كما أسلفنا في قراءات سابقة لكتاب "الرقة" في مجال القصة، بإمكاننا اعتبار الربع الأخير من القرن العشرين المنصرم، هو زمن الإنتاج القصصي في المحافظة، بمعزل عن قيمة ذلك الإنتاج، سواء القيمة الفنية، أو المعرفية، وتنتظم مجموعة القاص "بسام الحافظ" المعنونة "مكابدات أبي الطيب الزعلان" في هذا السياق، فقد صدرت عام /1994/، دون ذكر الجهة التي أصدرتها، فقط ذكر على غلافها أنها طبعت بإشراف مكتب "الرقة" للسياحة والسفر، ولست على علم بما تعنيه كلمة إشراف، أيّاً تكن الجهة التي أصدرتها، فإن ذلك لا ينقص ولا يضيف إلى دراستنا لها شيئاً.

تأخذ نصوص "بسام الحافظ" الواردة في هذه المجموعة منحيين مختلفين في دلالتهما، منحى القصة، ومنحى الخطاب، وأحياناً يتواجدا في القصة الواحدة!! وللتمييز بين المنحيين، فإن منحى القصة يعتمد على الإحالة اللاإشارية: "أي غير ملازمة قصراً لمرجعها"، ومنحى الخطاب الذي يعتمد على الإحالة الإشارية: "أي مرتبطة بعلاقة تجاور مع مرجعها".

صرير العربة ووقع سنابك الكديش، موسيقا ألفها الجيران، ولحن أخذ الأطفال يرددونه في الحارات الضيقة. جلس في مقدمة العربة. اتسعت عيناه أكثر من ذي قبل، وكأنه يريد اختراق الشفق إحساس يتداخله. يبحث عنه. حدّق بالحوانيت المغلقة على جانبي الشارع الطويل والوحيد في المدينة. تذكر أصحابها. يصل النهر الغافي على زند المدينة، يمدّ الكديش عنقه ليشرب. يحدق به. طلقات تأخذ طريقها المحركي لتنغرس بجسده، يقع أرضاً، دم يتدفق بغزارة، يمتصه الرمل البراق ليتسرب إلى النهر. يختلط به. النهر دم يجري نحو الشرق، يخترق كل المدن ويصب في البحر دماً

«صرير العربة ووقع سنابك الكديش، موسيقا ألفها الجيران، ولحن أخذ الأطفال يرددونه في الحارات الضيقة. جلس في مقدمة العربة. اتسعت عيناه أكثر من ذي قبل، وكأنه يريد اختراق الشفق إحساس يتداخله. يبحث عنه. حدّق بالحوانيت المغلقة على جانبي الشارع الطويل والوحيد في المدينة. تذكر أصحابها. يصل النهر الغافي على زند المدينة، يمدّ الكديش عنقه ليشرب. يحدق به. طلقات تأخذ طريقها المحركي لتنغرس بجسده، يقع أرضاً، دم يتدفق بغزارة، يمتصه الرمل البراق ليتسرب إلى النهر. يختلط به. النهر دم يجري نحو الشرق، يخترق كل المدن ويصب في البحر دماً».

