لم تكن المقاومة في القرن الماضي عبارة عن حمل سلاح ومقاومة الاستعمار الفرنسي بدحره عسكرياً فحسب بل استطاع الثوار أن يجعلوا من المقاومة ثقافة تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية متخذين من عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية جزءاً في نشرها ليسمى القرن الماضي بالمقاومة.

وضمن منظومة العادات والتقاليد العربية المتوارثة استطاع "أسعد العيد" في قرية "عرمان" أن يجعل من كرم المضافة فعلاً مقاوماً عندما عمد إلى إقامة وليمة غداء للفرنسيين لإنقاذ قائد الثورة من أيديهم بعد أن أصبحوا منه قاب قوسين أو أدنى.

لقد حدثني والدي أن جدي "أسعد" ورعيله تربوا على مقاومة الاستعمار مع من كانوا من الثوار والأبطال حتى أصبحت المقاومة عادة اجتماعية تمارس ضمن فعل الحياة الوجودي اليومي ولهذا عندما رأى الفرنسيين قادمين إليه علم بحسه المقاوم، فقال "للباشا سلطان": "ترى يا باشا الفرنسيين جايين لعندي من أجلك"، وصرخ على والدي "توفيق" وقال له: "خوذ عمك الباشا واطلعوا من باب العائلة، واركبوا خيولكم واتجهوا نحو القرى الشمالية، وخلوا الباقي عليّ"، وبالفعل ذهب والدي مع المغفور له "سلطان باشا الأطرش" وبقي بصحبته فترة زمنية ينهل من مدرسة المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي

الحادثة يرويها لموقع eSuweda المعمر الأستاذ "عساف النعمة" الذي تجاوز العقد الثامن، والمعاصر للأحداث قائلاً: «بمضافته القديمة تحكي لك حجارتها وشقوقها أن حكايا تاريخية مرت عليها، سقفها ذو القصب المغرد مع نسائم العمر بأصوات النخاوي والأهازيج، وحيطانها من مادة "اللبد" المقاومة لعوامل الطبيعية، يتوسط أحد جدرانها من الجهة الشرقية باب خشبي بردة واحدة أطلق عليه باب العائلة أي باتجاه بيت الحريم المقابل لبابها الرئيسي وهو الشاهد التاريخي على مساهمته في فعل البطولة، فقد كان الاستعمار يضع عيوناً له في جميع الأماكن التي يريد أن يستكشف بها عن مواقع الثوار، وقريتنا "عرمان" التي بدأت الثورة السورية منها بإسقاط طائرتين، جاء "سلطان باشا الأطرش" إليها ضيفاً في مضافة "أسعد العيد" وما إن وصل حتى جاء الفرنسيون يطالبون به، لأن المُخبر الصادق بلّغ الفرنسيين أن قائد الثورة في هذه المضافة، فاتخذ من كرم المضافة موقفاً مقاوماً باستخدام العقل الفطري، وخاطب الجنود الفرنسيين: "يا ألف أهلا وسهلا الله محييهم، تفضلوا، والله وعليها جيرة لا يمكن أن تذهبوا حتى تتغدوا من عنا"، "يا توفيق" اذبح للضيوف"، لأنه كان يدرك أن تحضير الطعام يحتاج إلى ساعات، وأومأ لأبنه "توفيق" أن يركب فرسه ويذهب بصحبة "سلطان باشا الأطرش" إلى القرى الشمالية أي نحو قرى "بو زريق وتل اللوز وطللين" وغيرها لإشعال جذوة المقاومة، والوليمة ليست محبة بالجنود إنما لجعل قائد الثورة يأخذ الوقت المناسب كي يصل إلى رفاقه المقاومين في القرى المجاورة».

