«على الصفصاف يا وعدي/ على شط الفرات/ وعلى العذيبي المعدّي/ على سنيني المضن/ وعلى كل حلم وردي/ كتبت اسمك حبيبي/ يا أغلى حب عندي». يرى الكثيرون أن كاتب هذا المقطع الشعري من أهم الشعراء الشعبيين في المنطقة لقدرتهِ على التعامل مع الكلمة بصدقٍ وعفوية بعيداً عن الغموض والمُراوغة، إذ اتخذ من شِعرهِ الشعبي وسيلةً لاحتضان اللهجة الفراتية والتحليق بها بعيداً في سماء الأدب.
الشاعر الشعبي "يوسف الخالد" من مواليدِ مدينة "البوكمال" لعام /1960/م يحمل أهلية التعليم عام /1982/م يعمل في حقل التعليم كمعاون مدير لابتدائية "الأمين" في "البوكمال" كان لنا معه الحوار التالي بتاريخ 9/2/2010م:
شاعرٌ يكتب القصيدة الشعبية بشكلٍ راقٍ؛ له مدلولاتٌ وأهدافٌ جميلة وبتصويرٍ جميل، يختلف عن بقية الشعراء الشعبيين الذين يكتبون كلمات الأغاني وذلك بالارتقاء بالنمط الذي يجيده؛ لهذا تصل كلماته إلى الآخرين بكل سهولة
** بداياتي كانت مُقتصرة على قراءة الشعر الشعبي فقط دون محاولاتٍ جادة في الكتابة، في المرحلة الثانوية بدأتُ بكتابةِ بعض الكلمات والعبارات المحكية ومع أنها كانت محاولات خجولة إلا أنها لاقت إعجاباً من قبل زملائي في المدرسة؛ وتلك القصيدة كانت هي الأولى لي وحملت عنوان "ونّة قلب" وبقيّ نشاطي محدوداً ومقتصراً ضمن إطار المدرسة حتى عام /1980/م عندما حصلت على الشهادة الثانوية وانتقلتُ إلى "دير الزور" لمتابعة دراستي في معهد إعداد المُعلّمين؛ وقتها تمت إقامة حفلة تعارف بين الطلبة بمناسبة العام الجديد، فشاركتُ يومها بإلقاء قصيدة شعبية لاقت استحساناً من الحضور، بعدها بدأتُ أُشارك في معظم المهرجانات والنشاطات الأدبية على مستوى المحافظة؛ أما على مستوى القطر فقد تأخرتْ قليلاً حتى عام /1991/م أثناء مشاركتي في مهرجان القصيدة الشعبية في "دمشق" إضافةً إلى مهرجانٍ أُقيمَ في محافظة "السويداء".
لم تتوقف موهبتي في الكتابة عند الشعر الشعبي فقط؛ بل تجاوز إلى كتابة المقالة والقصص القصيرة، ففي عام /1989/م حققتُ المركز الثالث على مستوى القطر في كتابة المقالة ضمن فعاليات مهرجان أدب الشباب في محافظة "إدلب" كما نُشِرت الكثير من مقالاتي في صحفٍ محلية كصحيفة "الفرات" و"تشرين".
** في البداية لا بد أن يكون كاتب هذا النوع من الشعر موهوباً وقارئاً جيداً بحيثُ يسعى نحو اقتناء كل ما له علاقة بالشعر الشعبي؛ وعليه أن يكون مُتمكّناً من أدواته الشعرية كاللغة والأوزان؛ والأهم من هذا كله يجب أن يكون صادقاً مع فنّه الأدبي.
** يبقى الشِعرُ شِعراً سواء أكان مكتوباً بالفصحى أو بالعامية، أما قضية إساءته للغةِ العربيةِ الفُصحى فهذا أمرٌ مرفوض، وذلك لأن جميع سكان الوطن العربي يتحدّثون فيما بينهم بالعامية وبشكل يومي فلكل منطقة لها لهجتها العربية الخاصة بها؛ وباعتقادي إذا تمت كتابة كلام جميل ومُنمّق وقريب من لغة الناس فإن ذلك لا يمسُّ بالفصحى بشيء؛ فإذا انتبهنا إلى كلمات الأغاني والمُسلسلات فإننا نجدها مكتوبةٌ بالعامية وليس الفصحى؛ فلماذا يعتبرون الشعر العامي هو المُسيء الوحيد إلى الفصحى؟.
