قد يكون الحديث عن هذا النوع من الفنون نادراً إلى حد ما في عالمنا العربي، والشيء الذي يدعو للدهشة أن الأوروبيين سبقونا بأشواط في التهليل والترحيب بهذا الفن السوري الخالص، واحتفوا فيه وخلدوا اسم مخترعه على الرغم من أنه يحكي عن تراث السوريين وعلاقته بالوطن والأرض.
ولعل الأستاذ الدكتور "عبد الكريم فرج" عميد كلية الفنون الجميلة في "السويداء" أكثر الأشخاص الذين قرؤوا هذا الفن، واحتفى به، وهو على صلة وثيقة بالراحل الكبير الفنان "مصطفى فتحي" والفنان "طلال العبد الله" المدرس في جامعة "دمشق"، حيث يقول لموقع eSuweda بعد محاضرته التي عنوانها "تجربة إبداعية ومنابع تراثية" مساء الاثنين الواقع في 1/2/2011 في المركز الثقافي العربي بمدينة "شهبا": «إن ما يجمع بين هذين الفنانين تفردهما بخط أو نهج فكري متميز طريقة وتعبيراً، فلقد اتجها نحو التاريخ الحضاري لبلادنا، وتعلما الدأب والصبر لتحصيل المعرفة الإبداعية من خلال قراءة سورية التاريخ، وشعبها الذي رشق كل الحضارات مع كل قادم أو حاكم، واستنبطا خلاصات ربما تكون غريبة على البعض، لأنها لا تقدم الواقع السطحي لمفهوم الفن التشكيلي! بل نسجا طريقيهما كما ينسج العنكبوت ملاءته فوق ملجئه بطريقة تجعل كل منا يمعن في التوقف والتمعن والتساؤل: يا ترى هل اكتشفا (كل برؤيته) رموزاً تعبر عن مدلولات مستخلصة من الوجوه أو أحداق العين في تجريدات أشكال أو خطوط؟ واتجها نحو معاني المعتقدات، وقرءا قراءة جديدة مدلولات الرموز التي عرفناها على جدران بيوتنا العتيقة، أو على مشارب المياه الفخارية السميكة (الخوابي)، والتي رسمت فوقها تلك العناصر التزيينية المجردة النافرة، وارتسمت أيضاً فوق الجدران الطينية البيضاء النيلية، وهي تتناوب في زهوها بين النقاط والحروف والمثلثات والدوائر المتحاورة لترسم أشكال الأكف والعيون وتجريدات النخيل ورؤوس أو قرون الحيوانات. وماذا تعني في رسومهما المطبوعة تلك الأهلة والخطوط المتموجة والمنحنيات المقوسة غير تجليات جديدة لصور عرفتها شعوب هذه الأرض؟».
كان بودي أن تكون الأختام المعروضة أكثر من ذلك، ويا حبذا لو رأينا بعض أعمال "فتحي" على الطبيعة، وليس على الشاشة، وقد لاحظنا البساطة في الفن والحياة عند المبدعين، وهذه الأختام صنعت فعلاً بيد مبدع، وفيها كسر للصمت وللرتابة، وقد تلاعبا باللون كثيراً بعيداً عن الأبيض والأسود
والشيء الذي يدعو للدهشة أن هذا الفن الذي صممه "فتحي" ابن محافظة "درعا"، وأكمل في تجلياته "العبد الله" ابن محافظة "السويداء" ما زال حاضراً أمامنا بكل وقت، وما الرسومات التي تخطها النسوة على قرص الكبة في المناسبات الكبيرة سوى أشكال من مخزوننا التراثي، والمنمنمات الكثيرة التي ترقشها النسوة على الثياب، ما هي إلا أشكال متخيلة لكل ما هو بين أيدينا، استطاع الفنانان أن يبدعاها على شكل أختام غاية في الدقة والمهارة والجمال، يقول الدكتور "فرج": «إن كل هذه العناصر مضمرة أو متداخلة، متقاطعة أو متكررة، إذا أضفنا إليها حضارة الدليل الثقافي والتاريخي لأهل هذه الأرض في سيرورة وجودها الإنساني فستكون هي الزاد الحقيقي للاشتقاقات الفنية لأعمال "فتحي" و"العبد الله"، ويمكنني أن أضيف أن كل واحد منهما قد أضاف لمجرداته رؤية تصويرية متداخلة في الأختام الخشبية، وعلى سبيل المثال نرى في أعمالهما مقاربة بصرية مع أنماط الكتابة لشعوب غابرة من حيث المساحات المفرغة، والخطوط المتداخلة مثل الكتابة الصفائية حيث كانت عند هذه الشعوب تحمل مدلولات أدبية، غير أن الأمر عند الفنانين اختلف قليلاً في الأهداف والمرامي، فاستبقيا أشكالاً دلالية منطلقة ربما من الوشم أو التمائم والأكف أو رموز الأساطير والمعتقدات التي نسجت ورسمت على الأقمشة والأردية للرجال والنساء في عهود قديمة، وبذلك شكل الاثنان مصطلحات تشكيلية في حراك حيوي متحرر من الأشكال المادية وريائها، ليخلقا مفهوماً جديداً للقراءة البصرية بما في ذلك حسهما التزيني النقي».
