تنقل بين عدة مدارس مرتبطة بألوانه إلى أن اختار "تفل القهوة" لوناً يرسم به شخوصه وانفعالاته التشكيلية على سطح اللوحة، عاش بألوانه في "باريس" التي رحبت به منذ دخوله إليها، فحاول أن ينقل بألعابه وألوانه إليها ليرسم خفقات قلبه على أقمشتها وأوراق أشجارها كما يقول، لم ينسى قريته "بسنادة" في مدينة "اللاذقية" بل كانت لها نصيب كبير من الذاكرة التي نقشت على سطح تلك اللوحات، إنه التشكيلي السوري "كاظم خليل" الذي عرف بعشقه ورسمه بمادة "تفل القهوة"، هذه المادة حضنت شخوصه واضطرابات حياته فوق لوحات رُبطت بدفئ روحه وبمؤشرات مرتبطة بحركة أصابعه.
موقع "eSyria" وخلال تواجد الفنان التشكيلي السوري "كاظم خليل" في "دمشق" التقى به في صالة "رفيا" للفنون، فكان معه هذا الحوار التشكيلي.
*حدثنا عن استخدامك للمواد الطبيعة في لوحاتك؟
**هناك قصص كثيرة بيني وبين المواد الطبيعية التي أصبحت جزءاً من لوحاتي، حيث جربت عدة مواد طبيعية لأصنع منها ألوان استخدمها في لوحاتي التشكيلية، فتنوعت تجربتي التشكيلية بين التلوين والخطوط التعبيرية الجريئة، من خلال رسمي بقلم الرصاص، والحنة العربية التي لها أصالة كبيرة في تراثنا السوري والعربي، بالإضافة إلى استخدام السكين في عملي على سطح اللوحة. خلال هذه التجربة الطويلة مع المواد الطبيعية انتقلت منذ عشرة سنوات إلى استخدام مادة تفل القهوة وما تحملها من دلالات، فإنني أعشق هذه المادة الطبيعية ولي معها صلة روحانية قوية، من هنا لوّنت لوحاتي ورسمت رسومي المائية بتفل القهوة وبطريقة تقنية "Lavis" الطريقة التي يستخدم فيها الحبر والماء الغزير على أنواع من الأوراق المختلفة السماكة والملمس والجمال، لكنني هنا بدّلت كل هذه المواد بتفل القهوة التي تعطي تدرجات حساسة في اللون البني عبر تمديده بالماء. إنني كنت أبحث عن الإحساس الذي يتركه تفل القهوة على الفنجان لأثبته في اللوحة. وجاءتني فكرة استخدام القهوة من أمي التي كانت تقرأ النقوش في فنجان القهوة وتحللها بكلماتها الجميلة، من هنا أردت إعادة صياغة هذه النقوش خارج سياق الفنجان بل على مساحة ممتدة في فضاء اللوحة، فأردت أن أحرر القهوة من قيمتها اليومية لأفتش في قلبها عن قيم مرئية بصرية خاصة.
*هل لذهابك إلى تمديد القهوة بمواد أخرى علاقة بإحدى المدارس الفنية؟
**إنني شغوف بالكيمياء، وهنا للفن والأسلوب والمواد والصدفة علاقة كبيرة بالكيمياء، وظهرت هذه التأثيرات على سطح اللوحة من خلال تأثري بعالم الكيمياء، فتثبيت القهوة بمواد طبيعية مثل "البروبوليس" إحدى منتجات النحل قدمها لي شقيقي، وخلال تجربتي وخلطي لمادة القهوة مع هذه المواد أصبحت أتقن اللعب على سطح اللوحة بطريقة سهلة تضمنت مواد مثبتة عديدة إلى جانب القهوة.
*إنك تكرر في لوحاتك وجوه الشخوص والعناصر، مالدلالة من ذلك؟
**ليست هناك دلالة معينة من ذلك ولكني أبحث في عمق هذه الشخوص، فألعب على سطح اللوحة واكتشف متاهات وشخوص جديدة دخلت لوحتي، هناك ربط عميق بين تعدد هذه الشخوص والوجوه فهي ناتجة عن لعب طفولي على سطح اللوحة التي بدت للمشاهد كموضوع جاهز يستطيع أن يلقط منها فكرة أو أفكار عديدة. إنني أبحث في لوحاتي عن خلق قوانيين جديدة وكسرها للبحث عن أشياء أعمق، وكل ذلك متمحور في دائرة اللعب على سطح اللوحة بأصابعي التي تبحث عن نتائج جديدة، ولعبي هذا محصور ضمن حركة البحث في التشكيل المعاصر. كما أن التكرار الذي أعيد صياغته يتواتر على نحو غير ثابت كما في شريط سينمائي حيث الصورة تتكرر لكن تختلف في كل ثانية لتعطي بالنتيجة صورة متحركة.
*هل ثمة حرية معينة لحركة اللون الواحد لديك؟
**إنني أتبع أول خط أرسمه على اللوحة، فهي تتشكل بمجموعة عناصر لها علاقة بأصابعي ووضعي الشخصي والنفسي، أحاول أن أتماهى مع المادة وأفكاري وخبرتي لإنتاج هذا العمل، اللون الواحد هو تقنية أو مادة محدودة كثيراً وهنا يصبح اللعب بالنسبة لي على سطح اللوحة ممتع من خلال أصابعي التي أتحكم بها وأتبع خطوطي التشكيلية ذات اللون الواحد عبر تدرجاته اللونية، فأنا أرسم بأصابعي المشحونة بالفكرة لألغي الوسيط بيني وبين الورقة، فأتحول إلى عازف غيتار على سطحها اللوني.
