قلّة من أهل "حلب" تعرف بأنّ مدينتهم تضم رفات عالم كبير هو أول من قرأ قصة الطوفان، هو الباحث والعالم البريطاني "جورج سميث" الذي يرتاح رفاته بسلام وهدوء في مقبرة "الطائفة الإنجيلية" الواقعة في "جبل السيدة"- حي "الشيخ مقصود" في الطرف الشمالي لمدينة "حلب".
في البداية سأل موقع eAleppo عدداً من المواطنين في "حلب" عن هذا العالم الكبير ومكان مدفنه فتضمنت إجاباتهم الجهل باسم العالم نفسه ومكان قبره، "إبراهيم مصطفى"- طالب جامعي قال: «بصراحة أنا لدي فكرة عن "ملحمة جلجامش" التي تتضمن "قصة الطوفان" التي فك شيفرتها أحد الباحثين الأوروبيين ولكني أجهل اسمه ومكان دفنه».
العالم هو "جورج سميث" انكليزي الأصل ومكان دفنه هو "المقبرة الإنجيلية" بالقرب من حي "الشيخ مقصود"
"يوسف إبراهيم"- مدرس فلسفة قال: «قرأت مرة في كتاب آثاري حول تاريخ "حلب" بأنّ العالم الذي قرأ قصة الطوفان مدفون في إحدى المقابر المسيحية بين حيي "الشيخ مقصود" و"الأشرفية" ولكن لا أتذكر المقبرة بالضبط وكذلك اسم ذلك العالم». السيد "فريد عبدو" قال: «لا أعرف شيئاً حول هذا الموضوع».
وبعد هذا الاستطلاع القصير توجهنا بالسؤال حول هوية هذا العالم ومدفنه في مدينة "حلب" إلى المهندس والباحث "عبد الله حجار" الذي أجاب بالقول: «العالم هو "جورج سميث" انكليزي الأصل ومكان دفنه هو "المقبرة الإنجيلية" بالقرب من حي "الشيخ مقصود"».
وأضاف: «كان "جورج سميث" /الذي ولد في العام 1840م/ شاباً يتردد على المتحف البريطاني باستمرار وهو يعمل في حفر قوالب النقود الورقية، وطُلب إليه أن يعمل موظفاً في المتحف فقبل بذلك ودرس الكتابة المسمارية التي فك رموزها حوالي منتصف القرن التاسع عشر وبينما هو يرمّم بعض الألواح الفخارية المسمارية المرسلة من نينوى قرب مدينة الموصل العراقية وقعت تحت يده كسيرة فخارية مرسلة من مكتبة الملك "آشور بانيبال" تصف تلك الكسيرة الفخارية سفينة "نوح" و"قصة الطوفان" بتفصيل أكثر دقة مما هو مذكور في العهد القديم».
وتابع حديثه: «تحدث "جورج سميث" عن هذا الكشف العظيم في العام 1873 ميلادية ومن ثم أُرسل في مهمة إلى نينوى حيث وجد تتمة الكسيرة الفخارية والتي كانت أحد ألواح "ملحمة جلجامش" التي تعود بأصولها القديمة إلى الفترة السومرية والألف الثالث قبل الميلاد وقد تناقلها فيما بعد الأكاديون والآشوريون والبابليون وسواهم من شعوب بلاد الرافدين، وفي العام 1876 ميلادية جاء "جورج سميث" ليعمل في حفريات نينوى مع معارضة واليها العثماني، وحتى مجيء الموافقة من اسطنبول كان الصيف قد حلّ ورفض العمال العمل في الطقس الحار فجاء "سميث" ليزور مدن المنطقة».
وحول قصة مجيئه إلى مدينة "حلب" قال "حجار": «أثناء قيامه بزياراته إلى مدن المنطقة بعد توقف العمل في حفريات نينوى بسبب الحرارة كما قلت، مرض العالم "جورج سميث" في تركيا قرب بيراجيك الواقعة إلى الشمال من مدينة "حلب" ومن ثم حُمل إلى مدينة "حلب" حيث توفي فيها بعد أربعة أيام من وصوله إليها وذلك في العام 1876 ميلادية.
دُفن العالم "جورج سميث" في "المقبرة الانكليزية" في حي "العزيزية" قرب "مستشفى ألطونيان" الذي هُدم بعد ذلك، وقد كانت مقابر المسيحيين في "العزيزية"، وفي نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات من القرن الماضي وعندما أُوقفت عمليات الدفن في المقابر القديمة تم نقل رفات العالم "جورج سميث" مع رفات وقبور سبعة وأربعين شخصية هامة من قناصل ورحالة وتجار دفنوا بحلب إلى "الشيخ مقصود" /"جبل السيدة"/ حيث "المقبرة الإنجيلية" الأرمنية وكان ذلك بتاريخ 6/12/1938 وقد شغلت قبورهم مساحة 12.5 متراً×5.8 أمتار من الزاوية الجنوبية الغربية من المقبرة الجديدة، ومن الشخصيات المهمة التي حضرت عمليات إعادة الدفن في مدينة "حلب" عالم الآثار "ماكس ملوان" المعروف وهو زوج الروائية البوليسية الشهيرة "آجاثا كريستي" الذي كان ينقب حينها في سورية في تلال الجزيرة /شاغر بازار وتل براك/ وكان يحضر بين الفترة والأخرى ليقيم في "فندق بارون" بحلب».
وختم الأستاذ "عبد الله حجار" حديثه بالقول: «أقام المتحف البريطاني للعالم "جورج سميث" نصباً تذكارياً في "المقبرة الإنجيلية" وهو شكل كتاب مفتوح من المرمر الأحمر وقد ذُكر فيه كلمة حول هذا العالم الكبير الذي كان يبشّر بعطاء عظيم لو أنّ الله مد بحياته إذ توفي وله من العمر ستة وثلاثين عاماً فقط».
