تعد ولادة المقاهي الفكرية والسياسية في "دمشق" أوائل ثلاثينيات القرن الماضي، نتيجة طبيعية لحركة تطور المقاهي ودورها الاجتماعي عندما اصطدمت بمجموعة من الأحداث الكبيرة والخطيرة التي عصفت بالساحة العربية.
وتعود نشأة المقاهي تاريخياً إلى العهد "العثماني"، وعلى الرغم من مقاومة العثمانيين لعادة شرب القهوة عندما وفدت عليهم*، إلا أنهم فيما بعد أفردوا لها دكاكين خاصة، ليصبح الجلوس في المقاهي إحدى العادات التي توارثناها عن الأتراك.
افتتح "مقهى البرازيل" أواخر ثلاثينيات القرن الماضي من قبل "السفارة البرازيلية" بهدف تسويقي وتجاري، ولكنه ما لبث أن أصبح مرتعا للأدباء والسياسيين، وظل عنواناً ومقصداً لهؤلاء المفكرين حتى تاريخ إغلاقه فيما بعد
كذلك استطاعت الثقافة الفرنسية أن تطول أشكال المقاهي خلال فترة الاحتلال الفرنسي لسورية، وافتتحت عدداً من المقاهي المعاصرة في أحياء "دمشق" الحديثة، وكان دخول هذه المقاهي بدعة جديدة استهوت الجيل الشاب الذي ولد في عهد الانتداب، قبل ان تتحول إلى أماكن لتجمع الجيل المثقف الذي تسلح بالعلم والفكر واستخدم الأساليب السياسية لإخراج المحتل من أرض الوطن.
الشاعر "شوقي بغدادي" من مواليد عهد الانتداب الفرنسي، ارتاد المقاهي الفكرية عندما كانت عنواناً للحياة السياسية في دمشق، موقع "eSyria" التقى مع الشاعر ليحدثنا عن الدور الذي لعبته المقاهي في رسم ملامح الحياة الفكرية والسياسية في تلك الفترة، حيث بدأ بالقول:
«إن المرحلة التي نشأت فيها المقاهي السياسية كانت مرحلة لاهبة في التاريخ العربي، فمنذ عهد الانتداب والمخططات ترسم لتغير الخارطة والهوية العربية، والسنوات الأولى التي تلت مرحلة الاستقلال وتحديداً أواخر الأربعينيات كانت سنوات مهمة جداً في تاريخ سورية الحديث، وفيها نشأت عدد من التيارات الفكرية والعقائدية والحزبية في كلٍ من سورية والبلاد المجاورة، التي أثرت في اتجاهات الشباب المثقف، وحددت نظرتهم إلى الحاضر والمستقبل.
فالإعلان عن قيام "الكيان الصهيوني" على أرض فلسطين عام /1948/، والجو السياسي والفكري الذي كانت تعيشه "دمشق" ألقى بظلاله على المقاهي، التي لم تبق أماكن لتقديم المشروبات أو مرتعاً لقتل الوقت، وإنما انعكس عليها هذا الجو من الحيوية الفكرية، فأصبحت المقاهي منبراً للأحزاب ومنبعاً للأفكار الجديدة على المجتمع السوري.
وبغياب المراكز الثقافية أصبحت المقاهي مكاناً تجمع للشباب المثقف الذي تحزب خلف رايات وطنية وفكرية متباينة، وعرفت عدة مقاهي في تلك المرحلة على أنها عنواناً للمفكرين والمثقفين والسياسيين، ومكاناً ملائماً للقائهم».
"بغدادي" قسم حياة المقاهي الفكرية إلى أربعة مراحل رئيسية؛ وبدأها بالمرحلة التي ولدت فيها زمن الانتداب، ثم المرحلة الذهبية التي تلت عام الاستقلال وامتدت حتى قيام الوحدة مع مصر، ومنذ ذلك الحين بدأت مرحلة تراخي النشاط السياسي والفكري في المقاهي السياسية وهي فترة الوحدة حتى عام الانفصال، عندما بدأت المرحلة الرابعة وعاد فيها النشاط للمقاهي ولكن دورها لم يعد مؤثراً على الساحة السياسية في "دمشق".
