يعتبر النقاد النص الأدبي الذي لا يخضع للنقد ليس نصاً إبداعياً، والقراءة النقدية تمتاز عن مثيلاتها في العلوم الأخرى بأنها تحمل وجوهاً وآراء مختلفة ومؤتلفة لعمل أدبي واحد بذائقة أدبية متساوية في الحكم متفاوتة بالرؤية.

يمكن قراءة رواية "زغرودة لموت الدومري" للروائي "جميل شقير" عضو اتحاد الكتاب العرب، بشكل منفصل لأنها تشكل بنية روائية مكتملة إلا أن من اطلع على سابقتها "التجديف في الوحل" لا يستطيع إلا أن يقارن بين الروايتين مع الاعتراف بأن مثل هذه المقارنة تحمل ظلماً للعملين، الحديث كان للناقد الدكتور "عاطف البطرس" عضو جمعية النقد في اتحاد الكتاب العرب لموقع eSuweda بتاريخ 7/1/2012 وتابع بالقول: «داعي المقارنة هو اشتراك بعض الشخصيات في العملين منها على سبيل المثال شخصية الضابط "مطاوع الهواش" التي احتلت حيزاً طفيفاً من سواد الرواية لكنها كانت ذات تأثير كبير في فضائها الدلالي فهي أساس مشكلة "صفية وزمرد" بطلة الرواية، خطيبة "مطاوع الهواش" التي تركها وعشق والدتها "صفية"، تعتبر هذه الرواية "زغرودة لموت الدومري" بشكل ما رواية شخصيات ففيها حشد كبير منها فإذا كانت شخصية "زمرد وحسان وصفية وأبو مروان" شخصيات رئيسية ففيها فيض من الشخصيات الثانوية التي لم تضف قيمة دلالية كبيرة للشخصيات الرئيسية ولمجمل دلالة العمل الروائي بشكل عام».

الرواية ضعيفة الجاذبية على سهولة لغتها، فيما يدعو إلى الدهشة

وحول تعدد مستويات اللغة أوضح الناقد "د. عاطف البطرس" بالقول: «تقوم الرواية على عدة مستويات في اللغة، في المستوى البسيط العادي، تجسد في الحوار وكانت اللغة ترتقي بشكل تدريجي في الوصف إلا أن ثمة فارقاً نوعياً يلحظه المتلقي بين اللغة التي كانت "زمرد" تكتب بها مذكراتها وهي لغة دقيقة منضبطة متماسكة أقرب إلى لغة العلم وخاصة التاريخ منها إلى لغة السرد الروائي، والسؤال كيف يتسنى لطالبة بكالوريا أن تكتب بهذه اللغة التي تحتاج إلى ثقافة واسعة وتخصص دقيق، لكن الكاتب قد حل هذه المشكلة بشكل فني عندما لجأ إلى لعبة الحلم والتخييل والاستفادة من الأسطورة، كانت "زمرد" لا تكتب ما شاهدته في حيواتها السابقة وإنما تنكتب به، وهذا يقودنا أيضاً إلى قضية أخرى طرحتها الرواية تتعلق بالمرجعية الفكرية للمؤلف، أو ما يسمى رؤية الكاتب فهو يعتمد على فكرة التقمص ليس بوصفها عقيدة دينية إيمانية مقنعة، وإنما بوصفها طريقة فنية استطاع من خلالها أن يربط حلقات التاريخ المنقطعة في الذاكرة بدءاً من الحضارة السومرية وحتى آخر أحداث العصر، أيضاً قدم الروائي "جميل شقير" في روايته توظيفاً خاصة للجنس وربط هذه الموضوعة بالتطور التاريخي والثقافي والمعرفي للإنسان».

الناقد الدكتور عبد الكريم الحسين

وحول المشاهد النفسية والصور الفنية في الرواية بين الناقد الدكتور "عبد الكريم الحسين" عضو جمعية النقد في اتحاد الكتاب العرب، بالقول: «نبدأ بالعنوان الزغرودة ومواقعها في حياة أبناء البوادي والقرى العربية، في الفرح كالأعراس، وفي الحزن إذا مات رجل عظيم، وفي مواقف الشماتة، ومواقف عودة المنتصرين أو الغائبين، ونجاح الناجحين، والزغرودة في جمهرة اللغة "هدير الجمل الفحل"، يسمعه القريب منه ولا يسمعه البعيد، اختيار لفظ الزغرودة فيه تحرر من مفهوم الزمن الماضي أو المستقبل، لكنه محير، هل يجلّ الزغرودة؟ أو أن الزغرودة أو الصورة السمعية مطلوبة فرحاً بموت الدومري؟، وهو موت الرقيب الاجتماعي، وانطلاق النفس في الأحلام والشعر والغيبوبة وإبداع القصيدة، ومن أنواع الصور والمشاهد، الصور الأدبية الوصفية موج البحر وهو يغسل ثغر مدينة صيدا، والصورة الشعرية في الشعر "ليتني يا بحر مثلك"، والثالثة النابعة من عالم الغيبوبة الأولى والثانية، وصور ومشاهد في الأحلام التي تظهر البعد الحضاري الفرعوني والسومري، ننهي المشاهد عند نفق الهبارية واختفاء زمرد، واكتشاف اختفائها في نهاية الرواية. فالرواية قائمة على فهم لطبيعة العمل الروائي "تحليل الشخصيات وتفسير المواقف"، من خلال تبدل مواقع الشخصيات وتغيير الأحوال».

