هدمها "الفرس"، فأُعيد بناؤها فهدمها زلزال سنة1157م، فأُعيد بناؤها مرة أخرى، ثم هدمها "التتار"، فكان أن رممها "نور الدين زنكي" الذي اتخذها مركزاً لتموين جيشه، ولكنها خربت للمرة الرابعة، وأُعيد بناؤها من جديد حسبما يذكر "ابن واصل" الذي يقول: «إن "الأمير حسام الدين أبا علي بن محمد علي الهذباني" كان قد شرع في إعمار "قلعة سلمية" وتحصينها بناءً على أوامر "الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر"، الذي كان مقيماً في مصر عند "الملك العادل"، بعدما استأثر أخوه "الملك الناصر" بملك "حماة"».

موقع eSyria التقى الأستاذ "أمين قداحة" الباحث الأثري، ورئيس لجنة الآثار في جمعية العاديات فرع "سلمية" لنتعرف أكثر على قلعة لم يبق منها إلا بقايا جدارها الجنوبي، وقواعد البرج الشرقي .

لو تم التنقيب يوماً ما في موقع هذه القلعة لتم العثور على الكثير من الأقبية، أو ربما على الطابق الأول للقلعة، الذي غطي بطبقات من تراب الزمن، بسبب ما حل بها من كوارث وفواجع

وأول ما بدأ به هو تقديم وصف للقلعة، فشرع يقول: « للقلعة شكل رباعي، ترتكز في زواياها أربعة أبراج، وتتوزع أربعة أبراج أخرى بين كل برجين على الجدران، ليصبح العدد ثمانية أبراج، أبرزها برج القلعة الثامن الذي يشكل باب القلعة، الذي يشبه "الباشورة" أي المدخل المنكسر، زيادة في التحصين وإجراءات الدفاع».

ما بقي من القلعة

ويتابع: «هنالك التباس فيما يخص شكل تلك الأبراج، فبينما يذكرها "أحمد وصفي زكريا" بأنها أبراج مربعة الشكل، يقول الأستاذ "محمود أمين" أن الأبراج كانت مؤلفة من طابقين علوي، وسفلي على شكل دائري أما في الأعلى فيصبح البرج على شكل سداسي أو ثماني».

ويتابع شرحه عن الوصف المعماري للقلعة، فيقول: «القلعة ذات شكل رباعي طول ضلعه حوالي/150 م/ وارتفاعه يتراوح بين ثمانية وعشرة أمتار، وقد بني بأحجار متوسطة الحجم، تحتوي سطوحها الخارجية على عدد من أعمدة الروابط، وكثيراً من الأنقاض المزينة بنقوش سابقة للعهد الإسلامي، وقد كان "قصر القلعة" يقع ملاصقاً للجدار الجنوبي بطول يتراوح بين عشرين، وخمسة وعشرين متراً، وعرض ثمانية أمتار، وهو مؤلف من طابقين السفلي منهما له بابان يؤديان إلى داخل القلعة، وهو مبني على شكل عقود رباعية، لذا كانت له ركائز تقوم عليها القناطر، وهو متسع، يستطيع أن يستوعب أكثر من/500 جندياً/، وكميات كبيرة من المؤن، وقد حول القصر فيما بعد إلى مسجداً للعبادة».

سور القلعة كما يبدو أيام المطر

أما الطابق العلوي وكما يصفه الأستاذ "أمين": «فقد كان يتألف من أربعة غرف تفتح أبوابها جميعاً على الشمال، ولها نوافذ، و"مزاغل" دفاعية في الجهة الجنوبية، وكان يصعد إلى هذا الطابق بدرج كان يقوم قبالة باب برج القلعة، و أمام غرف القصر كان يوجد شرفة تستند على أعمدة حجرية طويلة».

وننتقل للحديث عن ساحة القلعة، وهي: « متسعة ومكشوفة على امتداد جدران القلعة الأربعة، كان يتوسطها "بئر ماء"، وقد رصفت أرضية تلك الساحة بالحجارة البازلتية المربعة الشكل، وفي يومنا هذا كل ما يمكن أن يراه الزائر هو قواعد ذلك البرج الجنوبي الشرقي، وبقايا جدار القلعة الجنوبي الذي ينتصب بارتفاع من ثمانية إلى تسعة أمتار، وبعرض متراً واحداً، وخلفه مدرجات دفاعية، وقد فتحت في الجدار" مزغلة"، ومن خلال مقطع الجدار نستطيع أن نلاحظ طريقة بناء تلك الجدران، حيث تم بناء جدارين متوازيين، وتم وضع الردم من "الحجارة البازلتية"، و"الملاط" والتسليح الجيد بين الجدارين ما يعرف باسم "المونة" مما أعطاه قوة ومنعة أكبر».

الأستاذ والباحث الأثري "أمين قداحة"

وعن حالة الاعتداء التي طال القلعة آخر مرة، يقول: «كان آخر من شرع بهدمها هو الأمير"إسماعيل الشهابي"، المُعين من قبل الإدارة الفرنسية، مديراً عاماً لسلمية، والذي رفض أن يتخذ من قلعة سلمية مركزاً له، فطلب من "متصرف حماة" أن يسمح له ببناء "دار الحكومة" في سلمية، وفعلاً فقد تمت الموافقة، فشيد الأمير"إسماعيل الشهابي" دار الحكومة على شكل قصر من طابقين وكان أن سحب أكثر حجارة البناء الجديد من "قلعة سلمية" وأسوارها، بعد أن تم تهديم الجزء الأكبر من القلعة، لإنجاز البناء المذكور، والذي عُرف فيما بعد باسم المخفر».

ويختم الأستاذ "أمين" حديثه عن هذه القلعة بقوله: «من أهم ما يميز "قلعة سلمية" أنها من القلاع القليلة جداً إن لم نقل النادرة في سورية، التي كانت تقوم على أرض منبسطة، في حين أن معظم قلاع سورية كانت قد أُشيدت فوق مرتفع ما زيادة في التحصين، وبهذا فهي شبيهة بـ"قلعة دمشق" المشيدة على مستوى الأرض، إلا أن "قلعة سلمية" هي الأقدم».

وينهي قائلاً: «لو تم التنقيب يوماً ما في موقع هذه القلعة لتم العثور على الكثير من الأقبية، أو ربما على الطابق الأول للقلعة، الذي غطي بطبقات من تراب الزمن، بسبب ما حل بها من كوارث وفواجع».

ويبقى لزائر "سلمية" ليلاً أن يتمتع بمنظر سور القلعة، والذي اكتسى حلة جديدة بعدما تم إنارته ليلاً ليمنح وسط المدينة جمالاً من نوع مختلف.