تعلمت لغة الاختزال إشباعاً لرغبتها بالتميز وعملت مترجمة في الشركة العراقية للنفط، وأسست جمعية خيرية كمشروع تواصل اجتماعي لخريف العمر.
حيث إن التميز الذي حققته السيدة "ناديا ديب" منذ بداية حياتها العلمية والعملية دفعها للكثير من التواصل في مختلف المجالات لكسب المزيد من الثقافة والعلوم المختلفة، وكان منها دراستها للغة الاختزال في "لبنان" ومن ثم العمل سكرتيرة ومترجمة في "الشركة العراقية" للنفط، وهنا تقول السيدة "ناديا" خلال لقائها موقع eSyria بتاريخ 5/12/2011: «بعد حصولي على الثانوية في عام /1938/ وشعوري بالفخر لكوني أول سيدة تحصل عليها في مدينة "بانياس" قررت التقدم لطلب العمل كمدرسة في المدرسة التي تخرجت فيها وهي مدرسة "دار الكرمل"، وبعد قبولي للتدريس درست حوالي عامين متتاليين فقط حيث أغلقت المدرسة، فلم يتوقف طموحي هنا وقررت متابعة تحصيلي العلمي والذهاب إلى "مصر" للحصول على "لسنس باللغة الفرنسية" التي أتقنتها جيداً وأحببتها في مدرسة "دار الكرمل" حيث كان المنهاج يقدم بأربع لغات مختلفة هي الفرنسية والعربية والإنكليزية واللاتينية، ولكن بسبب سوء الأوضاع السياسية والحرب العالمية منع السفر إلى "مصر" وهنا مات حلمي في متابعة التحصيل العلمي.
السيدة "ناديا" عرفت بالتصميم والطموح والشخصية القوية وقدرتها على التحدي، وهذا ما دفع ببيئتها الاجتماعية المنفتحة على العلم والثقافة وبالأخص أسرتها وأقاربها المقربين إلى تلبية طلبها في التعلم والتحصيل العلمي ومتابعة مشوارها في التثقيف الذاتي والعمل خارج المدينة والبلد حتى. إن تميزها في الحصول على الثانوية كأول سيدة في مدينة "بانياس" أعطاها قيمة مضافة فتحت أمامها أبواب العمل في أفضل المراكز والجامعات في تلك الأوقات، وهذا انعكس على بناء وصقل شخصيتها الثقافية والروحية ودفعها للمزيد من التميز العلمي فتعلمت لغة من الصعب التفكير بتعلمها وهي لغة الاختزال، ونجحت إثرها في العمل كأول سكرتيرة
ولكن هذا لم يثبط من عزيمتي فذهبت إلى "دار الراهبات" في "لبنان" وبدأ هناك مشواري التدريسي المتواصل لست سنوات، وطلب مني أيضاً التدريس في كلية "الأمريكان" للبنات في "طرابلس" فقبلت ودرست هناك اللغة الفرنسية، وخلال الفترة ذاتها تعلمت تقنيات ومهارات لغة الاختزال التي أذهلتني بقدراتها وإمكانياتها، وذلك على يد الدكتور "شماس" أحد مدرسي الجامعة، حيث كان متقناً تماماً لهذه اللغة التي اعتبرت مهنة من النادر تعلمها أو طلب تعلمها، لأنها تعتمد على كتابة الكلمات برموز محددة وفق قواعد مخصصة، وهذا لإنتاج تقارير سريعة في زمن قياسي».
إن قوة شخصيتها وتعلقها بالعمل المتواصل والمتجدد جعلها تتقدم لمسابقة توظيف سكرتيرات في شركة النفط العراقية العاملة حديثاً في "سورية" في تلك الأثناء، وهنا تقول السيدة "ناديا": «بعد دخول شركة النفط العراقية إلى مدينة "بانياس" وبدء عملها في الاستثمارات النفطية احتاجت إلى كوادر عمل متخصصة في مجالات متعددة منها السكرتارية وإتقان عدة لغات منها لغة الاختزال، وكنت الوحيدة التي تقدمت وحققت هذه الشروط على مستوى "قضا اللاذقية" بالكامل، وبعد فترة من العمل طلب مني تنمية قدراتي ومهاراتي في الاختزال والضرب على الآلة الكاتبة وأرسلت بعثة إلى "لندن" وقضيت فيها أوقات دراسية ممتعة، وبعدها عدت إلى عملي في الشركة وبقيت فيها حتى التقاعد.
