«يخطئ من يظن أن انطلاقة الثورة السورية اتسمت بردة فعل محلية أو مناطقية أو عشائرية، إنما هي بأهدافها وعدتها وعددها كانت تمثل نبض الشعب العربي في سورية، الرافض للاحتلال الفرنسي والانكليزي لبلاد الشام، ودليلنا على ذلك خوف أوربا بل ذعر الحكومات الأوربية من امتداد الثورة من سورية بحدودها الطبيعية إلى العراق لتتلاقى مع ثورات الوطن العربي في المغرب العربي ووادي النيل».
وتابع الباحث "اسماعيل الملحم" في بحثه حول "جذور وامتدادات الثورة السورية الكبرى" لموقع eSuweda بالقول: «لا يتخلص الناس من ماضيهم بسهولة فهم باستمرار مشدودون إليه، أليست شخصية الإنسان هي هذا الامتداد من الماضي إلى الحاضر ومن الحاضر إلى الماضي؟ وما يصدق على الشخصية الإنسانية حينما نتحدث عن الكائن البشري كفرد يصدق على ما يسمى بالشخصية الوطنية أو الشخصية القومية، فعلم التاريخ ولو كره بعض المؤرخين لم يعد في نظر الاتجاهات الحديثة في تناولها لحركة البناء الاجتماعي وتطوره علماً جزئياً، وإنما هو علم كلي إذ لا علم إلا بالكليات كما قال "أرسطو" قديماً، وقد تطور من كونه سرد للحوادث التاريخية ليصبح بحق، علم تطور المجتمع، إذن فليس فيما نكتبه عملاً ينتمي انتماء مباشر للتاريخ بل هو إن صح التقدير بحث في المنهج يتكئ إلى مثال من الواقع التاريخي، إذ يقول أحدهم: «الضبط و الصحة في الرواية هما الاستثناء أما الخطأ فهو القاعدة» وهكذا بالنسبة لتأريخ الحوادث، أما التعرض للتأريخ لحياة شخص ما أو لدوره في حادثة من الحوادث فماذا نقول؟».
لم نقصد الكتابة التاريخية وإنما طموح متواضع في التروي عند ممارسة ذلك وأن يضع المتصدي لمثل هذا العمل نصب عينيه، وأن التاريخ والكتابة فيه ليس عملاً إنشائياً يهتم بفخيم العبارة وتزويقها وغنما هو اهتمام بالحركة العامة وبالصيرورة، وبذلك فهو يمدنا بالقدرة على التنبؤ بسبب اعتماده على كشف القوانين الموضوعية، بتقيده بإبعاد العواطف الذاتية والضيقة والأفكار المسبقة، لأن قليلاً من المغالاة يؤدي إلى الكثير من الحقيقة
وأوضح الباحث"الملحم" قائلاً: «نحن لا نستوعب حركة التاريخ إلا عندما نرى الحاضر بصورة عامة كنتيجة لتلك الوقائع التي تمثل حلقتها الأساسية أخلاق وأعمال المشاركين فيها، وفي التاريخ ظواهر ليس بالإمكان معرفتها واستجلاء معانيها دفعة واحدة أو في قراءة واحدة، ففي مجال الفكر بشكل عام نجد أن الأفكار المتوهجة تحتاج باستمرار إلى قراءات جديدة، والتمييز عند الكتابة التاريخية بين المقاربات الموضوعية وبين الأسطوري الذي تخلقه روايات العامة عن فعل ما أو فاعل في فترات تاريخية سابقة، وكتب آخرون عن الثورة أنها تمرد أو ذات طابع إقليمي ضيق وأهداف لا تتعدى إنشاء إمارة أو إقامة حكم ذاتي، أو أنها ذات طابع طائفي محض، أو استجابة لعادة بدوية قديمة هي الثأر أو حماية المستجير في منأى عن سلطة القانون ومنطق العصر، لأن "ادهم خنجر" لم يأت الجبل ليستجير عند أي كان بل قصد منزل شخص عرف عنه من قبل معاداته للانتداب وتوجهاته القومية، ولم يقصد شخصاً آخر ربما كان اقدر في ذلك الوقت على حمايته بالتوسط لدى السلطات لاستصدار عفو أو شابه ذلك، والدليل على أن الثورة كانت سلسلة من الحركات ذات الاتجاه الوحدوي سواء على مستوى سورية أو على مستوى العربي».
وختم "الملحم" بحثه بالقول: «لم نقصد الكتابة التاريخية وإنما طموح متواضع في التروي عند ممارسة ذلك وأن يضع المتصدي لمثل هذا العمل نصب عينيه، وأن التاريخ والكتابة فيه ليس عملاً إنشائياً يهتم بفخيم العبارة وتزويقها وغنما هو اهتمام بالحركة العامة وبالصيرورة، وبذلك فهو يمدنا بالقدرة على التنبؤ بسبب اعتماده على كشف القوانين الموضوعية، بتقيده بإبعاد العواطف الذاتية والضيقة والأفكار المسبقة، لأن قليلاً من المغالاة يؤدي إلى الكثير من الحقيقة».
الدكتور "فندي أبو فخر" أستاذ التاريخ في جامعة "دمشق" بين قائلاً: «كانت أوربا تعمل متحدة في العمق وأن اختلفت في الأساليب الظاهرية لوأد الثورة لأسباب كثيرة أهمها منع وحدة الوطن العربي، وزرع الكيان الصهيوني في فلسطين، ومنع نهضة الأمة العربية ومعاودة دورها بالفعل التاريخي الثقافي والحضاري والسياسي والعربي، وما طرحه الباحث "اسماعيل الملحم" يمثل محاولة جادة لفهم تاريخ الثورة الاجتماعي والاقتصادي والثقافي من جهة ومدى عمق الطابع الإنساني للثورة، عن أنسنة الفعل الثورة لفلاحي العرب ضد الأحتلالات الأوربية حري بأن تبدأ مراكز البحوث العلمية لمؤسسات العلمية بإعادة كتابة تاريخ المنطقة من جهة ودور الفلاحين في الثورة والنهضة من جهة أخرى».
الجدير بالذكر أن الباحث "اسماعيل الملحم" هو عضو اتحاد الكتاب من مواليد قرية "ملح" التي تبعد عن السويداء حوالي 45 كيلومتر يرأس فرع اتحاد الكتاب العرب بالسويداء له العديد من الدراسات والبحوث والمشاركات الأدبية في النقد الأدبي والفكري والدراسات التاريخية.
