عقود أربعة قضاها السيد "محمد" في كنف غابة "تلة" يحميها ويقلم أشجارها، ولا يهجرها إلا لإرواء ظمئه من طقوس الدبكة الشعبية التي كان عكيدها وسيد مسارحها بزيه الشعبي التراثي.
إن السيد "محمد علي حسن" المختار السابق لقرية "تلة" التابعة لناحية "برمانة المشائخ" في مدينة "الشيخ بدر" كان بحسب رأي السيد "ماجد عباس" من ضابطة "حراج الشيخ بدر" الحارس الأوفى لغابة "تلة" من خلال كلمته المسموعة ورأيه الراجح في أغلب أمورها، حيث أضاف لمدونة وطن eSyria بتاريخ 28/3/2013: «لي حوالي سبعة عشر عاماً في ضابطة "حراج الشيخ بدر" والمسؤول عن حماية غابة "تلة" التي يجاورها المختار "محمد حسن" في مسكنه من زمن بعيد، وحتى هذه اللحظة وبفضله لم نتقدم بأي ضبط حراجي فيما يخص أي تعدّ عليها، لأنه مدرك لقيمتها المكانية والطبيعية، فهو وكما أعلم تحدث عدة مرات لأبناء قريته عن كيفية حمايتها وتوجيههم للمحافظة عليها، فقد ساهم هذا الرجل بنشر ثقافة حماية الغابة والمحافظة على أشجارها من خلال قيامه في أغلب السنوات بالمشاركة بحملات تقليم أشجارها عبر دائرة الحراج مصطحباً معه أغلب رجالات القرية، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أنه صاحب كلمة لها وقعها على الجميع».
بعد أن أدركت حقيقة هذا الرجل "المختار" لم أخف على الغابة أبداً، وقد تمضي شهور عدة دون أن أمر عليها أو أتفقدها، لأنها بأيدٍ أمينة تحافظ عليها وكأنها ملك لها
ويتابع السيد "ماجد": «بعد أن أدركت حقيقة هذا الرجل "المختار" لم أخف على الغابة أبداً، وقد تمضي شهور عدة دون أن أمر عليها أو أتفقدها، لأنها بأيدٍ أمينة تحافظ عليها وكأنها ملك لها».
السيد "سهيل حسن" من أبناء قرية "تلة" قال عن أهمية وقيمة المختار "محمد" في القرية: «منذ زمن بعيد ونحن نعلم أن المختار "محمد" كانت له يد بيضاء في كثير من الأمور الخدمية للقرية، منها مشروع فتح البئر الارتوازي في أعلى القرية ضمن حرم الغابة، وقد لاقت هذه الفكرة ترحيب ومساعدة جميع أبناء القرية دون استثناء لأن جميعهم يعتمد على الزراعة في عملية الاكتفاء الذاتي والتسويق للأسواق المجاورة. إضافة إلى أنه وبكلمته المسموعة التي لم تلق من يواجهها لأن فيها خيراً للجميع وهذا ما أدركه الأهالي على مدار أربعين عاماً من خدمته كمختار، ساهم بشق وتوسيع شبكة طرق ضمن القرية وربطها مع قرى مجاورة، عبر العمل الشعبي الأهلي حتى مرحلة التزفيت حيث تتولى الدولة هذا الأمر.
وأنا كشاب من أبناء القرية أرى أن هذه الأمور منطقية وتجذب الجميع للمضي قدماً خلف المختار فالرجل يختبر مرة واحدة فقط، وقد نجح المختار منذ مرحلة الشباب وبحسب معلوماتي بجذب الناس إليه ومحبته، لذلك كان أول مختار في المنطقة يختاره الأهالي بإرادتهم، أضف إلى هذا فإنه رجل ذو علاقات قرابة ومصاهرة مع أغلب سكان القرية، فعائلته كبيرة ومتشعبة في القرية وهذا خدمه اجتماعياً».
