تعد منظومة العادات والتقاليد جزءاً أساسياً في التعبير عن المضمون الثقافي والفكري في مجتمع ما، لتصب بنشر ثقافة تتضمن رسالة إنسانية كعادة "العزاء"، وذلك حينما تؤخذ مجموعة من الإجراءات وتدمج مع عادة اجتماعية، لتصبح ثقافة، وهذه الثقافة تعيش مع الإنسان المحب للحالة الراهنة التي جاءت بها ومن أجلها.

ويتميز المجتمع في "الجزيرة السورية" بمنظومة علاقات اجتماعية تنظم الحياة العامة والخاصة وحتى الأسرية منها، فلكل مناسبة طقوسها المعينة، ومن هذه المناسبات "مناسبة العزاء" التي تتميز بنظم خاصة تعودها الناس في تلك المناطق.

إن مجالس العزاء من المناسبات التي لها قدسيتها في "الجزيرة" وما زال الناس يحافظون على تلك الطقوس والعادات مع بعض الاختلافات في إدارة العزاء من بلد لآخر. ومن الأمور التي يتسم بها المجتمع في الجزيرة بشكل عام أن المآتم أو الأفراح أو أي خطب يشترك في حمله الجميع في المنطقة التي يحدث فيها الأمر، ففي حالة الوفاة لا يذهب أهالي القرية إلى الدوام في وظائفهم ذلك اليوم ومن المعيب أن يتغيب أحد عن حضور مراسيم الدفن، فالتعاضد والتعاون والمساعدة يهيمن على المجتمع في مثل هذه الظروف الصعبة، وتقديم العون والتخفيف من الألم الذي لحق بأهل المصاب يكون هدف الجميع حيث يجد أهل العزاء من حولهم يحملون معهم المصاب

موقع eHasakeh ولمعرفة المزيد عن مجالس العزاء ومراسمه في منطقة "الرميلان" التقى السيد "محمد الإبراهيم" أحد الوجهاء من قرية "تل رميلان الكبير" الذي حدثنا بالقول: «لمّت الآلام منا شملنا/ ونمت ما بيننا من نسب. هذا البيت من الشعر يكاد يحيط بموضوع العزاء تقريبا فللعزاء في المحافظة وفي ريفها بالتحديد إجراءات وطقوس نسير عليها، فمنذ سماع خبر الوفاة يتم تجهيز لوازم الدفن من قبل أهل الخير من كفن وغيره ويذهب عدد كبير من أهالي المنطقة أو شباب القرية لحفر القبر وتجهيزاته، فبعد دفن الميت والذي تكفّل بدفنه أهالي القرية يكون أحد الجيران قد أعد وليمة لأهالي المتوفى ولمن قام بالدفن ولمن حضر ومن أهالي القرية التي دفن فيها الميت.

أثناء قرأة المولد

وعادة يدفن الموتى في التلال أو بجانب أحد الأولياء، وهنا يكون الجيران أو أهالي القرية جميعاً قد بنو بيت العزاء وجهزوه بكل اللوازم ليبدأ استقبال المعزين من كل حدبٍ وصوب، ويسعى جميع المعزين جاهدين لتخفيف المصاب من خلال الأحاديث الدينية والاجتماعية التي تشد من معنويات أهالي المتوفى والحضور، وتقدم المساعدات المادية والعينية لأهل العزاء من الأقارب والأصدقاء وأهالي القرية وذلك ليتسنى لهم أداء الواجب اتجاه الحضور والمعزّين لكونه يقدم لمن حضر للعزاء الطعام والشراب وخاصة إذا كان من منطقة بعيدة».

وتابع السيد "محمد" حديثه: «يستمر هذا الأمر بشكل فعلي ثلاثة أيام متتالية، وبعدها يتم رفع بيت العزاء، ويُستقبل الناس والذين لم يحضروا في الأيام الثلاثة السابقة في منزل الابن الأكبر أو في منزل المتوفى، وطوال أيام العزاء قلما يفارق الجيران أو أهالي القرية مجلس العزاء، ويقوم بتخديم المعزين والحضور الجيران أو فتيان وفتيات من القرية. فتقوم الفتيات بخدمة النساء حيث يبنى لهن بيت كما يبنى للرجال.

