كالقابض على الجمر.. هي أحاسيس من يدخل إلى حجراتها منازلها المهدمة، وكأن التاريخ وقف عند نهاية القرن الرابع، منتظراً من يأتي لينفض الغبار عن زمن ليس له قرار.
بمزيد من الحسرة على كل السطوح الهابطة، يقابلك الناس هناك بحسرة من لم يجدوا حلاً مرضياً لكل ذلك، فلا هم قادرون على ترميمها من جديد، أو السكن فيها لافتقارها لأبسط المعايير الصحية التي لا تسمح دائرة الآثار بقيامها، ولا هذه الدائرة قادرة على استملاكها وترميمها.
إن الأهمية الدينية للقرية معروفة على مدى العصور التي سادت هناك، ولن أزيد على الدكتور "أوعساف" بشيء، غير أن الوضع القائم بكل تفاصيله غير مرض بالتأكيد، ولكن قدرتنا على العمل محكومة بالمال الشحيح الذي يرفد لنا، وسورية بشكل عام ملأى بالآثار العريقة، وهي تحتاج لجهود جبارة للمحافظة عليها، ونحن نحاول في دائرتنا العمل ضمن خطط مدروسة على مواقع أكثر أهمية، وفي حال الانتهاء ننتقل إلى الباقي
يقول الأستاذ "غاوي عامر" المدرس السابق في قرية "الهيت" لموقع eSuweda يوم الخميس الواقع في 11/2/2010 عن قصة قريته الأثرية: «هي قصة أغلب القرى في ريف المحافظة، وتتميز "الهيت" بوجود الكنائس والقيصريات التي تعود إلى أكثر من ألفي عام، والبيوت الرومانية والنبطية المتعددة التي تعد أكثر من خمسين بيتاً، والتي تتميز بالقناطر التي لن تجد أبدع من تكويناتها في أي مكان زرته من قبل، والشيء الذي لن يغير قناعاتك عما تعرضت له من إهمال ونسيان وجود قنطرة على سطح الأرض، وهو الدليل على وجود أكثر من طابق تحت الأرض، ونحن هنا أمام حالة لا نحسد عليها أبداً!. فمن جهة نعرف القيمة الحقيقية لآثار "الهيت" من حيث موقعها الديني على مر العصور، ومن جهة أخرى نحن عاجزون عن البقاء في بيوتنا الأثرية لأن الترميم فيها يحتاج إلى أموال كثيرة، ولا يمكن أن نعمل ولو مطبخاً صغيراً إذا أردنا التحسين فيها، ولذلك تركناها هكذا مهملة ودون أي حراسة».
الدكتور "علي أبو عساف" مدير الآثار والمتاحف سابقاً، والمشرف على عدد من البعثات الأثرية، قال لموقع eSuweda عن آثار قرية "الهيت" التي تبعد عن مدينة "شهبا" 13 كم إلى الشرق: «هي "إيتا" القديمة، أو الأرض المنخفضة، وهي تعد من أهم القرى في المنطقة، ولأهميتها سميت قيصرية "سيزاريا" وأهم ما يميزها البيوت القديمة من العصور المختلفة التي مرت عليها، وكنيسة القديس "سركيس" التي بنيت في العام 354، وقد تم العثور على دلائل تشير إلى وجود أعمال تحديد وتحرير لأراضي "الهيت" وما حولها منذ عهود ما قبل الرومان، كما برهنت على ذلك "نقوش وكتابات مكتشفة في المنطقة سابقاً، وخاصة فيها حيث كانت إحدى نماذج المدن ذات الطابع الإغريقي- الروماني في نهاية القرن الأول قبل الميلاد، وبداية القرن الأول الميلادي، وكانت هناك حقائق تشير إلى وجود بنى أساسية أصلية أكثر قدماً في حوران كما أكدتها النقوش السابقة التي ذكرناها، ومنها نقش كتابي مكتشف في "الهيت" يحفظ لنا ذكرى أحد المواطنين الذي يحمل اسم "الحارث" الذي كان قائداً لكتيبة فرسان رومانية، وأسندت إليه مهمة تتعلق بالبدو الرحل، ويرجح أنها المهمة التي أطلق عليها اسم "ستراتيغوس نومادون" والوثيقة المذكورة هذه تشير بوضوح أن هذا الاسم هو مواطن بدوي يتولى عملياً منصب الشيخ التقليدي في القبيلة، ويتمتع من ناحية أخرى بالسلطة التي أسندت إليه من قبل الإدارة الرومانية، وذلك من أجل استتباب الأمن في أوساط القبيلة وأطراف الصحراء، وهذا النظام المتميز بدأ يكرس ابتداء من القرن الثاني الميلادي، وهو يبرهن بشكل جيد على تمفصل السلطة المركزية مع البنى السياسية المحلية منذ القرن الأول ق.م، وهذا ما أشار إليه عالم اللغة "وادنغتون" في ترجمة إحدى كتاباته اليونانية إلى أن "الهيت" قد تبوّأت مركزاً عسكرياً هاماً في المنطقة خلال العصرين الروماني والبيزنطي».