أما الجدة "أميرة حسن" فأشارت إلى دور المختار في الطقوس الشعبية التراثية حيث قالت: «لقد عرف المختار "محمد" بدبكته وقيادته لمراسح الدبكة الشعبية منذ مراحل الشباب الأولى، وكان ممثل القرية بهذا المجال في مختلف المحافل الرسمية والشعبية كالاحتفالات الوطنية والشعبية والأعراس في القرية والقرى المجاورة، ولم يكن يجاريه أحد بحركاته ورشاقته التي تناسبت مع شخصيته العامة، ولم يتخل عن دوره في هذا المجال التراثي الشعبي حتى بعد أن رشح كمختار للقرية، بل زاد تمثيله للقرية وأصبح أكثر رسمية وعرف بعكيد الدبكة الشعبية وسيد مراسح الأعراس الريفية».
وفي لقاء مع المختار السابق "محمد علي حسن" تحدث بداية عن علاقاته مع أبناء قريته فقال: «قضيت بالمخترة حوالي اثنين وأربعين عاماً بعد أن تم اختياري من قبل أبناء قريتي ورفاقي وشباب القرية، وهذا نتيجة لطبيعة العلاقات الطيبة فيما بيننا، فنحن أبناء مجتمع زراعي بسيط يحب الفرد منا لغيره ما يحب لنفسه. وبالمجمل هذا انعكس على طابعنا التفكيري وأصبحنا ندرك وندرس مختلف أمور القرية واحتياجاتها، والبداية كانت بمشروع شق وتعبيد الطرق الرئيسية والفرعية والزراعية، حيث كنا نجتمع كبارية القرية ونطرح الأفكار ومن أين يمكن أن تمر الطرق بأقل خسائر ممكنة في حقول الميسورين.
ومن ثم طرحت فكرة البحث عن مصدر مائي دائم للقرية لأن جميع الأهالي يزرعون حدائق منزلهم بمختلف الخضار والحشائش الغذائية لزوم الاحتياجات المنزلية، وقررنا حفر بئر ارتوازي واجتمع أهالي القرية للمساعدة والمساهمة كلٌ بحسب طاقته وامكانياته، حتى تم المشروع والحمد لله، حيث قمت بتنظيم لجان إشراف على توزيع المياه لحين تدخل الدولة واحتضان المشروع».
وعن اللباس الشعبي الذي ما يزال المختار "محمد" يلبسه قال: «هذا لباس الأجداد ولن أتخلى عنه أبداً، فهو مناسب جداً لوقار الرجل، وقد كان رفيقي في مسارح الدبكة الشعبية وسيد رشاقتي وحركاتي التراثية، فقد منحني الحرية وأضاف جمالية على عكيد الدبكة كما كنت أعرف في المنطقة، حيث لم يكن يوجد منافس لي في هذا المجال، وكنا عندما نجتمع أنا ورفاقي نبقى ساعات في مسرح دبكة واحد وتبقى الناس تشاهد وتتابع حركاتنا ودبكتنا بكل شوق».
المختار "محمد" من مواليد عام /1932/ وما يزال محافظاً على صحته الجيدة، وهنا يقول: «منذ مرحلة الطفولة وأنا أعتمد على الطعام الطبيعي مئة بالمئة المنتج محلياً في المنزل والقرية كالحليب ومشتقاته والتين بصناعاته التراثية المتنوعة مثل "هبول التين" والتين السمطوح، حيث أتناولها منذ الصباح الباكر وأقصد الحقل للعمل به، فتمنحني الطاقة اللازمة».
ويضيف المختار "محمد": «كنت صاحب نفوذ جيد في القرية والقرى المجاورة نسبة لقوة عائلتنا وتعدادها السكاني، فأعمامي مثلاً ثمانية شباب، وكذلك أولادهم وأبنائي وهم منتشرون في أغلب عائلات القرية ضمن علاقات الزواج والمصاهرة، وهذا جعل من القرية منزلاً واحداً أنا كبيره، ولكن هذا لم يدفعني للغرور أو التعامل مع الناس بعنجهية وقوة لأن الجميع أسرتي، وكان أساس تعاملي معهم الإنسانية لأن من ليس فيه خير لأبنائه فليس فيه خير لنفسه».
ويختم المختار حديثه: «منذ فترة قصيرة عندما ارتأيت أنه لا يمكنني الاستمرار في عمل المخترة بسبب تقدم العمر قررت التنحي وتسليم مهامها لغيري، وهذه سابقة لم يقم بها مختار قبلي على حد علمي».