وعن المرحلة الأولى تحدث "بغدادي": «في السنوات التي سبقت عام الاستقلال كان للمقاهي دور واضح ومحوري، فكانت مكان تجمع للمثقفين الشباب، والمهد الذي ولدت فيه الممارسات الديمقراطية، حيث اقتصر هذا التجمع السياسي على الشباب والمثقفين كأفراد، ولم يكن هناك حضور منظم للأحزاب السياسية بعد، مقهى "الهافانا" عنوان لهذه المرحلة، ومقهى "البرازيل" من بعده».
"خليل دياب" أدار "مقهى البرازيل" في تلك المرحلة، السيد "جورج دياب" الابن البكر للسيد "خليل" أوضح أن تلك المقاهي لم تولد لتكون مركزاً للأدباء أو السياسيين، ولكن الحراك السياسي والأدبي الذي عاشته "دمشق" ألقى بظلاله على بعض المقاهي، وتابع بقوله: «افتتح "مقهى البرازيل" أواخر ثلاثينيات القرن الماضي من قبل "السفارة البرازيلية" بهدف تسويقي وتجاري، ولكنه ما لبث أن أصبح مرتعا للأدباء والسياسيين، وظل عنواناً ومقصداً لهؤلاء المفكرين حتى تاريخ إغلاقه فيما بعد».
المرحلة الثانية برأي "البغدادي"، بدأت مع إعلان الاستقلال عن السيطرة الفرنسية، وامتدت حوالي عشر سنوات، وتوسع "البغدادي" في شرحه لها وبدأ بقوله: «تعد هذه المرحلة، المرحلة الذهبية بالنسبة للمقاهي ولدورها الذي لعبته على الساحة السياسية، لكونها عكست الجو الذي عاشته "دمشق" في تلك الفترة، وفيها تبلورت الممارسات السياسية التي بدأت أواخر عهد الانتداب، وأصبحت المقاهي مركز تجمع للأحزاب الوطنية ومنبرا للتيارات الفكرية الجديدة التي ظهرت في سورية، ويمكن تقسيم المقاهي الفكرية في تلك المرحلة إلى قسمين؛ المقاهي السياسية والفكرية واضحة التأثير كمقهى "هافانا"، "البرازيل"، "الكمال الصيفي".
والقسم الآخر من المقاهي السياسية كان يعتبر جانبي التأثير، فلم يعرف عنه توجها فكريا واضحا، وكانت هذه المقاهي موزعة على أحياء "دمشق" كالمقاهي التي انتشرت في "ساحة المرجة"، منها مقهى "شيخانة" الذي كان يرتاده العراقيون وأبناء محافظة "دير الزور"، لذا كان يسمى "مقهى الديرية"؛ والطريف في الأمر أنه منذ ذلك الوقت يقدم "الشاي" أكثر من القهوة، ويضاف إلى هذه المقاهي الجانبية بعض الحانات التي كان يرتادها عدد من الشباب المثقف الذين كانوا يجلسون حتى المساء في المقاهي الفكرية، ثم يتحولون إلى هذه الحانات حتى ساعات متأخرة من الليل، كمطعم ومقهى "الصفاء"».
وأضاف "بغدادي": «في السنوات التي تلت الاستقلال، كان لابد للمثقفين وأصحاب الفكر والسياسة من الجلوس في المقهى، ولو لخمس دقائق يومياً، ولكل جماعة أو حزب مجموعة من الطاولات المعروفة التي يجلسون عليها كل يوم، وكان المثقفين أو الأدباء العرب عندما يزورون "دمشق" يحرصون على ارتياد المقاهي السياسية، حيث يلتقون نظراءهم السوريين الذين يتواجدون هناك يومياً.
