في منطقة تطل اليوم على الكورنيش البحري ماتزال أول منارة علمية منحت الشهادة الثانوية تستقطب طالبي العلم بين جدرانها وحجارتها الرملية.

فالثانوية "الأهلية" الخاصة، أو ما كان يعرف ب"الكلية الوطنية بطرطوس" اسم لمع في تاريخ التعليم والتدريس منذ عشرينيات القرن الماضي على مستوى "الساحل السوري"، رغم تبدل الأسماء والمالكين والمدرسين الذين رافقوها خلال مسيرتها التعليمية.

نحن في المدرسة نشعر وكأننا أسرة واحدة هدفنا واحد، فالمدير يعاملنا كأبنائه ويتابع أمورنا بأدق تفاصيلها، حيث تجد في مكتبه غرفة مراقبة مزودة بكاميرات لكامل المدرسة، وهذا ما يشعرني بقيمة الالتزام المفروض عليّ، وكيف يجب أن انظم وقتي وحياتي خارج المدرسة كما تم تنظيمه في داخلها

حيث كانت وما زالت المكان الذي يقدم العلم والمعرفة لطالبيه من أوسع الأبواب، وهذا بحسب رأي الطالب "أصلان ياسر ملحم" لموقع eSyria بتاريخ 10/1/2012 وهو احد الطلاب الملتحقين بالتعليم فيها: «درست في البداية في مدرسة "المتفوقين" نظراً للمدرسين الأكفاء الذين يدرسون فيها، ولكن بعدما سمعت من رفاقي عن طبيعة المدرسين ومدى اهتمامهم بنوعية التدريس في المدرسة، قررت أن التحق بها وأتحصل منها علومي ومعارفي.

السيدة "ناديا ديب"

فتاريخها العريق الممتد إلى غابر الزمان منحها السمعة الجيدة، واستقطبت بذلك أكفأ المدرسين، وهذا كان كفيلاً بالنسبة لي لأن التحق بها».

وعن طريقة تعامل المدرسين والكوادر التعليمية فيها يقول: «نحن في المدرسة نشعر وكأننا أسرة واحدة هدفنا واحد، فالمدير يعاملنا كأبنائه ويتابع أمورنا بأدق تفاصيلها، حيث تجد في مكتبه غرفة مراقبة مزودة بكاميرات لكامل المدرسة، وهذا ما يشعرني بقيمة الالتزام المفروض عليّ، وكيف يجب أن انظم وقتي وحياتي خارج المدرسة كما تم تنظيمه في داخلها».

البناء القديم للمدرسة

وفي لقاء مع الأستاذ "منذر أسطفان" صاحب المدرسة الحالي قال: «في الماضي لم تكن توجد مدارس في "طرطوس" تتابع تدريس الطلاب ما بعد الصف السادس سوى مدرستنا "الأهلية" التي دَرّس فيها والدي مادتي الرياضيات واللغة الفرنسية لعدة سنوات أثناء البعثة العلمانية، ومن ثم استلم إدارة التوجيه فيها، حيث أُطلق عليها اسم مدرسة "اللييك" في تلك الفترة، وهي حالياً بناء كليتي الهندسة التقنية والآداب بجانب البناء الحالي للمدرسة، والتي سمّاها والدي "الثانوية الأهلية الخاصة" بعد أن اشتراها مع شريكه السيد "دعاس بشور" في عام /1953/ من البعثة».

ويتابع: «بدأت المدرسة بثلاث غرف، ثم بست غرف، ثم بثمان، وذلك في منطقة "اللحودية"، بعدها تم شراء مبنى الثانوية المعروف على كورنيش البحر، وظلت فيه إلى أن تم استملاك العقار عام /1983/، فانتقلت الثانوية إلى المبنى المجاور الذي كان منزلاً لنا، وهنا أطلق عليها اسم "الثانوية الأهلية الخاصة"، وكان من أبرز من درس فيها الشيخ الفاضل "عبد الستار السيد" لمادتي اللغة العربية والإسلامية، والدكتور "إبراهيم يازجي"، حيث ما تزال المدرسة قائمة بأعمالها التعليمية حتى وقتنا الحالي مع تجديد في الطلاء الخارجي وبعض البنى التحتية الداخلية».

