قصته مع العود تكبره بكثير وتكاد تكون بدأت قبل أن يولد، فقد وصله صوت العود قبل ان يبصر الحياة، فتحول بالنسبة له من آلة للعزف إلى أخ ورفيق درب تطرب لسماع صوته الروح.

موقع eSyria التقى الفنان والمؤلف الموسيقي الشاب "أكثم أبو الفخر" وعاد معه إلى بداياته مع عود ورحلته مع هذه الآلة حيث قال: «ربما قصتي مع العود تكبرني بكثير، فهناك عشق قديم جمع والدي مع صوت عزف العود المنبعث من مصنع الأعواد القريب من منزله، ورغم عدم موافقة أهله على اقتنائه واحدا من تلك الأعواد، ورغم تلك السنين الطويلة التي مرت على تلك الليالي، لم ينس والدي ذلك المصنع لنعود إليه في الثالثة من عمري ليهديني عندها عودا صغيرا، ولكنه في نفس الوقت متقن الصنع وذو أبعاد ونسب صحيحة.

لديه تكنيك عالٍ وهو يعرف كيف يستثمر طاقات العود، إمكاناته على الصعيد الفردي ممتازة وكذلك على الصعيد الجماعي، أتمنى منه أن يسعى من خلال الحفلات التي يحييها لكي يعمل على إظهار إمكاناته الشخصية أكثر من العمل على إظهار إمكانات الآلة

كان عوداً كبيرا جداً مقارنةً مع حجمي، ولم تكن هناك محاولات جدية للعزف في ذلك العمر بعد، فقد كانت بدايات عفوية وحتى غير مدروسة. ومن جراء ذلك باستطاعتك اعتباري أني عشت حالة من التأقلم مع العود والتقليد العفوي لوالدي».

مع عوده

وأضاف "أبو الفخر": «والدي الذي أحب العود طفلاً بدأ محاولاته في تعلم العزف على عودي الصغير ذاته!!، وانتهت هذه المحاولات مع جملي الموسيقية الأولى، وأذكر تماما تلك الفترة التي لم أكن أستطيع العزف فيها إلا على وتر واحد فقط هو "وتر الكردان"، وأذكر تلك الفرحة العارمة التي أصابتني لحظة بدأت العزف على وترين اثنين "الكردان والنوى" وبعدها باقي الأوتار.

في هذه المرحلة التي لا تتخللها دراسة نظرية للموسيقا كنت أحاول اكتشاف العلاقات بين العلامات وحدي، واستطعت عندها التفرقة أثناء العزف بين نغم فرح ونغم حزين، نغم أقصد به هنا (ثلاث أو أربع علامات متتالية على نفس الوتر) ولم يكن عندي أي دراية بالمقامات الشرقية أو السلالم الغربية، ولا حتى عن علاقات نغمية معينة، ولا حتى ذاكرة موسيقية عن أي لحن أو أية نغمة، هذه هي فترة بداياتي مع العود أسميها روعة الاكتشاف».

أكثم أبو الفخر

ما لبث "أكثم" أن أصبح عازفاً له موقعه على خارطة الموسيقا السورية، فهو لم يكتف بالعزف فقط وإنما انتقل للتأليف أيضاً، وقد تحدث عن هذه التجربة قائلاً: «هو ليس انتقالا بالمعنى الحرفي، ولكن هو تطور مستمر لأسلوب معين في فهم الموسيقا ينتج عن التفكير المتواصل، فمجرد العزف على الآلة لا يكفي للتأليف، التأليف بحاجة لاقتران العزف بالتفكير، وبعضها أفكار ترتبط بشكل مباشر بأسلوب العزف على آلة العود، ورغبتك باكتشاف طاقات جديدة لهذه الآلة».

ويتابع "أبو الفخر" قائلاً: «وما أذكره عن أول محاولة جدية في التأليف كانت في عمر 13 سنة تقريبا أسميتها حديث الأنامل، وهي محاولتي الاستيحاء من لحن نشيد لحنه لي والدي، واستمرت هذه المحاولة وقتاً لا بأس به حتى تمكنت من الاعتراف بها كقطعة موسيقية لآلة العود، في الوقت الذي كانت أكثر من محاولة موازية قيد التأليف بعضها أبصر النور وبعضها الآخر لم يبصره».

