اختلفت النظرة للعمل في موروثنا العربي باختلاف الثقافات والحضارات العربية التي تعاقبت على أرضنا.
وقد تحدث الدكتور "نايف شقير" أستاذ النحو في كلية اللغة العربية في جامعة "عريقة" عن ثقافة العمل في الموروث العربي ضمن بحث حمل عنوان "ثقافة العمل بين الموروث وآفاق التغيير": «يقوم البحث على فرضيتين، تزعم الفرضية الأولى أن ثمة موقفاً في الموروث على تعدد تجلياته يزدري العمل على اختلاف أنواعه ولاسيما العمل اليدوي، والفرضية الثانية ترمي إلى ايجاد أرضية ثقافية واجتماعية تسهم في تجاوز هذا الموقف وتقدم طائفة من الحلول المناسبة تطمح إلى تغيير تلك الثقافة وإصلاحها، وآفاق ذلك التغيير.
ثقافة العمل موضوع هام للغاية، وقد تعرفنا من خلال الدكتور "نايف شقير" على ثقافة العمل في الموروث من خلال محاضرة قدمت في المركز الثقافي، وكانت من أكثر المحاضرات تميزاً، أما الأمر المفاجئ فهو نظرة القدماء لثقافة العمل، وكيف كرس الرسول قيمة العمل كقيمة كبرى في حياتنا اليومية
وسوف نرى أن الموقف المزدري للعمل هو موقف شائع في الثقافات والحضارات القديمة، وليس حكراً على الثقافة العربية، ولكن الفرق بيننا وبين تلك الشعوب التي تجاوزت هذا الموقف السلبي المحتقر للعمل أنها أدركت خطأ موقفها وخطره على وجودها وعدلته في أدبياتها واستطاعت أن تترجم ذلك عملاً في الواقع، في حين بقينا نحن نتخبط بين المواقف النظرية التي تدعو إلى تجاوز الموروث المحتقر للعمل اليدوي والواقع الميداني الذي لم يتغير فيه شيء ذو بال».
بداية البحث كانت بالتعريف بالعمل والموقف منه عبر التاريخ، حيث تابع الدكتور "شقير" بقوله: «يرتبط العمل بوصفه نشاطاً إنسانياً بالنظرة الاجتماعية إليه، ويندمج بالجوانب الثقافية والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع، يتغير بتغيرها وترتكز أخلاقيات العمل أساساًَ على المبادئ السائدة بين الأفراد وتشيع في المهن على اختلافها مواثيق وأعرافاً تضبط العمل وتضبط العلاقة بين أصحاب المهن وأفراد المجتمع المستفيدين من تلك المهن.
العمل ظاهرة مرتبطة منذ القديم بإشباع حاجات الإنسان الضرورية والكمالية، ولكن المجتمعات القديمة كانت تميز بين عمل وآخر، فالإغريق مثلاً كانوا يستهجنون العمل اليدوي، لقد كان "أفلاطون" و"أرسطو" ينظران إلى العمل ويربطانه بالعمل اليدوي، ومن ثم فهو عمل لا يصلح إلا للرعاع والعبيد، وهو مصدر النقص والاضطراب والعبودية والانحطاط، والعمل اليدوي في نظر فلاسفة اليونان يتنافى مع ماهية الإنسان، فهم يعتقدون أن الإنسان حيوان عاقل، ومن ثم تكون الخصوصية الأساسية للإنسان هي التفكير، وهكذا يكون العبد مجرداً من سماته الإنسانية، فأصبح وكما يرى "أرسطو" لا يعدو كونه آلة، لأنه يعوض الآلة التي يحتاجها الإنسان.
والموقف نفسه نجده في حضارات بلاد الرافدين وعند الصينيين والهنود والرومان، وكان "شيشرون" يرى أنه من غير الممكن لأي شيء نبيل أن يخرج من دكان أو ورشة.
