خليط بانورامي من الكهوف، والمغارات التي يندر مثيلها تنتشر في "مصياف" وكأنها عيون وآذان الزمن الشاهد على ما خبأته قصة الخلق منذ بدء التكوين، في هذه المنطقة التي تضج بأسرار التعدد والتلون لكهوفها منذ ولادة التاريخ، ومن أندرها مغارة "البيضا" الكارستية، والتي تعتبر نموذجاً مصغراً عن أقدم المغاور الكارستية في العالم، حيث كَشفت خفاياها على مستحاثات بشرية متحجرة، من المحتمل أنها تعود إلى ملايين السنين.

لمعرفة المزيد عن هذه المغارة، وهذا الاكتشاف التقى موقع eHama بالسيد "هشام موسى" الباحث والأستاذ في علم الجغرافيا، والذي تحدث قائلاً: «إن معظم المغاور الطبيعية تشكلت نتيجة جريان المياه الباطنية ضمن التشكيلات الصخرية، والتي شكلت فراغات وممرات طولانية، وعرضية وعمودية اتصلت ببعضها نتيجة تحليل وإذابة المياه لهذه التشكيلات على مدى الزمن، ونتج عن عملية إذابة المياه للصخور تحرر قسم من "ثاني أكسيد الفحم" الذي انطلق في جو المغارة نظراً لكون درجة حرارة المغارة شتاءً أعلى من درجة حرارة الهواء الخارجي».

إن هذه المستحاثات تعتبر من أقدم المستحاثات في العالم، وعلى الرغم من أن قسماً كبيراً من هذه العظام ما زال مدفوناً داخل المغارة إلى اليوم، إلا أنه لم تبادر أي جهة للكشف عن هذا الكنز التاريخي الذي من الممكن استثماره علمياً، وأثرياً وسياحياً

ويضيف قائلاً: «هذا الغاز لا يسمح أن يحتفظ الماء بـ"الـكلس المذاب" فيه بعد عملية حتّه من الصخور، ما يجعل الصخور تتآكل بسرعة لتتوسع المغارة على حساب الصخور، ومن جهة أخرى إن ترسب "فحم الكالسيوم" مع طول الزمن يكوّن تشكيلات صخرية من "صواعد"، و"نوازل" في المغارة، وهذا القانون الطبيعي يحكم مغارة "البيضا" الكارستية منذ ملايين السنين».

"هشام موسى" باحث في علم الجغرافيا

وعن موقع المغارة من الناحية الجغرافية، تحدث "هشام موسى" قائلاً: «تقع المغارة في السفح الشرقي لجبل "الحفة" الذي يرتفع /820 متراً/ عن سطح البحر، وهذه المغارة تؤلف شكلاً من أشكال التضاريس الكارستية الضمنية تحت سطح الأرض، إضافة إلى أنها خالية من الماء، ومملوءة بالهواء، والغازات، وتتصل بسطح الأرض عبر مدخلين، أحدهما عبارة عن بئر ضيق في صخور هشة بشكل عمودي، وآخر يشكل سرداباً شبه أفقي، حيث يتباين ارتفاعها بين /متر ونصف/ و/أربعة أمتار/ وطولها يزيد عن /خمسين متراً/، كما أنها تحوي أشكالاً "مورفولوجية" تتمثل بالصواعد، والنوازل، وهي أجسام صخرية مدلاة من سقف المغارة نحو أرضها، لها شكل أعمدة مدورة شاقولية، تشكلت نتيجة تساقط قطرات الماء المشبعة بـ"الكالسيت"، والتي تتراكم على شكل مخروط نازل مع مرور الزمن، وبالمقابل فإن قسماً من هذه المياه المشبعة بـ"الكالسيت" عندما يسقط نحو الأرض يكوّن صواعداً تنشأ على نفس الاستقامة مع النوازل وتكثر هذه الصواعد والنوازل في المغارة، وتختلف أحجامها التي تتراوح ما بين عشرة سنتيمترات وما بين خمسة سنتيمترات».

وعن ميزات هذه المغارة، قال: «ما يميز مغارة "البيضا" ويعطيها طابعاً فريداً، وقديماً تضاهي به جميع المغارات السورية، هي تشكيلات "الستائر"، و"السجف"، التي تغطي معظم جدران المغارة الداخلية، وهي على شكل تعرجات من طبقات صخرية رقيقة وبراقة، مكونة من "الكالسيت" و"الأراغونيت" شديدا اللمعان، والمتميزان بألوان الطيف البراقة، من أحمر وأبيض كريستالي وأزرق، ووردي وغيرها».

عظام متحجرة تعود لملايين السنين

وعن أهم جانب في رحلة الاكتشاف التي قام بها الباحث داخل المغارة تحدث "موسى" قائلاً: «أكثر ما أدهشني وجعلني متأكداً من أن هذه المغارة موغلة في القدم وتعود لملايين السنين، هي العثور على مجموعة نادرة من المستحاثات البشرية المتحجرة في القسم الداخلي من المغارة، والتي هي عبارة عن عظام أفخاذ بشرية ضخمة جداً، حتى أن بعضها يزيد طولها عن ستين سنتيمتراً، وقد التحمت بالصخر، وتشكلت حولها طبقة صخرية من "الترافرتان" بسماكة 2 سم، وهو ما يدل على أن الزمن الذي استغرقته هذه العظام الضخمة كي تلتحم بالصخر يتطلب ملايين السنين، ومن جهة أخرى إن كبر أحجام هذه العظام خير دليل على أن الإنسان "النياندرتيلي" قطن هذه المنطقة».

وختم مبيناً بالقول: «إن هذه المستحاثات تعتبر من أقدم المستحاثات في العالم، وعلى الرغم من أن قسماً كبيراً من هذه العظام ما زال مدفوناً داخل المغارة إلى اليوم، إلا أنه لم تبادر أي جهة للكشف عن هذا الكنز التاريخي الذي من الممكن استثماره علمياً، وأثرياً وسياحياً».

ستائر و سجف صخرية على جدران المغارة