** نعم؛ يمكن أن يكون هناك محدودية في الانتشار باعتبار أن اللهجات تختلف من دولة عربية إلى أخرى، أما في "سورية" فعلى الرغم من تعدد اللهجات إلا أن جميعها قريبةٌ من بعضها وسهلة الفهم وخاصةً اللهجة "الفراتية"، وقد تأكدتُ من هذا خلال مشاركاتي في بعض المهرجانات خارج المحافظة؛ فقد كنت ألتمس في وجوه الحضور الرضا والإعجاب دائماً ولم اضطر إلى شرح بعض المفردات التي كنتُ أشعر بأنها غريبةٌ عليهم لأنهم كانوا على اطلاعٍ مُسبق على تلك العبارات علماً أن الحضور كان خليطاً منوعاً من اللهجات.
** منذ بداياتي الأولى تأثّرتُ بشاعرين اثنين هما الشاعر العراقي "مظفر النواب" والشاعر المصري "أحمد فؤاد نجم" وهذا التأثر كان مُقْتصراً على المواضيع المطروحة في شِعرهما فقط؛ أما أسلوب الكتابة فقد ابتعدْتُ عنهما كلياً واتخذتُ أسلوباً خاصاً بي وحدي.
** في الماضي كانت الأغاني مبنيةً على كلامٍ جميل ومُعبّر ويحمل نوعاً من الصدق؛ والشاعر الذي كان يكتب تلك الكلمات يُرهق نفسه في الكتابة حتى يُنتِجَ كلاماً قابلاً للاستماع، أما الآن فجودة الكلام وأصالته لم تبق سر نجاح الأغنية؛ بل العكس تماماً فقد ابتعد عن الإبداع والصدق والإحساس؛ فتصوّر أن تستمع إلى أغنية تبدأ بجملةٍ على نحو (بوس الواوا) أو (رجب حوش صاحبك عني).
** تم التنسيق مع فرقة "الفرات" بمحافظة "دير الزور" من أجل تلحين بعض أشعاري؛ فقد غنّت هذه الفرقة من شعري قصيدة بعنوان (فرات الخير) من ألحان "جمال الدوير" كذلك أغنية أخرى بعنوان (غاليين) من ألحان "أحمد السويد" أما على مستوى مدينة "البوكمال" فقد لُحِّنَ عدد من الأشعار التي كتبتها وقام بغنائها المطرب "خالد الحسن".
** بصراحة لم أُحقّق أياً من طموحاتي؛ فبداية مشواري مع الكلمة حاولتُ أن أكتبَ شِعراً أرتقي من خلاله إلى مرتبةٍ تمنحني شيئاً من السمعة الطيبة على المستوى العربي؛ لكن لسببٍ أو لآخر حال دون تحقيق ما رسمته لنفسي. فابتعادي وقلة الاحتكاك مع الوسط الأدبي ساهم بشكلٍ كبير في إصابتي بنوعٍ من الخمول الإبداعي.
** في الوقت الحالي هنالك ثلاثةُ مخطوطات للشعر الشعبي جاهزة للطباعة وهي "توالي الروح- صهيل الشوق- كلْمات المسافر"، إضافة إلى مجموعةٍ قصصية تتضمّن عدداً من القصص القصيرة جداً.
وقد كان لبعض الشعراء في المدينة آراءٌ في الشاعر "يوسف الخالد" فالشاعر "قيس صقر" قال فيه: «إنه شاعرٌ شعبي شديد التعلق بالمُفردةِ الشعبية المُعبّرة؛ له تجربة واسعة في القصيدة الشعبية المُلتزمة؛ يكتب قصيدتهُ وينقحها ويحفظها دون ورق، تعيش القصيدة في ذهنهِ مسافة مئة ميل كل ثانية؛ يهتم بالموضوع الإنساني الملتزم ولديه مخزونٌ هائل من الأفكار الشعرية، يُعتبر من أهم الشعراء الشعبيين في المنطقة إذا لم نَقُل في المحافظة».
الشاعر "صُهيب سيد ذاكر" قال فيه: «شاعرٌ يكتب القصيدة الشعبية بشكلٍ راقٍ؛ له مدلولاتٌ وأهدافٌ جميلة وبتصويرٍ جميل، يختلف عن بقية الشعراء الشعبيين الذين يكتبون كلمات الأغاني وذلك بالارتقاء بالنمط الذي يجيده؛ لهذا تصل كلماته إلى الآخرين بكل سهولة».
أما الشاعر "رياض ناصر النوري" فقد قال عنه: «"يوسف الخالد" تجربةٌ شعرية في مجال الشعر الشعبي تستحقُّ الوقوف عندها طويلاً؛ فهو مُغايرٌ؛ جديدٌ في كلِّ نصٍّ يكتبه، بعيدٌ عن التكلف في خلق صورهِ الشعرية، في شِعرهِ أبعادٌ لا تُحصى.. لكن على تجربتهِ أن ترى النور».