ومن العجب أن نجد فيلسوفاً لامعاً في منزلة "نيتشه" يذم العمل والعاملين، وينظر إليهم نظرة ملأى بالاحتقار وهذا يعود إلى نظرة فلاسفة الإغريق، وكان يرى أن الاستغلال أمر طبيعي لأن ارادة القوة كانت دائماً هي المتحكمة في أعناق الناس فالإنسان بطبعه يعمل على هيمنة أخلاق القوة، ومن الطوباوية أن نفكر في مجتمع ينعدم فيه الاستلاب لأن المجتمعات وبرأي "نيتشه" لا يمكن أن تنسلخ عن أشكال الاستغلال.
أما الحرفي فلم يكن من السهل عليه الزواج من بنات الأحرار، لما قد تتعرض له أسر البنات من تعيير وسبة وإهانة بين الناس بتزويجهم ابنة حرة لشخص وضيع مستصغر.
وإن تأملنا هذا الموقف المزدري لأصحاب المهن، فإننا نراه مستغرباً إذ لا يمكن للمجتمع الاستغناء عن عمل أولئك الصناع، بل إن من عاب على أهل المهن اشتغالهم بالحرف اليدوية كان عالة عليهم في أكثر الأمور التي تخص شؤون حياتهم اليومية، فصناع اليمن هم من كان يوفر للعرب السلاح الذي هو أهم ما يحتاجون إليه، كالسيوف والخناجر التي هي عماد المحافظة على حياة الإنسان في البادية، وقد كان للرقيق والموالي أثر كبير في ازدهار أعمال الحرف والزراعة في جزيرة العرب، والموقف من العمل اليدوي وما يتصل به وليد الموروث الثقافي للعرب قبل الإسلام، ولاسيما الشعر والموروث الثقافي يقدم لنا تصوراً للحياة والعالم من وجهة نظر أصحابه، وإننا نجد في ديوان العرب تكراراً لا ينتهي بالثناء على من لا يعمل رجلاً كان أو امرأة، وكان الشعراء إذا أرادوا مديح قوم والثناء عليهم أو التغزل بالنساء صرفوا أنظارهم إلى ترفع أولئك عن العمل اليدوي، بل إن الصورة النمطية للمرأة العربية هي أن تكون عظيمة الوركين لا تقوى على النهوض وحدها بل تحتاج إلى من يساعدها، وإذا مشت كانت مشيتها متمايلة توشك على السقوط لضخامتها، وشبهوا وركيها بكثبان الرمل في قول الشاعر:
"قناة من المران ما فوق حقوها/ وما تحته منها نقا يتقصف"، ومن صور ترف المرأة وترفعها عن العمل قول الشاعر: "ويضحي فتيت المسك فوق فراشها/ نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل"، أي إنها تستيقظ متأخرة لا تبادر إلى العمل فثمة من يقوم بذلك، وقال أحد الشراح: "لم تنتطق" أي تلبس نطاقاً فتعمل وتطوف، فهي مخدمة منعمة تُخدم ولا تخدم، وهذه المواقف ستفاجئ بلا شك أولئك الداعين إلى عمل المرأة وانخراطها في سوق العمل، ولكنها في الوقت نفسه تبصرنا بأحد أسباب عزوف المرأة عن العمل وتكشف تغلغل القيم الجاهلية في عقول الرجال الذين يدعون إلى بقاء المرأة في المنزل لخدمة الرجل.
ومما قيل في تنعم السادة من الرجال وترفعهم عن العمل اليدوي قول الشاعر يصف قوماً بأنهم: "ويلم قوم غدوا عنكم لطيتهم/ لا يكتنون غداة العل والنهل" أي ليسوا برعاة يسقون الإبل، بل لهم من يخدمهم ويكفيهم ويرعى إبلهم.
والبحث في جذر هذا الموقف المزدري للمهن والصناعة عامة، يقودنا إلى إدراك حقيقة ناصعة هي أن القيم الاجتماعية وليدة البيئة أولاً، ثم يتجاوزها الناس بارتقائهم الحضاري، فالصناعة لا تقوم إلا في مكان تتوافر فيه مستلزماتها من أمن واستقرار وحاجة إليها وتوافر المواد الأولية اللازمة، أي بيئة حضرية، أما البادية فالصناعة فيها بسيطة تتناسب مع بساطة ذلك المجتمع البدوي، ولكن عدم الحاجة إلى تلك الصناعة وما تنتجه واحتقار العاملين فيها شاع من الشعر العربي والأمثال المتداولة بين الناس، فاستمر هذا الموقف حتى بعد أن تغيرت أحوال المجتمع وصارت الحياة تستدعي مثل تلك الصناعات.