هذه المرحلة تميزت بظهور سريع للأحزاب السياسية وتطور كبير للمذاهب الفكرية، كذلك شهدت أحداثاً كبيرة وذات تأثير على الساحة العربية إلى يومنا هذا، كإعلان قيام دولة إسرائيل، ومحاولة جر سورية إلى تحالفات استعمارية كحلف "بغداد" مثلاً، هذه الأحداث أثرت على الشباب المثقف والمهتم بقضايا أمته، فكانت التظاهرات المنددة تخرج من هذه المقاهي، وكذا الكثير من الأحزاب القومية والوطنية رأت النور من هناك، كميثاق "حزب البعث العربي الاشتراكي" الذي ولد في مقهى "الرشيد الصيفي"، وهو حالياً مكان المركز "الثقافي الروسي"».
بمراجعة أسماء الأدباء الذين أغنوا الحياة الأدبية والسياسية في المقاهي السياسية، نجد أنهم ينقسمون ضمن عدد من التيارات المتباينة، "البغدادي" أشار إلى بعضها بقوله: «تواجد في هذه المقاهي معظم الأحزاب السياسية عبر أدبائها ومفكريها، فإذا بدأنا بأدباء التيار "الليبرالي الحر" نجد أن الكاتب "فؤاد الشايب" كان من أبرز أسماء التي مثلت هذا التيار في المقهى السياسي.
أما التيارات الوطنية، "كالكتلة الوطنية" و"حزب الشعب" نجد منهم على سبيل المثال "عبد السلام العجيلي" والروائي "شكيب الجابري"، أما الأحزاب اليسارية التي نشطت في تلك المرحلة فهي على ثلاثة أقسام، أولها "الحزب القومي السوري" ومنهم الأدباء "أدونيس" و"محمد الماغوط"، وثانيها الأحزاب القومية العربية "كحزب البعث العربي" ومن أبرز أدباء هذا القسم "سليمان العيسى" و"علي الجندي"، أما القسم الأخير من الأحزاب اليسارية فهو "الحزب الشيوعي" ومن أدبائه "نصر الدين البحرة" والكاتب "سعيد حوارنية"».
الأستاذ "شوقي" يعتبر فترة الوحدة مع "مصر" هي المرحلة التي بترت الدور السياسي الذي كانت تلعبه المقاهي، وعلى الرغم من بقاء السياسيين والمثقفين يداومون على ارتيادها خلال فترة الوحدة، إلا أن نشاطهم السياسي خرج من المقهى، وأصبحوا يجتمعون في أماكن أخرى كالبيوت مثلاً، وتميزت هذه الفترة بنشوء أحزاب وتيارات سياسية جديدة أخذت تلعب أدواراً في الساحة السورية كحزب "الاتحاد الاشتراكي القومي" الذي أسسه الرئيس "جمال عبد الناصر"، وسمي أتباعه "الناصريين".
ويضيف "بغدادي": «"الناصريون" حاولوا الجلوس في المقاهي والسيطرة على الجو الفكري، ولكن حضورهم الثقافي والسياسي لم يستطع الوقوف أمام فكر التيارات والأحزاب الموجودة قبل الوحدة، والكثير من الشباب المثقف اتجه إلى بلدان مجاورة خوفاً من الملاحقة، كما حدث معي مثلاً؛ فقد دخلت "سجن المزة" لمدة تسعة أشهر، وعندما خرجت سافرت إلى لبنان وعدت مع إعلان الانفصال».
عاد المثقفون للجلوس في المقاهي بعد الانفصال وهي بداية المرحلة الرابعة في تاريخ المقاهي السياسية كما يذكر "بغدادي"، لكن دورها الذي كانت تلعبه سابقاً لم يعد موجوداً، واقتصر جلوس المثقفين ورجال الفكر والسياسة في المقهى للقاء بعضهم بعضاً، وأصبحت هذه المقاهي رمزاً لمرحلة سابقة عاشتها "دمشق"، فكل زاوية من هذه المقاهي تحمل ذكرى، ولاسيما طاولاتها القديمة الموجودة اليوم التي استقبلت رجال كتبوا تاريخ سورية الحديث.
المراجع:
*: حسب ما ذكر الدكتور "محمد الأرناؤوط"، مقالة "مقاهي دمشق شاهد حي على حياة الكتّاب وتحولاتهم" بشار منافيخي – ملحق الثقافي لصحيفة الثورة – 13/3/2007.
