أخذته سيمفونية الخشب منذ نعومة أظفاره، ليكون- الخشب- ولعه الأول والأخير ليصنع من خلاله لوحاته الفنية الخاصّة التي لا تخلو من حرفية عالية، فالمهندس "أنور الياس" غدا من خلال فنه أكثر من مجرد نجار أو فنان، وعلاقته مع الخشب تجاوزت الديكورات التقليدية المتداولة بين الناس بل تعدته لحكاية بدأت فصولها في لعبة طفل صغير، ومازالت مستمرة في ابتكارات مهندس متفرغ لنوع آخر من فن النجارة.
وتلك الحكاية ارتكزت على نقاط عدّة تحدّث عنها عندما التقى به eHoms، بداية كان للابتعاد عن التقليد الأهمية الأولى، وعنه يقول: «توظيف العمل الفني الذي أصنعه هو أهمّ ما أسعى إليه، فعلى الرغم من قربي للفنانين أكثر من النجارين، إلا أنني لم أدخل عالم الخشب والنجارة عن رغبة بالمهنة بل لمحبة الفن المطبق على الخشب وبالأحرى محبة الخشب ذاته، فهو المادة التي سحرتني على الدوام وجذبتني إليها، وأردت أن أنقل هذا السحر للآخر من خلال القطع الخشبية ذات الصورة الفنية والهدف الاستعمالي، فالكثير من الناس يحبذ رؤية الأعمال الفنية والقليل منهم يرغب في اقتنائها».
الأنثى تعني لي الكثير، وأجد في الخشب رقتها ونعومتها ومنحنياتها الجميلة وحتى رائحتها التي تشبه رائحة الأم والحبيبة، وعلى الرغم من محبتي لكلّ أنواع الخشب إلا أنني أفضل شجرة الزيتون لما لها من الصفات السابقة
الهواية القديمة لأيام الصبا تحولت إلى مهنة مع الأيام عندما أتيحت الفرصة الملائمة ووجد المكان المناسب، ولاسيما بعد استقالة السيد "أنور" من عمله وانتقاله لمكتبه الهندسي الخاص الذي منحه الكثير من وقت الفراغ وتلك المرحلة دفعته للتركيز على نقطة أخرى وهي التميز، يضيف عن هذه الفترة: «في الفترة التي عملت فيها بمكتبي الخاص، شعرت بوقت الفراغ المناسب لممارسة هوايتي المحببة ووجود منشرة أخشاب شاغرة بالقرب من مكتبي منحني الفرصة الذهبية للبدء بالعمل اليدوي في تصميم وصناعة القطع الخشبية ومع تعرفي على الموبيليا الموجودة في الأسواق توصلت لما أريد عمله وهو مغاير تماماً لها، فحرصت على أن تكون كل قطعة خشبية تمثالاً فنياً لا مثيل له سواء في اللون أو في الشكل أو في الهدف».
الثقافة البصرية والوصول لروح الخشب، أوصلته لغايته في جذب الناس للمنتجات الخشبية، ومحبتهم لصورها التي استقاها من الطبيعة كما يقول: «قراءة الخشب والوصول لروحه بداية العمل الحقيقي، فالشجرة بحدّ ذاتها تأخذ النجار أو الفنان إلى الشيء الذي يجب أن تتحول إليه، وخشبها المطواع يفتح آفاقا كبيرة أمامه، فهو حنون يهذّب شخصية الإنسان ورائحته تذكر دائماً بالحياة وتنبه إلى الإمكانية الهائلة للإبداع والتميز وهذا ما يجذب الناس له وللرغبة في اقتنائه».
الإحساس بخلق الشيء وعدم الانضباط بقاعدة معينة والاقتراب من المدرسة الوحشية كما أسماها، قوّت ارتباطه بالخشب، ومحبته له، لكنّه فضل بعض أنواعه وأحب ما مال منها للأنثى فيقول: «الأنثى تعني لي الكثير، وأجد في الخشب رقتها ونعومتها ومنحنياتها الجميلة وحتى رائحتها التي تشبه رائحة الأم والحبيبة، وعلى الرغم من محبتي لكلّ أنواع الخشب إلا أنني أفضل شجرة الزيتون لما لها من الصفات السابقة».
يفضل السيد "أنور" أن يعمل في فصل الربيع لما يجده فيه من تفتح الطبيعة والحياة والأشجار بشكل خاص وهذا يجعله يبتكر مزيداً من الأعمال التي تعوّد على طرحها في المعارض الفنية بدلا من طرحها في الأسواق العادية وهو يرى من خلال تجربته أن الخشب هو المادة الوحيدة التي لا يمكن للإنسان الاستغناء عنها وعن ذلك يتابع: «لا يوجد مادة تنافس الخشب بجمالها وجودتها وقدرتها على خدمة الإنسان فهو بحاجة دائمة إليها، وأعتقد أن المستقبل سيحول كثيراً من المنازل والأبنية الإسمنتية إلى الخشب والدليل على ذلك المشروعات البيتية الخشبية قيد التنفيذ في عديد من المناطق السورية والتي سبقتنا إليها دول أوروبا».
يشرف السيد "أنور" على كل أعمال النجارة في ورشته الحالية مع قيامه بتصميم النماذج الأولية لكل قطعة بشكل مغاير للأخرى، إضافةً إلى أنّه يسعى لتطوير أعماله لتصبح علامة مسجلة خاصّة به، ولكنّه مع ذلك يبحث عن الخشب في كل مكان يذهب إليه ويفضّل ما وجد منه على شواطئ البحار والتي صنعت منه الأمواج والرمال تماثيل ولوحات طبيعية مميزة ويحتفظ بما أحبه منها لنفسه.
الجدير ذكره أن "أنور الياس" من مواليد 1959، قرية "بحور" التابعة لمحافظة "حمص" حاصل على شهادة الهندسة الميكانيكية من جامعة "باكو" في الاتحاد السوفياتي سابقاً، متزوج ولديه ولدان.