واستغل اليهود أنفة أهل يثرب والعرب الصرحاء من الاشتغال بالصياغة والحدادة، فاحتكروها لأنفسهم وربحوا منها ربحاً كبيراً، وكان ثناء العرب منصباً على العمل بالتجارة، فهي برأيهم أشرف ما يشتغل به الإنسان، وقد اشتغل بها أكثر أشراف مكة، وقد نظر العربي إلى التجارة والعاملين فيها نظرة احترام وتقدير، مع أنها في النهاية مهنة كغيرها من المهن، وقد بقيت للتجارة هذه المنزلة في الإسلام مما يدل على ما كان لها من منزلة في نفوس العرب، وإلى جانب الثناء على التجار ومهنة التجارة نجد في الموروث أيضاً ثناءً خجولاً على من يتقن صنعته ومهنته، ويتجه هذا المديح إلى الصناع من الناس الذين هم في درجة منخفضة في السلم الاجتماعي، ونعثر على هذا الثناء أيضاً على المرأة التي تتقن الصناعة، حتى إنهم خصوها بصيغ لغوية خاصة بها، فقيل: (امرأة صناع) وهي الصَناعة الرقيقة التي تعمل بيديها، ولدينا مثال لا يزال حتى الآن في بعض مجتمعاتنا حين يطلق على صناعة القش من الأطباق والصواني والأواني اسم "الصنع" ولعل هذا استمرار لما سلف، لما في هذه الصنعة من دقة ورقة وجمال وإتقان».
هذا كان موقف العرب قبل الإسلام من العمل، أما بالنسبة إلى موقف الإسلام من العمل وكيف أنه جاء لمعالجة هذه المشكلة، فأضاف "شقير": «إن العمل أصيل في الإنسان وهو في الإسلام مقدس، وهو وسيلة من وسائل التحرر الإنساني، وغاية العمل مرتبطة بغاية الوجود الإنساني التي من خلالها استحق الخلافة في الأرض، لقد أولى الإسلام العمل وأخلاقياته اهتماماً كبيراً فربط الإيمان بالعمل، إذ تكررت في الخطاب القرآني مقولة "آمنوا وعملوا.."، ولهذا فرض الإسلام العمل على كل شخص قادر وعده شرفاً وجهاداً، فبالعمل يؤدي الإنسان رسالته الاعمارية في الأرض.
واجه الإسلام ذلك الواقع الراسخ في وجدان العرب، وجهد في تجاوز ما فيه من عادات وقيم، فأعطى بتعاليمه وقيمه للعمل قيمته، ورفض أن يكون العمل عنواناً للعبودية والانحطاط أو عقاب الله لعبده في الحياة وجعله حقاً وواجباً ونعمة وعبادة، وقد سخر الله للإنسان ما يحتاج إليه ليعمر الأرض "وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه"، وفي قوله تعالى: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" إيذان بأمر عمارة الأرض بما تحتاجون إليه، وفي الآية دلالة على وجوب عمارة الأرض بالزراعة والغراس والأبنية، فالعمارة ليست نافلة بل هي واجب يثاب فاعله ويعاقب تاركه والعمل في الإسلام كل جهد جسدي أو روحي، شريف منتج يبذله الإنسان لكسب العيش أو أداء واجبه نحو ذاته أو مجتمعه أو ربه».
الأستاذ "منير بو زين الدين" مدير المركز الثقافي في "شهبا" قال: «ثقافة العمل موضوع هام للغاية، وقد تعرفنا من خلال الدكتور "نايف شقير" على ثقافة العمل في الموروث من خلال محاضرة قدمت في المركز الثقافي، وكانت من أكثر المحاضرات تميزاً، أما الأمر المفاجئ فهو نظرة القدماء لثقافة العمل، وكيف كرس الرسول قيمة العمل كقيمة كبرى في حياتنا اليومية».