ولكن هذا لم يجعلني أتوقف عن متابعة حياتي كما أحبها وأتمناها في مجال الثقافة، فبدأت بتفريغ شحنات أفكاري وعواطفي الجياشة المتمردة على السطوح البيضاء ومزج العديد من الألوان المائية والزيتية بغية الوصول إلى الفكرة المطلوبة بطريقة صحيحة وسليمة أقرب إلى الحرفية، وقد نجحت في هذا ولوحاتي شاهد عليَ، وما ساعدني في ذلك المخزون الثقافي الذي أمتلكه والنماذج الاجتماعية التي تعاملت معها والتجربة التي بدأت باكراً واستمرت بشكل بسيط حتى التقاعد».
وبالعودة إلى بدايات حياتها الأسرية وكيف ساهمت في نشأتها الثقافية والعلمية، ومن ثم تأسيس مشروع لخريف العمر، أكدت السيدة "ناديا" أن التحرر الذهني والثقافي في مجتمعها الصغير كان سبباً لما هي عليه الآن، وتضيف: «كنت صغيرة عندما عاد والدي من غربته في "البرازيل" وعشنا في مدينة "بانياس" فترة جيدة من الزمن، ولكن الغربة لم تفارقني حيث أرسلني والدي في سن التاسعة إلى مدينة "اللاذقية" للتحصيل العلمي نتيجة للانفتاح والإنسانية والثقافة الغربية التي حصل عليها، مترافقاً مع طلب وإلحاح مكثف مني، كسراً للقيود والعادات المتوارثة في هذا المجتمع، فكانت مدرسة الأخوات الراهبات "دار الكرمل" الوحيدة في ما كان يسمى سابقة "قضا اللاذقية" أي كانت محافظتا "طرطوس" و"اللاذقية" قضاء واحداً، التي تقدم خدماتها التعليمية حتى الثانوية، على عكس المدارس الحكومية الرسمية التي كانت تتوقف عن التعليم عند الصف السادس فقط.
قضيت حوالي عشر سنوات في مدرسة "دار الكرمل" وخلالها رافقتني ثماني فتيات حتى الصف السادس فقط حيث غادرتنا رفيقتان وبقينا ست رفيقات حتى حصلنا على الثانوية عام /1938/، ومازلت أذكر بعضاً من أسمائهن وهن السيدة "صبيحة الشيخ إبراهيم" والسيدة "هند عجان" والسيدة "نعمة ضياء الدين" والسيدة "فلورانس حداد".
وخلال فترة التحصيل العلمي تعلمت الكثير من الحرف اليدوية في الدار ووجدت فيها مشروعاً لخريف العمر، حيث ساهمت في تأسيس جمعية خيرية تحت اسم "جمعية بانياس الخيرية" تضم مختلف أطياف المجتمع وتهدف إلى تقديم المعونة الاجتماعية والنصيحة العملية التي تساعد سيدة المنزل على تأمين لقمة عيشها، فنحيك الملابس في الجمعية ونقدمها للفقراء والمحتاجين، ونعلم طريقة الحياكة للسيدات الراغبات بذلك، إضافة إلى بقية الحرف اليدوية الأخرى».
وفي لقاء مع الدكتور "أنطون الياس محفوض" أحد أقرباء السيدة "ناديا" قال: «السيدة "ناديا" عرفت بالتصميم والطموح والشخصية القوية وقدرتها على التحدي، وهذا ما دفع ببيئتها الاجتماعية المنفتحة على العلم والثقافة وبالأخص أسرتها وأقاربها المقربين إلى تلبية طلبها في التعلم والتحصيل العلمي ومتابعة مشوارها في التثقيف الذاتي والعمل خارج المدينة والبلد حتى.
إن تميزها في الحصول على الثانوية كأول سيدة في مدينة "بانياس" أعطاها قيمة مضافة فتحت أمامها أبواب العمل في أفضل المراكز والجامعات في تلك الأوقات، وهذا انعكس على بناء وصقل شخصيتها الثقافية والروحية ودفعها للمزيد من التميز العلمي فتعلمت لغة من الصعب التفكير بتعلمها وهي لغة الاختزال، ونجحت إثرها في العمل كأول سكرتيرة».
يشار إلى أن السيدة "ناديا ديب" من مواليد عام /1920/ وهي من قرية "البساتين" التابعة لمدينة "بانياس" وتقطن حالياً في المدينة وما تزال تتمتع بصحة جيدة حتى الآن.
