بين لغة الأدب والإعلام فارق في التعبير والأسلوب، لكن القاسم المشترك بينهما الفكرة الموحدة في مسألة علاقة الفرد والمجتمع والثقافة الجمعية، وهما يساهمان بشكل متكامل في تأسيس ثقافة جمعية قوامها الإبداع الأدبي والإعلام.

حول المقاربات الخاصة بعلاقة الفرد بالمجتمع بيّن الأديب والروائي "وهيب سراي الدين" عضو اتحاد الكتاب العرب لموقع eSwueda قائلاً: «المقاربات بين الفرد ومجتمعه هي لازمة وضرورة، وتكاد تكون أكثر التصاقاً والتحاماً واندماجاً من عقد اجتماعي يربط ما بين الطرفين ويقارب ما بينهما "الفرد والمجتمع"، كما قال الفيلسوف الفرنسي المعروف "جان جاك روسو": "لأن العقد بطبيعته يكون شريعة ما بين المتعاقدين، أي يكون قابلاً للانفكاك ما بينهما، بينما العلاقة الرابطة ما بين الفرد ومجتمعه لا انفكاك بها ولا انفصال"، وإذا ما حدث هذا فيقع الشذوذ الذي لا يقاس عليه، ولنتصور الإنسان الذي يعيش منعزلاً عن مجتمعه منفرداً، فكيف تكون حاله؟؟..ونحن نعرف أن لا حياة لمخلوق يعيش وحده، أي دون أسرة ناجبة له، ولا دون مجتمع يغمر هذه الأسرة بكيانه الكبير، فكما أن الجسم البشري مكون من خلايا، فالأسرة البشرية هي خلية مجتمعها، والإنسان بحد ذاته هو عضو فيها، وفي المجتمع في آن واحد، ولهذا تصب كل تفاعلات الأفراد في معين المجتمع، وتندرج، بل وتندمج كل روابط التواصل والتشارك في منظومة المجتمع المتكاملة، ومن هنا تقاس فعاليات المجتمعات بفعاليات أفرادها، وتقدر درجة التقدم الحضاري والرقي المدني في المجتمع بما يقدمه الفرد لمجتمعه عن طريق أداء خدمته والإخلاص بعمله، بوساطة مهنته وإنتاجه في الحياة، أي يكون كل فرد مسؤولاً عن قطاعه وعمله وإنتاجه الذي يصب بالتالي في حياض المجتمع ومعينه، وهذا ما يتداعى إلى تكوين مفهوم الوطن والمواطنة ككل وما يترتب بهذه المقاربات والروابط من حقوق وواجبات، وكلما كانت سليمة في الأداء كان الوطن والمجتمع بخير وتقدم وسلامة».

تكمن مقومات المنظومة الديموقراطية في سيادة الوطن وحريته واستقلاله، في بادئ الأمر، ثم تنصرف إلى حياة الشعب يحكم نفسه بنفسه، كما يقول اليونانيون القدماء، وذلك عن طريق نواب الشعب، وهذا المفهوم يؤول بنا إلى تعدد الأحزاب في الأمة، والانتخابات بطريقة سليمة لمن يريد من أبناء الشعب أن يؤدي خدمة لشعبه في السلطة التشريعية البرلمانية، ويجب كف ما يعيق هذه العملية الديموقراطية وأسلوبها الحر في الدولة، وهنا تبرز الحرية بمفهومها الجمعي والفردي كاملة، بل تكتمل أكثر في الإعلام النزيه

