امتلك الموهبة الزجلية في سن الثلاثين، فانطلقت منه كطفلة شعرية إبداعية معبرة عن مجتمعه الريفي كربان سفينة يمسك بيده دفتها.
فالزجال "علي يونس يوسف" من أبناء قرية "بريصين" التابعة لمدينة "الشيخ بدر" ذو التسعين عاماً ما زال يتمتع بموهبته الشعرية بطريقتها المحكية الزجلية، وكأنه موسوعة من القصص والطقوس والعادات الريفية، وهنا يقول لموقع eSyria بتاريخ 8/12/2011: «الشعر لا يحتاج إلى شهادة علمية وإنما يحتاج إلى موهبة شعرية تنبع من داخل الشاعر ويختص بها لذاته ويستخدمها في حياته الاجتماعية وضمن أدواته اليومية، وأنا امتلكت هذه الموهبة التي اعترف أنها خلقت معي ونمت في داخلي وما أدركتها إلى في ريعان الشباب في خمسينيات القرن الماضي حيث كان عمري حينها ثلاثين عاماً تقريباً، وكنت شاعر الفلاح أي شاعر مرحلة يمر بها الإنسان، وأنا إنسان فلاح وكنت بحالة فقر مدقع فالمعاناة هي من أظهر لدي ملكاتي الداخلية، وبدأت الزجل الارتجالي وهو كما يقال ضرب من ضروب الشعر، فهو فوق اللغة المحكية ودون الشعر الفصيح».
الزجل لا يخضع للكسرة والفتحة وإنما يخضع لما يقوله الزجال الحر ليشعره بالحرية، فزبدة فكرتي ما يخرج من فمي خلال ثانية واحده أكون قد تعايشت فيها مع الفترة أو المرحلة، لتنطلق بعدها الكلمات
في الخمسينيات واجهت قريته عدة مشاكل، فما كان من الزجال "علي" إلا أن وظف كلماته لتكون الرقيب والمحفز والمحاسب لكل مسؤول، حيث قال: «كنا نعاني من مشكلة الطريق الواصل بين "الشيخ بدر" و"طرطوس" وكان غير معبد أو كما يعرف بطريق شريّك أو قشق شقه الأهالي بجهودهم الشخصية، وطالبنا به كثيراً وأنجزنا جزءاً كبيراً منه بالعمل الشعبي الأهلي، ومع هذا دفعنا ضرائب عليه في العهد الفرنسي، وهذا حفز داخلي أشياء كثيرة تأججت في إحدى المناسبات الوطنية وانطلق لساني يتحدث عنها وهنا قلت:
"بحضي مشان هالطريق/ حكينا حتى جمد الريق/ ولا في نائب إلا يقول/ انتخبوني وشوفوا التحقيق/ وبالتالي يطلع دجال/ ولما يوصل على الكرسي/ يدبر لحاله تكسي/ من المرجة على الهافانات/ ومن القوتلي للقدسي/ وروح شوفو كنك رجال".
ولم يكن هذا كل شيء فكنت اشعر بحالة من التدفق يغزو أفكاري في حين تتأجج مشاعري فتنتابني موجات كلامية تتحرك وفقاً للمرحلة والزمن المناسبين، ففي زمن الوحدة مع جمهورية "مصر" تغنيت بها كثيراً، وبعد انتهاء الوحدة انتهت مشاعري تجاهها، فالكلمات الزجلية مرتبطة بالبيئة، وبقدر ما يستطيع الزجال تصوير البيئة التي يعيش فيها يحصل على رضا الجمهور، لأن هذه الكلمات أقرب إليه من الشعر الفصيح. ففي إحدى المرات تغنيت بالبيئة خلال ذهابي إلى وظيفتي، حيث مررت بجانب "نبع ماء" في القرية ورأيت كيف تنساب المياه رقراقة منه وتداعب الأزهار والأعشاب من حولها وأصوات العصافير تملأ كبد السماء، وهنا قلت ولأول مرة ضمن أبيات شعرية:
طل الصباح وصبح العصفور/ الحورا الكبيرة الفايقة بكير
تا تقطف من الشمس أحلى نور/ تا تلبسو في عرس العصافير
بسمع حفيفا والهواء يثور/ تلفو بعبا تكررو تكرير/ تختال قلبي تغمز التنور
ومرة شمال تسلم على البير/ الدوري عليها بفرحتو مغمور/ ما دام شايفا متطير.