وختم الناقد الدكتور "عبد الكريم الحسين" رأيه بالرواية قائلاً: «الرواية ضعيفة الجاذبية على سهولة لغتها، فيما يدعو إلى الدهشة».

العمل المدروس

وعن السرد الروائي في الرواية بين الناقد الدكتور"ماجد أبو ماضي" أستاذ النحو والصرف في جامعة دمشق بالقول: «لقد بدأ السرد في هذه الرواية بالدخول في الموضوع مباشرة وتحديد المكان والبدء بالحدث الذي أدى بزمرد إلى هذا المكان دون تهيئة والشعور بأن هناك إقحاماً للحدث دون تمهيد والزج بالعديد من الأحداث والشخصيات في الورقتين الأولى والثانية فنجد الشخصيات: "زمرد، الأم، النزيلات، مطاوع، الطبيب، السجان، خالد، رجا العلان، الدكتور حسان"، لقد قسم الروائي روايته إلى عشرين قسماً معتمداً على الحدث وانعطافه وحصول ما هو جديد فيه... كما أنه اعتمد على المكان الجديد الذي ينتقل إليه الحدث في أغلبية أقسام الرواية وكان للمكان في هذه الرواية- كما الشخصية- أهمية خاصة، حيث ترافق تغير المكان مع انعطاف الحدث وحصول ما هو مؤثر في أحداث الرواية، وقد بدأت أغلبية الأقسام وتحدثت عن المكان وتحديده وهذا مؤشر على الاهتمام بالمكان ففي القسم الثاني يبدأ بتحديد المكان وهو مدينة "صيدا"، حيث قال في بدايته: "الموج يغسل ثغر مدينة صيدا، وزوارق الصيادين تطرز ساحلها"، وفي المقطع الثامن نجد الحدث ينتقل إلى "مخيم الرشيدية"، بعد "بيروت"، وفي التاسع الطريق بين "لبنان وحمص" عندما عاد الموشوم ولونا إلى سورية، والعاشر المكان هو المشفى، لقد اتكأ الروائي في سرده على تطور الشخصية وتحولها وتبدلها بما يخدم الحدث في الرواية».

أما عن اللغة السردية فقد أشار الدكتور "ماجد أبو ماضي" بالقول: «إن اللغة السردية التي يختارها الروائي منتقاة ومسخرة لخدمة المعاني والوصف النفسي وردة الفعل من سلوكيات شخصية من الشخصيات وأثرها على الشخصية الأخرى، وفي لغة الوصف نلاحظ أنه يستخدم ألفاظاً تعبر عن الحالة الشعورية التي تمر بها هذه الشخصية أو تلك ففي القسم الثالث يقول: "لقد انتفخت فتحتا أنفه"، ويقول: "أطلق تنهيدة، فرك كفيه ببعضهما" فالأفعال "انتفخت، انتصبت، تهدل، رمى، أخذ، احتضن، أطلق، فرك"، كلها أفعال تشكل الصورة الوصفية الجسدية والنفسية للعم "مروان" عندما دخل البيت وكل هذه الأفعال تشير إلى التوتر والانفعال والقلق الذي وصل به إلى مرحلة الغضب الأمر الذي يدفع القارئ إلى الفضول لمعرفة سبب هذا الانفعال، وما الذي أدى به إلى الوصول إلى هذه الحالة الشعورية المتوترة وهو مشهد الدبابة التي أمر ضابطها أن تمشي على السيارة التي كان سائقها ينزل الزجاج إلكترونياً واستغراب العسكري على الحاجز فسأل السائق عن ذلك فمازحه السائق وقال له: "أقول للزجاج انزل فينزل واطلع فيطلع"، وسماع الضابط للجدال فأمر قائد الدبابة المجاورة أن يطلع فوق السيارة، وقد وقعت على بعض التعبيرات اللغوية التي تحاكي حدثاً معيناً أو تصور موقفاً نفسياً فيقول: "ثم ساورها إحساس مظلي انفتحت مظلته قبيل ارتطامه بالأرض"، ولم يقل في اللحظة الأخيرة من طيرانه فكان التعبير أكثر وقعاً في النفس لأنه يميل إلى التشبيه أولاً ولأنه غير مباشر ثانياً ولأنه غير مطروق ومعهود في التعبيرات اللغوية ثالثاً وأخيراً».

الناقد الدكتور ماجد أبو ماضي

وعن روايته وارتباطها بأعماله أوضح الروائي "جميل شقير" بالقول: «الرواية التي تحمل أوجهاً نقدية يعني العمل بمجمله إشكالية، وروايتي هي ارتباط لعمل روائي لي سابق بعنوان "التجديف في الوحل"، إذ هناك تداخلات بين الشخصيات، ولعل هذا ما يجعل الروائي يتيح لنفسه مساحة أكثر في إظهار جمالية اللغة والشعرية فيها، وما قدم من رؤية نقدية للأساتذة النقاد أصابت عين الحقيقة وهذا ما يجعلني أعمل أكثر في البحث عن مساهمة أدبية ثقافية في إشكالية أدبية روائية».

الجدير بالذكر أن رواية "زغرودة لموت الدومري" للروائي "جميل شقير" هي الثالثة في ترتيبها الزمني، إضافة إلى مجموعتين قصصيتين.