وعن أهمية القاسم المشترك المجتمعي الذي يؤسس لثقافة جمعية استقلالية أوضح الأديب "وهيب سراي الدين" بالقول: «لا يمكن للإنسان أن يكوّن حياة بمفرده بعيداً عن مجتمعه، كذلك لا يمكن للإنسان وحده أن يؤسس ثقافة انعزالية فردية، لهذا أكثر ما تنطبق عليه تشاركية الحياة ما بين الفرد والمجتمع يكون في التكوين الثقافي والتأسيس الحضاري بصورة عامة شاملة والمجتمع الذي يعتمد الثقافة كقاسم مشترك ما بين الأفراد تستقيم لديه الحياة الثقافية، وتتقدم مكاسبه الحضارية في الإبداع والخلق والتطور، وفي كل مجالات العيش لهذا نرى أن الثقافة الانعزالية، والتي تنحو منحى التفتيت والشرذمة هي ثقافة انهزامية ميتة قبل أن تولد، ومن يروج لها فهو الخاسر، وهنا نتذكر ما يجب على الإعلام من مهمة ودور نضالي تاريخي يؤديه في هذا المجال، في مجال تكريس الثقافة الجمعية، وتجنيب الفرد كل ما يؤول على انسلاخه عن هذه المهمة الفعالة الرائعة، فتقوى وتتعزز لدى الفرد المكونات الصغيرة والمفاهيم المحدودة في الثقافة، لتشكل بدورها عائقاً في منظومة ثقافة المجتمع والشعب والوطن الواحد، وتتغلب مفاهيم الثقافة الانعزالية، التي تؤدي إلى بناء شخصية بنيوية منفردة مستقلة في المجتمع، وهنا تقع الطامة، إذ تنعدم كل المفاهيم والمقومات الوطنية والتاريخية والتراثية النضالية المشتركة وحتى تنمحي السلوكيات السيكولوجية التي كلها مجتمعة أو منفردة، تشكل بالضرورة قواسم ثقافية مشتركة في حياة الأمة والوطن، إذن نركز على دور الإعلام الهام في دحض نظرية الانغلاق الثقافي، والتوجه للانفتاح على المقاربات الثقافية في المجتمع، بل في المجتمع الإنساني ككل، لتنتصر ثقافة المجتمع أكثر فأكثر وتنفتح لديه الآفاق العالمية، وما تنطوي عليه من تقدم ورقي ليكون هذا المجتمع بثقافته وحضارته مساهماً في الثقافة "الحضارة"، الإنسانية على سطح هذا الكوكب الأرضي».

الروائي وهيب سراي الدين

وحول ما أفرزته ثورة المعلومات من نظم جديدة وارتباطها بتغيير آليات التواصل وتقنياتها أوضح الروائي "سراي الدين" بالقول: «إن تبادل الخدمات والمصالح والإنتاج، وكل ما يؤمن وسائل الحياة المتكاملة في المجتمع، وهذه العلاقات البدائية التي صقلتها الحياة الاجتماعية على مر الزمن، قد أكسبتها الرقي والتقدم، نراها معززة في أيامنا هذه التي تخضع خضوعاً مبرماً لما يسمى ثورة المعلومات ولما أفرزته من أدوات اتصال، انعكس على العلاقات الفردية والجمعية بصورة عامة، وقوة الروابط والأواصر ما بينهما، فالإنسان أصبح بفضل هذه الثورة على تواصل تام مع أفراد أسرته أينما كانوا، ومع أفراد مهنته وأصدقائه، وهذا التقارب يؤدي إلى التقارب العالمي حتى كانت الأرض أن تتحول إلى قرية واحدة مترابطة متقاربة، بفضل هذه الثورة المعلوماتية، وما أحدثته من تقنيات التواصل في المجتمع والعالم ككل، سرعة وتقانة، ما يعجز عنه الوصف، وهكذا نرى أن المجتمعات الإنسانية صارت أكثر التصاقاً ومعرفة في شؤون حياتها الاقتصادية والثقافية والحضارية، والتقدم التقاني والتطور الصناعي والاقتصادي، طبعاً بعد تحفظ شديد، أي يجب أخذ معطيات هذه الثورة المعلوماتية بموجب المفاهيم الإنسانية الهادية إلى الخير لا على الشر».

أما عن التغييرات الجديدة في مفاهيم الحياة وفرضها حالة أخلاقية ونموذج في تكوين الشخصية، ومقومات المنظومة الديمقراطية ووجود الحرية منها، فبين الأديب والروائي "وهيب سراي الدين" قائلاً: «عانت الحياة الاجتماعية منذ فجر التاريخ من الصراع العنيف ما بين الحق والباطل، وما زال هذا الصراع مستمراً في المجتمع الواحد، وفي العالم أيضاً، ما بين الدول، كما نرى في عصرنا هذا، وما فيه من هيمنة بعض الدول القوية بباطلها وكسفها على غيرها، ولكن التاريخ عرفنا أن كل ما هو باطل باطل، ولو تمادى الباطل إلى حين، إذن الحق منتصر في النهاية، والحق بدوره يعزز الأخلاق الكريمة في سلوك الفرد وفي المجتمع، وهذه الأخلاق هي بدورها أسس جوهرية في حياة الفرد والمجتمع معاً، سواء أكانت في حالة ظاهرة أم في حالة خفية كامنة، وبهذا المفهوم المنطقي لمفهوم جوهر الأخلاق الخالد، وبما أن الأخلاق الفاضلة هي طموح الإنسان السامي، فلابد من أن تنتصر الأخلاق في النهاية مهما حدثت من تغييرات وعانت من ضغوطات، وتسوء الحالة الأخلاقية في المجتمع والدولة عن طريق الفرد المعتصم بأخلاقه ومثله وقيمه، وتندحر عوامل الفساد وأباطيل الباطل لتعم الحياة السليمة».