الأستاذ عساف النعمة

وتابع الأستاذ "النعمة" سرد الحادثة بمفارقة فطرية بالقول: «قّدم "أسعد العيد" المناسف العربية وسكب السمن على اللحم وقال لهم "تفضلوا على الميسور"، لكن المفارقة ليست هنا، إنما بعد انتهاء الغداء، إذ تقدم نحوهم وقال لهم: "الآن يمكن لكم أن تسألوا ما تشاؤون"، فقال أعلى رتبة عسكرية من الجنود الفرنسيين: "لقد بلغنا أن "سلطان الأطرش" في مضافتك أين هو؟.. قال لهم "أسعد": "نعم كان عندي، وقبل أن تصل أقدامكم أرض المضافة ذهب باتجاه الجنوب وهو الآن على الحدود الأردنية، لماذا لم تطلبوا مني ذلك ساعة وصولكم؟ على أية حال يمكن أن تصلوا إليه قبل أن يعبر الحدود، كرروا السؤال عليه، أجابهم أنهم لو ركبوا خيولهم يمكن أن يلحقوا به، وعلى الفور ركبوا خيولهم واتجهوا نحو الحدود الأردنية، بينما كان "سلطان الأطرش" قد وصل إلى القرى الشمالية، والمفارقة الثانية تكمن بصدق "أسعد" أن "سلطان" كان موجوداً بمضافته، والثالثة تثبيت أن المضافة العربية بكرمها حمت الثوار والأبطال، وكانت عاملاً هاماً في طرح ثقافة المقاومة من نوع خاص باستخدام العقل الاجتماعي، والحادثة لم تذكر في التاريخ المعاصر، هي وغيرها من الأحداث التي تؤكد مدى عمق البعد الثقافي الاجتماعي وأهميته في معالجة العديد من الإشكاليات الاجتماعية السائدة آنذاك، والتي ساهمت في مساعدة المقاومين».

وأكد الشيخ "هايل ملاعب" من أهالي قرية "عرمان" ارتباط فعل المقاومة بالحياة بقوله: «منذ أن سكن أجدادنا قرية "عرمان" وتواجدوا فيها، كان الناس فيها شركاء الهموم بالأفراح والأتراح، اتخذوا من ممارسة حياتهم اليومية تكريس مبدأ المقاومة بمزج مفاهيم تلك الثقافة بالقانون الوجودي الذي لم يكن يأخذ دوره في ظل الاحتلال العثماني بشكل يسود فيه العدل والإنصاف، إنما استطاعوا أن يمزجوا تلك الثقافة بالقانون العشائري، الذي من شأنه إعادة الحق لصاحبه وسيادة المحبة والإخاء فيما بينهم، الأمر الذي جعل فعلهم نابعاً من عقلهم الاجتماعي الفطري الذي أصبح ثقافة تتناقلها الأجيال بعدهم، ومن أهم تلك الشخصيات التي عمدت على تثبيت فكرة المقاومة كفعل اجتماعي لا عسكري فحسب في عهد الانتداب الفرنسي المرحوم "أسعد العيد" صاحب المواقف الوطنية والذي شارك في معارك الثورة السورية الكبرى وساهم بمواقفها إلى جانب أبطال من الثورة ومنهم "حمد البربور"».

باب العائلة الذي خرج منه سلطان الأطرش

الأستاذ المهندس "عدنان توفيق العيد" أوضح دور والده قائلاً: «لقد حدثني والدي أن جدي "أسعد" ورعيله تربوا على مقاومة الاستعمار مع من كانوا من الثوار والأبطال حتى أصبحت المقاومة عادة اجتماعية تمارس ضمن فعل الحياة الوجودي اليومي ولهذا عندما رأى الفرنسيين قادمين إليه علم بحسه المقاوم، فقال "للباشا سلطان": "ترى يا باشا الفرنسيين جايين لعندي من أجلك"، وصرخ على والدي "توفيق" وقال له: "خوذ عمك الباشا واطلعوا من باب العائلة، واركبوا خيولكم واتجهوا نحو القرى الشمالية، وخلوا الباقي عليّ"، وبالفعل ذهب والدي مع المغفور له "سلطان باشا الأطرش" وبقي بصحبته فترة زمنية ينهل من مدرسة المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي».

لعل هذه الحادثة تترك لنا أسئلة عديدة عن استخدام العادات والتقاليد، وفعل الحياة، والمضافة، في المقاومة بأدوات تحمل العقل لا السلاح لتصبح ثقافة على مر الزمن...

أسعد العيد