أما بالنسبة للديانة التي سادت في قرية "الهيت" فيقول الخوري "عطا جبيل" راعي الكنيسة فيها: «هذه القرية حسب ما تقول كتب التاريخ دينية بامتياز، وبحسب الدكتور "علي أبو عساف" الذي وثق في مراجعه الكثيرة للمنطقة، فقد عبد السكان في العصر الروماني في "الهيت" وباقي المواقع في الجبل آلهة عربية شرقية يونانية ورومانية، وقد دلّ على ذلك وجود بعض الكتابات اليونانية التي عثر عليها في قرية "الهيت" والعديد من المدن والقرى المجاورة وأهم هذه الكتابات: كتابة يونانية تشير إلى بناء معبد وثني، وكتابة يونانية تذكر إهداء مقدمة إلى معبد للإله "بعل شامين" رب السموات، بالإضافة إلى كتابة يونانية مكونة من ثلاثة أسطر وأخرى من سبعة أسطر، تذكر تقديم إهداء إلى الإله "زوس" أو "بعل شامين"، وأيضاً هناك كتابة يونانية تذكر إهداء إلى معبد البطل الأسطوري هرقليس، وبالنسبة إلى آثار العصر البيزنطي يتابع قائلا: «لقد كان لبلدة "الهيت" أهمية كبرى، فقد تبوأت مكانة مرموقة ومركز صدارة خلال العصر البيزنطي، حيث تعددت فيها "المنازل الفخمة" ذات الطراز المعماري المتميز والتي لا تزال آثارها ماثلة حتى يومنا هذا في أرجاء البلدة القديمة، وتشهد على عظمة ما صنعه الأجداد، كما تم تشييد كنائس هامة ودير رهباني فيها، تدلنا على ذلك أطلالها الباقية أو الكتابات الشاهدة على وجودها، وكان للهيت منذ القرن الرابع الميلادي ما يسمى بـهيرارخية أي "النظام الكنسي" الذي يتكون حسبما ورد ضمن كتابة يونانية مسيحية من كاهنين أحدهما بمرتبة "أرشمندريت"، يرأس كنيستها ويرشد مؤمنيها، وشماسَيْن إنجيليين وإيكونوموس، كما عثر في "الهيت" على عدة مبان وكتابات وزخارف من العصر البيزنطي أهمها: دار معمودية مكرسة للقديس "سرجيوس" الشهيد، يعود تاريخها إلى عام 354 ميلادي، وكنيسة مشيدة تكريماً للقديس الشهيد "جاورجيوس"، يعود تاريخ بنائها إلى القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وقد عثر أيضاً على كتابة يونانية مسيحية تقول بعد ترجمتها: في عهد الكاهن "مكسيموس"، و"كيرياكوس" الشماس الكلي التقى وبقية الإخوة وقد بُلطت أرضية هذه الكنيسة المقدسة بعهده».
يبقى أن نذكر ما أكده المهندس "وسيم الشعراني" مدير دائرة الآثار والمتاحف في "السويداء" في حديثه عن قرية "الهيت" عندما أكد: «إن الأهمية الدينية للقرية معروفة على مدى العصور التي سادت هناك، ولن أزيد على الدكتور "أوعساف" بشيء، غير أن الوضع القائم بكل تفاصيله غير مرض بالتأكيد، ولكن قدرتنا على العمل محكومة بالمال الشحيح الذي يرفد لنا، وسورية بشكل عام ملأى بالآثار العريقة، وهي تحتاج لجهود جبارة للمحافظة عليها، ونحن نحاول في دائرتنا العمل ضمن خطط مدروسة على مواقع أكثر أهمية، وفي حال الانتهاء ننتقل إلى الباقي».
