اسهل».

يتابع "زيدان": «بعدها نأتي بالخيط العشوائي ونبدأ بعملية ترتيبه بواسطة المغزل، حيث نجمع كل أربعة خيوط عشوائية ونبدأ بغزلها بواسطة المغزل، تلف الخيوط على بعضها بعضاً وتصبح خيطاً متيناً ويتغير لونها بعد عملية الغزل من أصفر الى أبيض».

السيدة "عزيزة عبد الله"

عملية الغزل تتم بواسطة "الغازولة" كما يسميها السيد "زيدان" ويضيف: «بعد لف الخيوط على الغازولة نقوم بعملية سحب لها ولف على المسلكة لكي تحول الطيات الى خطوط مستقيمة وهي تعتمد على العمل اليدوي بالكامل، وبعد سلكه يصبح الخيط جاهزاً ويتم لفه على البكرة من أجل سهولة الاستخدام في عملية الحياكة، وخيط الحرير هو خيط نقي ولا يقبل خلطه بأي مادة أخرى لأنها تؤدي الى اتلافه بسرعة».

صحيح أن صناعة القز في "عين البيضا" كانت صناعة رائجة إلا أنها لم تكن صناعة ربحية بحسب الباحث التاريخي "برهان حيدر" الذي يحيي في متحفه الشهير في قرية "عين البيضا" صناعة القز، حيث يقول: «معظم عائلات القرية كانت تربي القز وتصنع الحرير إلا انها لم تكن صناعة تجارية أو ربحية بالمعنى العام وانما كانت صناعة كفائية، حيث كان كل منزل ينتج حاجته أو ما يبادل فيه من حرير بمنتجات أخرى، فعلى سبيل المثال يأخذ مقابل منديل الحرير شوالاً من القمح وما إلى ذلك، حتى ان عملية الحلج والحياكة كانت تتم دون نقد حيث كان يأخذ العامل أجره حريراً، كما أن المنتجات الحريرية كانت تستخدم كهدايا كما الذهب في أيامنا هذه حيث الام تهدي ابنتها في زفافها منديلاً مطرزاً ومزركشاً يسر له الناظرون».

السيد "فيصل زيدان" في متحف "برهان حيدر للتراث الشعبي"

بعد أن يتم انتاج الخيوط الحريرية تبدأ النسوة بصناعة المناديل، وقد حدثتنا السيدة "عزيزة عبد الله" عنها قائلة: «بعد ان ننتهي من الخيوط الحريرية نقوم بأخذها الى الحياك لكي يحولها لنا الى مناديل تصنع بواسطة النول، وتبلغ مساحة كل منديل حوالي /4،5/ أذرع، بعد حياكة المنديل يكون سميكاً وخشن الملمس نوعا ًما ما يضطرنا للقيام بعملية الغلي له حتى يصبح ناعم الملمس.

ثم نقوم بعملية تخرج له، نبدأ بصناعة سلاسل محيطة به، وهي عبارة عن عملية ربط الخيط الواحد بعدة أشكال، تليها غرزة اسمها ذات لفة وهي من المنديل الى السلسال، أما الغرزة الثالثة فهي الغرزة التي يأخذ فيها الشكل الذي تريده المرأة مثلاً "وردة" وتكون على الطرف الخارجي للتخريجة».

السيدة "منى ابراهيم" تتابع الحديث عن المناديل قائلة: «الأمر مرتبط باسلوب كل مرأة وطريقتها في التخريج، حيث إن المناديل كانت موحدة الشكل أما التخريجة فأشكالها متعددة "حبة حمص، وردة، شبك"، كما ان العملية تستهلك فترة طويلة من الوقت وجهداً كبيراً، وتستخدم فيها "صنارة الخرج والخيط"، أما المنديل فيستخدم غطاءً للرأس فقط وهو يعيش حوالي /4/ سنوات من الزمن على أقل تقدير».

بعد أن كانت صناعة الحرير متواجدة في معظم بيوت الساحل السوري أصبحت عبارة عن حرفةً تراثية ينظر الناس لها من بعيد ويستذكرون من خلالها ماضيهم، أما منتجاتها فقد تحولت إلى قطع من التراث السوري يضعها الناس في بيوتهم للزينة والاستذكار.