*أنستطيع القول بأن لرطوبة البحر وصدفه دور في لوحاتك؟
**إنني "ابن البحر" ولست مستقلاً عن ذاتي، فالبحر يخرج أحياناً على سطح اللوحة بطريقة هيجان وعاصفة وأمواج غير لونية، فأنا أتشكل من الرمل، الملح، الزيتون والشمس ولهذه الأمور دور كبير في عمق اللوحة.
*معروف عنك بعلاقاتك الواسعة والعميقة مع الوسط الفني الأوربي، مامدى تأثرك بهذه العلاقات؟
**العمل التشكيلي الحديث هو منتج أوربي بامتياز، فكل عناصر اللوحة الكلاسيكية والحديثة ذات صنع أوربي، وهنا وضمن تيار الفن التشكيلي الأوربي الذي أتقنته أحاول أن أعطي هويتي السورية بطرق ومعاني تشكيلية وفنية معمقة على سطح اللوحة، فليست هناك مدرسة تشكيلية سورية أو تشكيل فرنسي أو يوناني، وإنما الأجواء الأوربية والمعنيين الأوربيين بالفن أعطوني المجال الواسع للإبداع وإقامة المعارض وحتى الدخول في لجان فنية فرنسية لتقييم الأعمال الفنية عكس ماهو موجود هنا، ومع ذلك فأنا كابن للبحر السوري أظهر سليل الثقافة السورية في عناصري وشخوصي على اللوحة، إنني سليل منحوتة الطين السورية الأولى قبل /4000/ سنة، وبجانب ذلك أحاول أن أخطو خطوات مميزة في حركة التشكيليين السوريين ضمن العالم، هذه الحركة التي باتت واضحة من حيث معالمها الإبداعية ومتانة ريشتها الفنية البارعة.
*أين تتجه ضمن حركة التشكيل المعاصرة؟
**إنني أعمل وأبدع بأصابعي ولم أصل إلى مرحلة متورمة من الأنا الداخلي، أحاول أن أكون كذاتي على الخط الفني التشكيلي المعروف، فلم أحاول أن أفكر بالعمل التجاري وبيع اللوحات، بل فكرت مليّاً بأن أطوّر شخوصي وتدرجات ألواني وكيفية متابعة خطوطي على سطح اللوحة.
*البعض وصف لوحاتك أنها تأثرت بجلجامش والإغريق؟
**نعم تأثرت بالكثير من الأساطير لأنني بالأصل ولدت في أرض خُلقت فيها الأساطير والقصص الفلسفية القديمة، لكن الأسطورة تظهر على سطح لوحاتي من فكري المتأثر بالكثير من هذه الأساطير وتلك الملامح هي موجودة بالأصل في مخيلتي، فأنا أعيد إنتاج الأسطورة ولكن هذه الأسطورة هي أسطورة الإنسان المعاصر من خلال هذه الكائنات المضطربة والحركة التي تقف ضد الموت واقفة على سطح اللوحة بعُريّها واضطراباتها.
*هل الخطوط اللولبية والهندسية الموجودة في لوحاتك هي مبرر لعدم السكون أو الانتقال إلى اللاسكون؟
**اعتمد بشغلي على اللوحة كما ذكرت على الأصابع، فأعمل بها وأتبع الخط الأول منها، حيث الأصابع أحياناً تقودك إلى هذا الجو، إضافة إلى أنني بالأصل كائن قلق وهذا القلق يظهر عبر هذه الخطوط اللولبية، أخاف أثناء عملي من الزمن، ولذلك أبحث عن البعد الرابع في الشخصيات عبر الحركة على اللوحة، فهذه الخطوط والدوائر هي التي تعطي الإحساس بالحركة، إنها حركات تنتفخ مع رجفة القلب لتتنفس على سطح اللوحة فتظهر وكأنها لوحة متحركة أو أشخاص يتحركون عليها.
*ماذا تحدثنا عن تأثرك بالتعبيرية؟
**هناك علاقة كبيرة بين الفكر والفلسفة والتعبيرية، ولذلك ترى أنها نشأت في "ألمانيا" بسبب الحراك الفلسفي المديد فيها، فالفلسفة الحديثة نشأت في "ألمانيا" وتأثر بها الكثير من الفنانين، إنني درست الفن دراسة حرة وغُصت في التعبيرية بحرية مرتبطة بأصابعي، فالتعبيرية هي مدرسة كبيرة تأثر بها الكثيرون من الفنانين السوريين وأنا كنت أحدهم.
*ماذا تحدثنا عن تواجدك في "دمشق" الآن، ورأيك بالحركة التشكيلية السورية الحديثة؟
**سعيد أنني بعد /15/ عاماً أقمت معرضاً تشكيلياً في سورية، والآن أعاود المجيء لأقيم فيها معرضاً آخر، إضافة لسروري الكبير لأنني هنا في "دمشق" بين فنانين مثقفين وحركة تشكيلية باتت تظهر على سطح اللوحة بكثير من التقدم، حيث أصبحت هناك حالة محو أمية بصرية واضحة لدى الجمهور السوري، هذا الجمهور الذي أحسست بهم خلال تواجدهم في معرضي وأمام لوحاتي التي هي جزء من حياتهم ومشاكلهم اليومية، فكل هذه الدلالات ترمز إلى أن الحركة التشكيلية السورية نهضت بشكل كبير وواسع وأصبح اسم التشكيلي السوري معروفاً في المحافل والصالات التشكيلية العالمية الكبيرة.
