قلائل من النسوة من يملكن صفاتها وصلابتها، هي امرأة استطاعت بكفاحها وبسالتها تحدي الفقر والقهر والعمل بأعمال شاقة لا يقوى على أدائها الرجال، لتربي ثمانية أولاد تركهم القدر أمانة بين يديها بعد وفاة زوجها.
السيدة "فهدي حسن العيد" الملقبة بأم منير، هي أمهر من صنع الخبز العربي والمغربية في مدينة "صلخد"، تجاوزت الرابعة والسبعين من عمرها، ولا تزال تعمل وتنتج لتثبت لكل من يتعرف عليها أن الإرادة الصلبة تصنع المعجزات، موقع eSuweda زار السيدة "أم منير" في منزلها المتواضع في مدينة "صلخد" في محاولة منا لتسليط الضوء على نموذج للمرأة الجبلية المعطاء دائماً، والبداية دائماً مع الذكريات، حيث قالت: «ولدت في بيئة جبلية فقيرة عام 1938م، وكان قوتنا يعتمد على إنتاجنا، كنت أساعد والدي الذي كان يعمل معلم حجر، كنت آنذاك في الرابعة عشرة من عمري عندما كنت أحمّل الحجارة البازلتية على ظهر الجمل، وأنقلها للمكان الذي يريد البناء فيه، تزوجت بعدها وأنجبت ثمانية أولاد وكنت أعمل وأساعد زوجي، إلا أنني وبعد وفاته وجدت أن العبء يقع على كاهلي وحدي، وكنت لا أملك شيئاً باستثناء منزلي وقوتي، وكان لابد من تأمين مستلزمات البيت الأساسية».
أمي إنسانة عظيمة، كريمة ومعطاء وحنون، جهدت في تربيتنا وتعليمنا ولم تطلب منا أي مساعدة حتى اليوم، تعلمنا منها الجلد والصبر والقدرة على التحمل، كانت تعطينا إيماناً دائماً بالمستقبل، قد أتحدث عنها وعن صفاتها صفحات، ومع ذلك أعلم أني لن أفيها حقها، أتمنى لها الصحة والعمر المديد
السيدة "أم منير" عملت في أعمال شاقة، كنا قد اعتدنا عليها بأنها من اختصاص الرجال، ولكن للضرورة أحكامها، عن هذا الأمر تحدثت: «فكرت بالعمل الذي يمكنه أن يؤمن لي مردوداً جيداً، فلدي ثمانية أولاد وهم بحاجة إلى قوت وكساء وغيرها، فبدأت العمل بالحراثة، اشتريت عوداً للحراثة وبدأت أحرث أراضي "صلخد"، صحيح أن العمل كان شاقاً علي في البداية إلا أني جاهدت لتعويد نفسي عليه، أذكر أن أطفالي كانوا يبكون وهم صغاراً من ثقل العود عندما أطلب منهم مساعدتي على حمله، والحراثة كانت تتم في مواسم معينة أما في الأوقات الأخرى فعملت بمهنة طيان لمنازل الحجر، وفي المساء كنت أصنع الخوابي التي كانت قديماً مخصصة لمياه الشرب، بالإضافة إلى الحصاد والعمل في التنجيد، فقط كنت أريد عملاً يدر علي مالاً لأعيل أسرتي، سبع وعشرون عاماً قضيتها في حراثة الأراضي منها ثلاثة عشر عاماً في صنع الخوابي».
العمل الشاق لم يمنع السيدة "أم منير" من ممارسة هوايتها المفضلة، وعنها أضافت: «على الرغم من عملي الصعب والشاق، إلا أني كنت أسترق الوقت للتجول بين أحضان الطبيعة وجمع النباتات الطبية والغذائية وغيرها مما تنتجه الطبيعة، كان لهذا الأمر صدى جميل في نفسي، إضافة إلى كونها رياضة مفيدة تقوي الجسد، إلا أني وبعد تجاوزي الخمسين من عمري انقطعت عن المشي والتجول كما كنت في السابق، وأولادي كبروا ومنعوني من العمل في الأرض، ولكنني معتادة على العمل وأشعر بأن اليوم الذي أمكث فيه دون عمل، يوم طويل وممل، لذا اخترت العمل في منزلي، خصصت قسماً من المنزل لصنع الخبز العربي، في البداية كنت أخبز للجيران والأقارب، ورويداً رويداً اشتهر خبزي وأصبحت تأتيني طلبات من القرى المجاورة لمدينة "صلخد"، إضافة إلى طلبات الأفراح، بقيت في هذا العمل عشر سنوات، إلى أن اتجهت لصناعة المغربية والتي هي أسهل بعض الشيء من صناعة الخبز نظراً لتقدمي بالسن وسوء صحتي بعض الشيء، قد أسأل لماذا لا أترك العمل، والحمد لله أولادي كبروا وأصبحوا منتجين وقادرين على إعالتي؟ إلا أنني لم أستطع، حاولت ولم أنجح، فالعمل بالنسبة لي حياة وصحة، عندما أتركه أشعر بالوهن والمرض، وأحمد الله على الصحة دائماً».
السيدة "عائدة عبيد" الابنة الصغرى للسيدة "أم منير" وتعمل ممرضة في مشفى "صلخد" قالت: «أمي إنسانة عظيمة، كريمة ومعطاء وحنون، جهدت في تربيتنا وتعليمنا ولم تطلب منا أي مساعدة حتى اليوم، تعلمنا منها الجلد والصبر والقدرة على التحمل، كانت تعطينا إيماناً دائماً بالمستقبل، قد أتحدث عنها وعن صفاتها صفحات، ومع ذلك أعلم أني لن أفيها حقها، أتمنى لها الصحة والعمر المديد».