الإعلامي الدكتور فاروق شرف

وتابع "سراي الدين" يقول: «تكمن مقومات المنظومة الديموقراطية في سيادة الوطن وحريته واستقلاله، في بادئ الأمر، ثم تنصرف إلى حياة الشعب يحكم نفسه بنفسه، كما يقول اليونانيون القدماء، وذلك عن طريق نواب الشعب، وهذا المفهوم يؤول بنا إلى تعدد الأحزاب في الأمة، والانتخابات بطريقة سليمة لمن يريد من أبناء الشعب أن يؤدي خدمة لشعبه في السلطة التشريعية البرلمانية، ويجب كف ما يعيق هذه العملية الديموقراطية وأسلوبها الحر في الدولة، وهنا تبرز الحرية بمفهومها الجمعي والفردي كاملة، بل تكتمل أكثر في الإعلام النزيه».

بين الرأي الأدبي والإعلامي يختلف المسار بينهما ويلتقي، فقد أوضح الإعلامي الدكتور "فاروق شرف" مدير المركز الإذاعي والتلفزيوني في السويداء حول المقاربات الخاصة بعلاقة الفرد بالمجتمع من حيث التواصل والتفاعل والتشارك قائلاً: «لقد أصبحت وسائل الاتصال الحديثة الجسر الذي يصل بين العالم بأجمعه وفي جهاته الأربع إذ إنه قرّب بين الأشخاص مهما بعُدت المسافات بينهم، والعالم أصبح قرية صغيرة من حيث سهولة التواصل وتبادل المعلومات والخبرات، لكن ثمة سؤال هل ثورة الاتصالات حققت للإنسان ما كان يطمح إليه؟... أم إنها بدلت المفاهيم وغيرت في منظومة العادات والتقاليد التي خص بها كل مجتمع من المجتمعات؟...إن وسائل الاتصال فتحت باب المعلومات والمعرفة لمن يريد بسرعة ودون معاناة بالبحث، وعززت ثقافة الفرد في كثير من الأمور والاتجاهات على حساب علاقته بالمجتمع، وبالتالي أفقدته الثقافة الجمعية التي تمتع بها الفرد من تاريخه الاجتماعي وموروثه الثقافي وعلاقته، بسبب جلوسه لساعات أمام جهاز الحاسوب باحثاً عن المعلومة الموجودة في بطون الكتب، فاقداً متعة البحث، مستنكراً مجتمعه بالبعد الزماني والمكاني بطريقة لا إرادية عنه، حتى أصبح يتواصل مع الكثيرين من أمكنة بعيدة في العالم، ولا يرى والدته القريبة منه روحياً وجسدياً وثقافياً، وبالتالي علاقة الفرد بأفراد الأسرة الواحدة بات في عزلة الأمر الذي جعله يبتعد عن المجتمع، وقد تعددت الآراء إذ يعتبر البعض ذلك مغالاة وتصلباً أمام التطور الكبير، وهو إيجابي في الحياة البشرية، وآخرون يعتبرونه انسلاخ الفرد دون استقلالية فردية بل بتوجيه منظم عن المجتمع والوسط المحيط بالفرد، وبين هذا وذاك خط وسط وهو ألا نستخف بقدراتنا العقلية والمعرفية، وبالتالي وصول التكنولوجيا ودخولها في حياتنا اليومية أمر مضر لأنه سيقضي على مفاهيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، بالوقت الذي يمكن من خلال التوجيه تحديد الموضوعات والوقت لها وفق ما تقتضيه الحاجة للفائدة البشرية».