أثناء توزيع ما قرأ عليه في المولد

ومن الأمور التي أجمع عليها العرف في السنوات الأخيرة هي التقليص أو التخفيف من تقديم الولائم من قبل كل الجيران وأحياناً من أغلب أهالي القرية لما لها من تكاليف مادية باهظة، وفي هذه المناسبة يلتقي الأقارب والأصدقاء والمعارف من كل حدب وصوب وحتى من الأماكن البعيدة قد تكون من خارج المحافظة، وهذه المجالس محط اجتماع لأشخاص وقد لا يجتمعون لعدة سنوات لولا هذه المناسبة فتكون سبباً للم الَشمل وجمع الأهل والأقارب والأصدقاء، وتكون سبباً لحل الكثير من المشاكل والقضايا التي كانت محط خلاف بين المتخاصمين بل ينسى الجميع خصوماتهم وخلافاتهم في هذا المصاب ويبادرون لمواساة بعضهم بعضاً وتعود المودة والمحبة من جديد».

وعن هذا الطقس قال السيد "ياسين المحبوب" أحد الوجهاء في منطقة "الرميلان": «إن مجالس العزاء من المناسبات التي لها قدسيتها في "الجزيرة" وما زال الناس يحافظون على تلك الطقوس والعادات مع بعض الاختلافات في إدارة العزاء من بلد لآخر.

بعد ثالث أيام العزاء المعزين في المضافة

ومن الأمور التي يتسم بها المجتمع في الجزيرة بشكل عام أن المآتم أو الأفراح أو أي خطب يشترك في حمله الجميع في المنطقة التي يحدث فيها الأمر، ففي حالة الوفاة لا يذهب أهالي القرية إلى الدوام في وظائفهم ذلك اليوم ومن المعيب أن يتغيب أحد عن حضور مراسيم الدفن، فالتعاضد والتعاون والمساعدة يهيمن على المجتمع في مثل هذه الظروف الصعبة، وتقديم العون والتخفيف من الألم الذي لحق بأهل المصاب يكون هدف الجميع حيث يجد أهل العزاء من حولهم يحملون معهم المصاب».

وعن الطقوس في اليوم الأخير من مجلس العزاء قال السيد "حسين الهلو" أحد الحضور وكبير قومه في قرية "تل رميلان الكبير": «اليوم الأخير من العزاء له بعض الإجراءات الخاصة به فمنذ الصباح الباكر يبلغ أهالي القرية بيتاً بيتاً من قبل أهل المتوفى لحضور وجبة الغداء عندهم ويسمى ذلك اليوم "يوم الموالد" وتأتي هذه التسمية من المولد الذي يقام في مجلس العزاء على روح الميت، وتقرأ الأحاديث الدينية والأذكار النبوية ويتلى ذلك من كتاب خاص، وبعد إبلاغ الجميع للحضور وقبل قراءة المولد يتم تحضير بعض المواد مثل الملح والسكاكر والفواكه والتمر وغيرها من المواد وتغطى هذه الأشياء بقطعة قماش أو ما شابه ويقرأ عليها كما ذكرنا المولد ويقرؤه عادة إمام الجامع أو أحد الفقهاء أو العارفين بذلك وتوزع على الحضور من رجال ونساء وأطفال بعد نهاية المولد تلك الأطعمة التي تم القراءة عليها، وبعدها يقدم الطعام للحضور، وبعد مغادرتهم يوزع ما تبقى من طعام على أهالي القرية وخاصة الجيران.

ومن التجهيزات التي تأخذ بالحسبان كمية الطعام وهو من اللحم والأرز أو البرغل أو الثرود، ويشرف على عملية الطهو شخص له خبرته، وليلاً أو في الصباح الباكر يكون قد تم توزيع الطحين على فتيات القرية من أجل الخبز، ويكون قد جهز اللحم أيضا من تقطيع وغسيل وما شابه».