هل هذا الفن مدرسة موجودة في العالم أم هو اكتشاف موقع باسم هذين الفنانين السوريين؟ سؤال رد عليه "فرج" بالقول: «إنهما ينتسبان إلى النزعة التصميمية التي خلقت صورة بصرية بعيدة عن المحاكاة، نزعة أنتجتها المقابلة بين الفكر من جهة، وبين الواقع التراثي من جهة أخرى، هذه النزعة تعمقت في أبحاثها حتى ولدت اتجاهاً خلق صورة المجردات المعبرة عن فن مشبع بروحه المثالية، وبهذا المعنى تتقاطع ثقافة هذين الفنانين في مقاربة محدودة مع الفنانين العالميين "بول كلي" و"جاكي بللوك" والفنان الياباني "شيلكوموناتا" والبولوني "رومان"، وربما يكون من الإنصاف لو ربطنا إبداع هذين الفنانين مع مفهوم الفكر الأسطوري من حيث الهيكلية الشكلية التي تقود في النهاية إلى معنى نصدقه أو ننفيه».
الفنان "جمال العباس" قال عن تجربة الراحل "مصطفى فتحي" وعن تجربة الفنان "طلال العبد الله": «إنه لون جديد، وفن الحفر هذا ليس معروفاً كالتصوير الذي يتميز باللون والحركة، ولو تأملنا الرموز لعرفنا أنها موجودة في حياتنا اليومية، ولكنها تحتاج إلى التمعن والتأمل لأنها تمتاز بكثير من الروحية الإبداعية، والواقع إن هذا اللون مجموعة مما تمتلكه البشرية من رموز وحكايات، وليس غريباً أن يموت "فتحي" مقهوراً لأنه لم يفهم بالطريقة التي أرادها، فهو لم يحاك الطبيعة، لأن الطبيعة المجسمة فيها الكثير من الرياء».
الفنان "غازي الظاهر" قال: «كان بودي أن تكون الأختام المعروضة أكثر من ذلك، ويا حبذا لو رأينا بعض أعمال "فتحي" على الطبيعة، وليس على الشاشة، وقد لاحظنا البساطة في الفن والحياة عند المبدعين، وهذه الأختام صنعت فعلاً بيد مبدع، وفيها كسر للصمت وللرتابة، وقد تلاعبا باللون كثيراً بعيداً عن الأبيض والأسود».
والجدير بالذكر أنه عند وفاة المبدع السوري "مصطفى فتحي" قدمت طائرة فرنسية خاصة لنقل أختامه الكثيرة وعرضها في "باريس" تكريماً لفنه وإبداعه، وهو لم يمض على وفاته عام واحد، حيث ودعنا في بداية العام 2009، أما الفنان "العبد الله" فهو من مواليد 1958 من قرية "سليم" التي تبعد ستة كيلومترات إلى الشمال من مدينة "السويداء"، ويعمل إضافة إلى التدريس في الإخراج الصحفي.
