عادت تجارة "أكياس الخيش" إلى النبض من جديد رغم الأزمة الحادة التي مرت بها، فهذه أكياس التي استعملت منذ عشرات القرون شهدت تراجعاً في الطلب خلال العقود الثلاثة الأخيرة بفعل المنافسة من "أكياس البلاستيك"، خاصةً أن الأخيرة معروفة بثمنها الرخيص.
لكن "أكياس الخيش" التي تصنع من "نبتة الجوت" الاستوائية، أثبتت أنها صديقة للبيئة خلال مراحلها المختلفة، فهي تخرج من الأرض، وتحافظ على نضارة الخضاروات والمحاصيل الزراعية التي تحملها، وتتحلل في التربة عندما تعود إليها.
نستعمل "كيس الخيش" مرتين، الأولى عندما نشتري البذور من مخازن الدولة ضمن "أكياس الخيش"، والثانية عندما نحصد "الحنطة" أو "الشعير" فنستعمل هذا الكيس لتعبئة المحصول لبيعه لصوامع الدولة، ولا يمكن استغناء عن استخدام "كيس الخيش" في الحالتين
"دمشق" و"حلب" وباقي المدن السورية عرفت أسواقاً "للجوت" تسمى "سوق الخيش"، تباع فيها منتجات هذه النبتة من الأكياس والحبال للفلاحين قبل موسم الحصاد، موقع "eSyria" التقى السيد "مهند سبيناتي" صاحب دكان لبيع "الجوت" ومنتجاته في "سوق السروجية" في "دمشق"، والذي حدثنا عن مصدر هذه النبتة واستعمالاتها المتعددة: «نستورد "الجوت" من "الهند" و"بنغلادش" المعروفتين عالمياً بزراعته، ويأتينا على ثلاثة أشكال، إما بشكل خيط غير منسوج نصنع منه الحبال، أو ثوب "رول" طويل يحاك حسب الطلب، أو كيس جاهز للاستعمال وهو الأكثر طلباً في السوق.
يستخدم "الجوت" في مجالات متعددة، فهو يستعمل لتعبئة المواد التموينية والمحاصيل الزراعية "كالحنطة" و"الشعير" بعد عملية الحصاد، أو لتخرين الخضراوات "كالبطاطا" في المخازن والبرادات لأنه يحافظ على الرطوبة ويسمح للنبات بالتنفس، ويستعمل لحماية البذور من العوامل الخارجية فمثلاً يوضع ثوب من الجوت فوق "الكازون" في الحدائق لتخرج الأعشاب من خلاله، ويستعمل كذلك في البناء، فيستخدم كطبقة عازلة حول الجدران، ويدخل في عملية تنجيد المفروشات سواءً تنجيد الأرضية أو حتى الرداء، ويستعمل كذلك في صنع بعض أنواع الحقائب والأحذية وتزين كروت الأفراح».
لاحظنا في السوق أن أغلب الأكياس المعروضة كانت قديمة وإن كانت صالحة للاستعمال، "سبيناتي" أوضح لنا أن أكياس "الجوت" تصلح للاستخدام أكثر من مرة، وقد يصل عمرها إلى خمسة عشر عاماً وإن وضعت في المخازن أو تعرضت لأشعة الشمس، لكن ضمن شروط معينة، ويضيف قائلاً: «لكيس "الخيش" قدرة على مقاومة الشد وتحمل الأوزان، ويتفوق من حيث الجودة ومدة الاستعمال على أكياس "النايلون" و"البلاستيك"، وهو اقتصادياً أوفر منهما، رغم أن قيمته النقدية أعلى بخمسة أضعاف، فكيس "الخيش" الجديد يصل سعره إلى /65/ ل.س، والمستعمل إلى /35/ ل.س، بينما كيس "البلاستيك" فسعره اليوم /12/ ل.س فقط، ولكن الأخير سريع الاهتلاك والعطب، ومقاومته للشمس ضعيفة».
لون خيط "الجوت" أصفر داكن مائل إلى البني، ولكنه قد يصبغ بعدة ألوان، وهو نوعان سميك /10/ أونصه يستعمل لأعمال التنجيد وتعبئة وتحميل الحنطة، وخفيف /7.5/ أونصه ويستعمل لعزل الجدران وزراعة وحماية النبات، موقع "eSyria" سأل المزارع "رشيد بلال" رئيس الجمعية الفلاحية في قرية "مراعية" عن أهمية ومكان "كيس الخيش" في الدورة الإنتاجية للأرض، فأجاب: «نستعمل "كيس الخيش" مرتين، الأولى عندما نشتري البذور من مخازن الدولة ضمن "أكياس الخيش"، والثانية عندما نحصد "الحنطة" أو "الشعير" فنستعمل هذا الكيس لتعبئة المحصول لبيعه لصوامع الدولة، ولا يمكن استغناء عن استخدام "كيس الخيش" في الحالتين».
وأضاف "بلال": «خلال تجربتنا مع "كيس البلاستيك" الذي يتميز عن "الخيش" بسعره المتدني، وجدنا أنه غير عملي خاصة أنه لا يصلح للاستخدام إلا لمرة واحدة فقط ومضر بالمحصول الذي يوضع داخله، كما أن "كيس البلاستيك" لا يستطيع تعبئة إلا /50/ كغ من الحنطة، عكس "الخيش" الذي يستطيع استيعاب أوزان تصل إلى /125/ كغ، والغريب أن الكيس "البلاستيك" يأتينا أحياناً عن طريق الدولة التي تبيعنا البذور بداخله ثم لا تقبله في صوامعها».
"سبيناتي" أوضح الفرق بين كيس "الخام" الأبيض وكيس "الجوت أو الخيش" بقوله: «يعتقد البعض أن الكيس الذي يعبأ به الطحين لأفران الخبز هو أحد أنواع "الجوت، وهذا غير صحيح، لأن "كيس الجوت" لونه بني داكن أما "كيس الخام" فيصنع من القطن /100%/ ومقاومته للمحاصيل الزراعية كالحنطة والشعير أقل من "كيس الخيش"، لذا يستخدم من قبل الدولة لتخزين "الطحين الأبيض" فقط».
وختم السيد "مهند سبيناتي" حديثه بقوله: «بدأ والدي العمل في "سوق الخيش" منذ خمسة وسبعين عاماً، وفي عام /1980/ بدأت أساعد والدي عندما كان عمري تسعة أعوام، وقد كانت هذه التجارة رائجة بشكل كبير في السابق، ولكن منذ ثلاثين عاماً شهدت تراجعاً واضحاً بفعل منافسة "كيس البلاسيتك"، واليوم بعد أن اتضحت أضرار "البلاستيك" على البيئة، تجد اتجاها عالميا نحو العودة وتبني استخدام أكياس "الجوت".
والجدير بالذكر أن "غرفة تجارة دمشق" بدأت بالفعل بتشجيع استخدام "كيس الجوت" وعقد الندوات التعريفية بمنتجات هذه النبتة وانعكاساتها الإيجابية على البيئة، حيث توجهت عبر نشاطاتها إلى المزارعين والتجار المهتمين والجهات الحكومية والخاصة المعنية باستخدام هذا الكيس واعتماده، وأصبحنا نشعر بالمؤسسات الإعلامية وهي توضيح فوائد استخدام "الجوت" على نواحي البيئية والاقتصادية طويلة الأمد».