لم تقتصر حفلاته الزجلية على المناسبات الوطنية والقومية بل توجتها الجلسات الزجلية الخاصة بحضور الشعراء والمهتمين الشخصيين بالزجل والشعر المحكي، ويصف هذا بقوله: «أقمت الكثير من جلسات الزجل في المراكز الثقافية والمناسبات والسهرات الشخصية، وعشت مرحلة سجال مع زجالين كثر منهم الزجال "حسن سلامة"، حيث كنا نتزاجل كندين دون أن نلتقي وجهاً لوجه، وذلك عبر وسيط يمر على كلينا وينقل ما يقوله كلٌ منا للآخر بطريقة تحفيزية ندية، ومما أرسلت له:
عشقت الفن من أول صبايي/ ابن عشرين سجلت البدايي/ وبالثمانين ما رسمت النهايي/ بل جددت أنماط الطريقة
معاشرة الكرام وكل راقي/ بفنو يزيد من طيبة مراقي/ يشحذ خاطري يحلي مذاقي/ والقصيدة تحن لي مثل العشيقة».
ولكن كما يقول الزجال "علي" أجمل ما زجل به كانت عدة كلمات تدفقت منه خلال زيارته لوالدته البالغة من العمر /113/ عاماً بمناسبة عيد الأم حيث قال لها: «بعيد الأم نادتني العواطف/ أمك ثم أمك لا تخالف/ كنا طيبة أطلب رضاها/ وببوسة أيدها طهر فمك
وكنها ميتة بأغلى المواقف/ صلي ع الضريح وكون عاكف/ إذا من خالق الإنسان خايف/ تضرع وادعُها بزول همك
لهزت لك سريرك بالطفولة/ كل يوم بوس أيدها ع القليلة/ وقل لها ميمتي دخلك دعيلي/ دعاها يصبلك بلسم بدمك
إذا صبت رضاها ع حياتك/ بتنعم بالهنا حتى وفاتك/ ولو ميت نطق قالت رفاتك/ مفتاح القلوب بأيد أمك».
وعن بعض تفاصيل مشوار حياته يقول السيد "علي": «كنت أزرع الأرض مع زوجتي لأعلم أولادي من تعبي وحلالي، وكنا ننتظر الموسم حتى نفي ديوننا وأدفع أقساط الجامعة لأولادي، ولكن في فترة متقدمة من العمر عام /1952/ سعيت خلف وظيفة لأتابع في تعليم أولادي إلى جانب عملي بالحقل، وحينها قبلت بوظيفة مستخدم في مدرسة القرية، ومن فضل الله والمال الخير أتممت ما حلمت به، فأولادي الثمانية جامعيين ومنهم من تابع وحصل على الدكتوراه في اختصاصه، وهذا ما يشعرني بالراحة النفسية والرضا عن حياتي».
ويختم حديثه بتوضيح: «الزجل لا يخضع للكسرة والفتحة وإنما يخضع لما يقوله الزجال الحر ليشعره بالحرية، فزبدة فكرتي ما يخرج من فمي خلال ثانية واحده أكون قد تعايشت فيها مع الفترة أو المرحلة، لتنطلق بعدها الكلمات».
في لقاء مع الزجال "حسن سلامة" قال: «لقد تمكن الزجال "علي" من توصيف البيئة والتراث بطريقة مدهشة وجاذبة للمتلقي بشكل عام، وهذا ما أثبت به أنه زجال البيئة والمرحلة السريعة التي يمكن أن يمر بها فيتفاعل معها بكل حرفية، حيث يمكنني هنا الاعتراف بأنه كان نداً قوياً لي خلال رسالاتنا الزجلية فيما بيننا».
