لن يخطر في بال أحد ما أن خلف جدران هذا البيت العتيق، والذي لا يكاد يظهر بين الأبنية الشاهقة المحيطة به من الجهات الأربع، أنه يخفي كنزاً عمره عدة قرون، كما وينام فوق ملجأ أثري يعود بناؤه إلى العهد الفاطمي، والغريب في الأمر أنه اليوم بات مزرعة للفطر، هذا الفطر الذي أراد أن ينمو ويتكاثر بين أعمدة التاريخ، كيف لا، والبناء فاطمي الهندسة.

eSyria كان في زيارة لهذا البيت فقاده الطريق حيث يقع الملجأ الأثري، وفي جغرافيا المكان، فإنه يقع إلى الجهة الجنوبية الغربية من مرقد ومسجد "الإمام إسماعيل"، ولمعرفة المزيد حول هذا الملجأ التقينا بمالكه السيد "حافظ عبد الجوّاد" والذي قدّم لنا لمحة عن مواصفات هذا الملجأ، فقال: «هو عبارة عن حجرة كبيرة نسبياً تقع على عمق ستة أمتار عن سطح الأرض، وهو مؤلف من أربع أعمدة حجرية في الوسط تشكل مع الجدران والزوايا تسعة عقود صغيرة، و"العقد": هو السقف المحني على شكل قبة بسيطة والواقع بين أربعة أعمدة، وكلما كان قريباً من المستوي كان قادراً على حمل أوزان أكثر، لذلك نرى العقود هنا ذات انحناءات بسيطة».

جدران الملجأ مكسية بعجينة خاصة كانت تستخدم في ذلك الزمن، وهي مزيج من "الكلس" و"التبن" و"القنب" بالإضافة إلى "الصفوة" وهي نواتج احتراق الخشب

وأضاف: «يتميز هذا الملجأ بأن حرارته في الصيف هي مثلها في الشتاء، فهو مصمم لكي تدخله الشمس طيلة أيام السنة، ففي العقد الأوسط يوجد فتحة للتهوية تمتد إلى سطح الأرض، وهي المنفذ الوحيد لدخول أشعة الشمس عندما تكون عمودية في فصل الصيف، أما مدخله وهو "السلم الحجري" فهو طريق الشمس إلى الداخل في الشتاء، وذلك لتصميمه الهندسي الفريد».

عمود بيزنطي تظهر عليه النقوش

لابد للزائر أن يلاحظ بنية الملجأ ذات الحجارة والأعمدة البازلتية السوداء، هذا ما تحدث عنه السيد "عبد الجواد" قائلاً: «جدران هذا الملجأ مؤلفة من حجارة بازلتية زرقاء جيء بها من جامع "الإمام إسماعيل"، والدليل على ذلك أن عمودين من أصل أربعة بيزنطيان، بينما الآخران إسلاميان، وهذا يدل على أنه بني في العهد الإسلامي، بالاستعانة بأعمدة من بقايا العصر البيزنطي، حيث إن النقوش على العمودين البيزنطيين تحوي رموزاً مسيحية، ورسوماً لطيور، بالإضافة إلى عبارات للترحيب بزوار المدينة مكتوبة باللغة اللاتينية، أما الإسلاميان فهما يحملان زخارف بسيطة لكون الرسوم كانت محرمة في ذلك الحين».

وأضاف قائلاً: «جدران الملجأ مكسية بعجينة خاصة كانت تستخدم في ذلك الزمن، وهي مزيج من "الكلس" و"التبن" و"القنب" بالإضافة إلى "الصفوة" وهي نواتج احتراق الخشب».

السيد "عبد الجواد يشرح كسوة الجدار

وعن الذين اهتموا بالملجأ قال: «هو مسجل لدى الآثار نظامياً، كما أنه كان مقصداً لعدة بعثات ودراسات أجنبية، وكل المعلومات التي قلتها مصدرها تلك البعثات، فمثلاً البعثة الليبية أكدت أنه يعود إلى العصر الفاطمي، وهناك بعثة فرنسية بقيت هنا أكثر من أسبوع لكن لم تصلني نسخة مما توصلوا إليه، هذا عدا عن الزوار الذين يأتوه عن طريق الجمعيات الأهلية، وبعض المعارف».

مكان أثري كهذا إن وجد في مدينة سياحية مثل "دمشق" كان سيستثمر سياحياً، وسينال شهرة كبيرة، لكن في مدينة مثل "سلمية" فالوضع مختلف جداً، هذا ما علق عليه السيد "حافظ عبد الجواد" قائلاً: «هذا الملجأ تعود ملكيته إلى عائلتي منذ أن سكنت هذه المدينة، وقد كان مليئاً بالأوساخ و"الكراكيب"، حيث كان يستعمل كمستودع، فقمت بتنظيفه آملاً أن أستثمره سياحياً على هيئة مطعم، لكنه بحاجة إلى الترميم الشيء الذي لا أقدر عليه مادياً، وقد عرضت ترميمه على جهات عدة وعلى "مديرية الآثار" لكن محاولاتي باءت بالفشل، فمدينة "سلمية" مهملة سياحياً، مع أنها تخفي تحت أبنيتها الحالية عدة طبقات وفي كل طبقة توجد مدينة كاملة، لكن لا فائدة منها للأسف، فهي ما زالت مطمورة، وبحاجة لمن يهتم بها».

أكياس الفطر بين الأعمدة الأثرية

ثم تحدث عن الوضع الحالي للملجأ، فقال: «نتيجة لإطلاعي عرفت أن ظروفه مناسبة لزراعة الفطر البستاني، فقررت أن أحوله إلى مزرعة بسيطة للفطر، والحقيقة أن المشروع كان ناجحاً جداً، وهذا أفضل من لا شيء».

يبقى أن نشير إلى أن هذا المكان الأثري يفترض به أن يدرج على قائمة الأماكن الأثرية المعدة لاستقبال الزوار، لا أن يتحول إلى مزرعة تحت الأرض، ما نعرفه أن هناك حدائق معلقة، واليوم نكتشف مزرعة مغلقة، ومع هذا يمكن تقديم التحية للسيد "حافظ عبد الجوّاد" لأنه حافظ على رونق هذا المكان، ولم يمد يد العابث كما فعل البعض.