الأديب وهيب سراي الدين

وحول ما أفرزته ثورة المعلومات من نظم جديدة ترتبط بتغيير آلية التواصل وتقنياتها، ومدى انعكاسها على الفرد والمجتمع بين الإعلامي الدكتور "فاروق شرف" بالقول: «إن ثورة المعلومات وانتشار أدواتها في أمكنة متعددة ذات طبيعة مختلفة في التوجه والثقافة، جعلها ظاهرة تستحق الاهتمام والدراسة لمعرفة آثارها الاجتماعية والنفسية وما تفرزه من نظم يترتب عليها عواقب، فقد أشارت بعض الدراسات إلى أن استخدام الانترنت من قبل العديد من الناس وخصوصاً شرائح المراهقين والشباب عكست التفاعل الاجتماعي الصحي الذي من شأنه أن أصبح الفرد يسعى لاستكشاف مواقع متعددة ما أثر بثقافة تلك المواقع على القيم الفردية والأخلاقية وبالتالي تغيير في منظومة القيم الاجتماعية للأفراد، حيث انعكس الاستخدام المفرط للقيم الفردية على الاجتماعية، وقيم العمل الجماعي المشترك الذي من المفترض أن يؤسس ثقافة جمعية ذات طبيعية خاصة بالزمان والمكان، إلا أن الحدث جعل فقدان التسلسل التاريخي والمعرفي عند شرائح متعددة من المجتمع، والتي هي متوافرة في بطون الكتب أو وسائل أخرى نتيجة للعزلة، والبحث عن الأفكار دون الرجوع إلى البدايات في البحث، ناهيك عن المعلومات الخيالية وغير واقعية الأمر الذي يعيق تفكيره وينمي بعض الأفكار غير العقلانية وخصوصاً ما يتصل بنمط العلاقات الشخصية وأنماط الحياة والعادات والتقاليد السائدة في المجتمعات الأخرى».

وعن التغييرات الجديدة في مفاهيم الحياة وفرضها حالة أخلاقية وضغوطات كبيرة، وتحديد احتياجاته وآلياته التواصل مع الطرف الآخر، بين الدكتور "شرف" قائلاً: «انطلاقاً مما أفرزته ثورة المعلومات من مواد سلبية وإيجابية لابد من التشديد في مراقبة جيل الأطفال والشباب وكيفية استخدام وسائل الاتصال الحديثة ليأخذ منها ما يريد ويحافظ على قيمه الاجتماعية داخل المجتمع الذي يعيش وهنا التركيز يجب أن يكون من قبل الأسرة والمجتمع، وللإعلام الدور الأكبر والأهم من خلال التوعية والبرامج الموجهة لكل الشرائح والفئات في المجتمع وفق ما يتماشى مع حياتنا اليومية وآدابنا وسلوكنا الخاص بجغرافيتنا وتراثنا وإرثنا الجميل، إلا أن الإدمان على الجلوس الطويل وراء الحاسوب أظهر الكثير من السلبيات بشكل أو بآخر، خاصة على الأسرة التي تعتبر أساس المجتمع، وهذا ما أثر على المنظومة الأخلاقية وقيمها التي ترتبط بعاداتنا وتقاليدنا، وبحكم ما نتمتع به من روابط اجتماعية علينا إدراك القادم، وتشجيع لغة الحوار لفئات عمرية مختلفة والاهتمام بالآراء المطروحة لأن ذلك يضعنا أمام التفكير والشخصية التي يتكون عليها الفرد هذه الأيام».

وتابع الدكتور "شرف" بالقول: «لكي نستطيع في المحصلة تحديد احتياجاتهم والعمل على تنفيذها وتحقيق ما يمكن تحقيقه وإبعادهم عما ينافي منظومتنا الأخلاقية وذلك بالحوار والإقناع والتوعية بالتعريف عن كل ما يصلنا من الغرب وكيفية الاستفادة منه إيجاباً ورفض كل ما يسيء لنا في الحياة اليومية، علينا استخدام التكنولوجيا بما يتوافق عاداتنا وتقاليدنا دون شرط أو إكراه، وبعد تحديد احتياجنا نفرض عليها ما نريد وفق طبيعة مجتمعنا وذلك بالقدرة على الفهم والتعلم وتعليم وتوعية الأب، لأننا نملك ثقافة ولغة وآداباً نختلف بها عن المجتمعات الأخرى».