السيدة "منذر أسطفان"

ف"الكلية الوطنية بطرطوس" لم تكن يوماً مجرد اسم تداوله الطرطوسيون ما قبل ثلاثينيات القرن الماضي، بل كانت منارة تعليمية تقدم العلم والمعرفة، وهنا تقول السيدة "ناديا ديب": «لقد تعددت المواقع التي تمركزت فيها "الكلية الوطنية بطرطوس" منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى الآن، وتغيرت أسماؤها وكوادرها التعليمية، حيث كانت في بداياتها تقدم علومها من الأول الإعدادي وتمنح شهادتها الثانوية كأول مدرسة في المحافظة وكأهم مدرسة في "قضاء اللاذقية"، وذلك عندما كانت المحافظتان قضاءً واحداً، وهذا ضمن عدة غرف متجاورة ومتلاصقة تمركزت بموقعها الأول في منطقة "اللحودية" بالقرب من مركز "الريجة" القديم.

فأنا درست فيها حوالي العامين في أواخر البعثة العلمانية، حيث كانت النواة الأساسية لتحصيل الشهادة الثانوية في "طرطوس" وفق مناهج دراسية اعتمدت على عدة لغات كنوع من التثقيف المضاعف لطالب العلم والتميز، وكان اسمها حينها "الكلية الوطنية بطرطوس" دليل على حجم عطائها العلمي الذي اعتمد على نظام تعليمي "لبناني- فرنسي" يعطي العلوم بثلاث لغات هي العربية والانكليزية والفرنسية، بينما كانت المدرسة الرسمية الحكومية الوحيدة في المحافظة لا تتعدى شهاداتها الصف السادس فقط، وحينها لم يكن يوجد مدرسون مختصون في مجالات التدريس، وإنما كان المدرسون عبارة عن بعض الأطباء للمواد العلمية ممن تخرجوا في دولة مجاورة، إضافة إلى أئمة الجوامع للمواد العربية والإسلامية، وهذا ما أسس لبدء نهضة علمية في المحافظة واستقطاب محبي التحصيل العلمي من كافة المناطق، بعدما كان هذا الدور مقتصر على شيوخ الكتاب أينما وجدوا».

وعن مؤسسي المدرسة ونظامها التعليمي تقول: «بحسب ذاكرتي أعتقد أن المدرسة أسست بين عامي /1918/ و/1920/ على يد الأستاذ "يوسف الباني" الملقب في تلك الفترة ب"المعلم يوسف" وهو من قرية "البساتين" في مدينة "بانياس"، وشريكه الدكتور "قيصر محفوض" وذلك بعد العودة من "لبنان" حيث كان التحصيل العلمي ومن بعده العمل المهني.

لقد كان نظام التعليم في "كلية طرطوس الوطنية" والتي هي عبارة عن مجموعة غرف متجاورة، نظاماً داخلياً مقتصراً على تعليم الذكور فقط، حيث جرت محاولة في إحدى السنوات لاستقطاب الإناث وتدريسهن حتى الصف التاسع، ولكنها لم تنجح بسبب بعض الأوضاع السياسية، وهذا ما يؤكد أن هذه المدرسة لم تكن تقل أهمية عن مكتب "عنبر" في "دمشق".

في تلك الفترة لم يكن يوجد كهرباء وإنما كان الاعتماد في إضاءة المدرسة على المصابيح العاملة على الزيت ومن ثم الكاز، وكان فيها عمال مخصصون لهذه المهمة يعتنون بالمصابيح وينظفونها ويملؤون الفارغ منها».

وتتابع في توضيح فكرة الحصول على الشهادة الثانوية وفق نموذجيها الرائدين في تلك الفترة: «في تلك الفترة كما أذكر كانت تمنح شهادة الثانوية وفق نظامين الأول سوري ويقدم مستحقها الامتحان العام لها في مدينة "دمشق"، والثاني نموذج فرنسي يقدم مستحقها الامتحان العام لها في "بيروت"، إضافة إلى أن الامتحانات كانت على مرحلتين الأولى شفوية والثانية كتابية، حيث إن من ينجح في الامتحان الشفوي يخضع للامتحان الكتابي، ومن لم ينجح فإنه يعاود التقديم مرة أخرى وفقاً لدورة استثنائية يعمل بها في شهر "تشرين الأول"، أي قبل موعد افتتاح دورة تعليمية جديدة.

بقيت المدرسة تقدم خدماتها العلمية حتى تم الانفصال بين الشريكين، حيث باع الدكتور "قيصر محفوض" حصته للبعثة العلمانية الفرنسية وعاد إلى "بيروت"، وهذا ما اضطر "المعلم يوسف" إلى بيع حصته للبعثة أيضاً، وفي تقديري حدث هذا في أواخر الثلاثينيات، لكن هذا لم يثن "المعلم يوسف" عن متابعة مسيرته التعليمية، حيث كان قد بدأ بالتأسيس في أواخر العشرينيات لبناء مدرسة مشابهة ل"الكلية الوطنية بطرطوس" في مدينة "بانياس"».