"أكثم" يشارك في مهرجان الطلائع

"أكثم" الشاب الموسيقي لم يدرس الموسيقا أكاديمياً واختار دراسة الطب، ولدى سؤالنا عن سبب اختياره دراسة الطب وتفضيلها على دراسة الموسيقا أكاديمياً، وهل يفكر في دراستها مستقبلا؟.. أجاب "أبو فخر": «هو ليس تفضيلا أبدا، وقد اعتدت منذ طفولتي على اقتران النشاط الموسيقي بالنشاط الدراسي، والتحصيل الموسيقي بالتحصيل العلمي، وما كنت أنوي التخلي عن اي منهما، وعندما خيّرت بين تأجيل أحد المجالين، كانت لحظة صعبة فأنا أمام خيارين أحلاهما مرّ، فأنا لم أكن أفكر يوماً في اختيار أحد المجالين وكنت أفكر في دراسة المجالين، وهذا الأمر طبيعي، لكنه مستهجن وحتى مرفوض في بعض الأحيان من قبل الكادر التدريسي في المعهد العالي أو في الجامعة أيضا، وحتى من قبل الكادر الإداري».

وأضاف الموسيقي الشاب: «طالما أنني أستطيع الاستمرار بتطوير نفسي موسيقيا بشكل ذاتي، وهذا الأمر غير قابل للتحقيق في طب الأسنان، اضطررت أن ألتزم مبدئيا طب الأسنان، محافظا على متابعتي الموسيقية.

وإذا كان سؤالك عن تفكيري بدراستها مستقبلا، بأني أنوي الرجوع للمعهد العالي من جديد، فهذا الأمر ليس ضروريا، فهناك أبواب كثيرة لتعلم الموسيقا ومعاهد كثيرة منها العربية ومنها العالمية، وعندها سأختار الأنسب وأتابع إن شاء الله».

وعن الأوقات التي يقضيها في العزف والتدريب يقول: «لا توجد ساعات معيّنة أخصصها للعزف، تعلمت أن ألجأ إلى العود كحاجة وليس كواجب، حاجتي للموسيقا، حاجتي للعود، أما التطوّر فهو تحصيل حاصل، فالعفوية أسلوب أتبعه ضمن علاقة مريحة مع العود كجزء من ذاتي يكبر معي، ويتطور بتطوّري ولا أجبر نفسي أبدا على التدرب بشكل قسري يفقدني لذة الاستمتاع».

قالوا في "أكثم أبو فخر":

الفنان والمؤلف الموسيقي "زياد عجان" قال: «لديه تكنيك عالٍ وهو يعرف كيف يستثمر طاقات العود، إمكاناته على الصعيد الفردي ممتازة وكذلك على الصعيد الجماعي، أتمنى منه أن يسعى من خلال الحفلات التي يحييها لكي يعمل على إظهار إمكاناته الشخصية أكثر من العمل على إظهار إمكانات الآلة».

"جوليان سنكري" مؤسس مشروع "لونين" الموسيقي تحدث بالقول: «من خلال متابعتي له واستمتاعي بموسيقا عوده أستطيع القول إنه نجح عازفاً وبرع أستاذاً حيث حصد طلابه جوائز على مستوى "سورية" وهذه ايجابية تسجل له في هذا العمر المبكر، فليس من السهل عليك أن تكون مدرساً للموسيقا وأن تخرج عازفين على مستوى عالٍ».

"سوسن أبو شاهين" والدة "أكثم": «كنت أشعر بسعادة كبيره عندما كنت أشاهد أكثم يحتضن عوده وهو بعمر ثلاث سنوات وكنت واثقة من أنه سيصبح عازفا ماهرا لكثرة تعلقه به، ومع مرور الزمن تبين أن ثقتي كانت في مكانها، فأكثم اليوم عازف له وزنه وقيمته وقد حقق نجاحاً أستطيع القول إنه يستحقه، فهو كثيراً ما كان يصل الليل والنهار وهو يحتال على الآلة لكي يخرج لحناً معيناً أو لكي يكمل لحناً أو يتعلم طريقةً معينة».

"رفيق أبو فخر" والد "أكثم" قال: «مذ كان صغيراً لم يكن يعزف لمجرد العزف أو لكي يمتع الآخرين بقدر ما كان يعزف لأن روحه تهوى الموسيقا ولأن قلبه معلق بأوتار العود، وهذا ما ساعده لاحقاً على تأليف الألحان وتحقيق النجاح ونيل رضى الجمهور.

بالنسبة لي أتمنى أن أرى في "أكثم" رشاقة فريد وحداثة "القصبجي" وأصالة "السنباطي" ومهارة "عبد الوهاب" في اقتناص الفرص».