غلاف المجموعة

في هذا المقطع الوصفي، غير المقيد بأي رابط زمني، يصبح السرد محمولاً على تقنياته، وليس مقتضيات القص، فانفصال ذات السارد عن مركز ثقل النص، وابتعاده عن الذاتية، يجعله يحقق شرط القص إذا ما توفرت له باقي المقومات التي يقتضيها فن القصة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا المقطع مجتزأ. وتبدو هذه المغيرة أكثر جلاءً في المقطع التالي من قصة: "ومرّ النهر من هنا"، وهي القصة الثانية في المجموعة: «يهاجم النهر المدينة بوحشية. يقتلع الأشجار. يغمر الأراضي. يجرف أمامه كل الأشياء. ثورة يعلنها النهر، ولا تستطيع قوة في هذا العالم اعتقاله. وأخيراً اعتقل.. يغادر المغمورون أراضيهم ويرحلون بعيداً، الوحل الأحمر يُغرق بقايا الأشياء، لزج في الحلق وبين الأصابع. تترك الأغنام والخيول مسكنها وتشق طريقها في طابور واحد صوب الشرق. أجراس الأكباش تصدر لحناً جنائزياً، الحقيقة دمار يا صديقي.. وسط الوحل تقف. ترى الخراب والدمار. نحيب نساء وصراخ أطفال. بلا شعور تنسل الخناجر من أغمدتها. من الأحزمة الجلدية شرعت المسدسات ترمي. "الدبابيس" والعصي. تطفو على سطحه براميل وأكياس. خراف وجثث مجهولة. سراويل وروث. جمدانات وعقل.. فتجثو على ركبتك وتنظر باتجاه شروق الشمس، ورغم ذلك تشعرون بالسعادة» هذا المقطع وغيره من مقاطع قصة "ومر النهر من هنا" مؤطر بين هلالين، دون إشارة لاقتباس، وكأن الكاتب اعتمد علامات ترقيم خاصة به!! مع تجاوزه على علامات الترقيم المتعارف عليها في غالبية الجمل المؤلف منها النص!! هذا في الإطار العام.

أما فيما يخص قراءتنا النقدية التي تأخذ باعتبارها بناء النص، فإن هذا المقطع يشير علانية إلى أن الوقوف على تفاصيل خصائص النص شبه متعذرة، فنظام الجملة الذي اعتمده الكاتب، جعل من كل جملة من جمل النص معزولة عمّا قبلها وبعدها، ثمة "سوريالية"، "ولست أدري إن كانت مقصودة أو جاءت بطريقة عبثية" مع العلم أنه لا يمكن الوقوف على آليات الكاتب في بناء النص ما لم نضع أيدينا على العلامات التي تربط بين الدال والمدلول من جهة، وموقع تلك الدوال في بنية النص، وإبراز وظائفها، يتعلق هذا التداخل بجزئيات بنية السرد، وشكله العام أيضاً!! إضافة للتمويه الذي تعرضت له معالم التعاقب الإشاري واللاإشاري، مما أدى إلى تداخل بنيوي أدى إلى تعدد قيم الملفوظ اللغوي، مع عدم تناسب نوعي بين تلك القيم، وقد تمثل ذلك في المتغيرات الأسلوبية غير الممنهجة، فالكاتب لم يعتمد أحادية اللغة اليومية، من منطلق اجتماعي، وليس من منطلق إبداعي أيضاً، فهو قد أخذ باعتباره اختراق المألوف ليس إلاّ - على ما يبدو- ذلك لأن مضمون الإيصال لم ينتظم بسياق، فالنظر إلى الكلام من خلال وظائفه يقتضي التناسب إما مع "المرسل" أو "المرسل إليه" أو "المُتحدث عنه"، بيد أنه يحق للكاتب أن ينطلق اعتباراً من أن كل نص يشكل وظيفته الخاصة، تلك الوظيفة التي ليس بالضرورة أن يدركها القارئ أو الناقد. وقد تكرر ذلك بأشكال مختلفة: «استبدل طه مهنته، وفي صندوق خشبي كبير راح يجمع ما يصنعه من مقاليع. لوحده يجدل الأطراف بمهارة. تشتبك الألوان وتتداخل، ومثلما يلتحم الإطار الحديدي بالدولاب الخشبي، تجدل الخيوط بقوة، تتحد من قاعدة وضع الحجارة إلى الأطراف لتشكل وحدة متماسكة، ينفذ إلى داخل قبوه نداء وتحد، صراخ وبكاء. سيارات تدور، تحوم في الشوارع، تلاحق كل الناس، وتمنع كل المهن".

إن أي متابع لهذا المقطع يكتشف أن الانتقال من وصف الطريقة التي يصنع بها المقلاع إلى الصراخ والبكاء والسيارات التي تدور إلى غير ذلك.. جاء من خارج السياق، هذا الاستقلال يدل أن في تلك الأدوات ما ليس في غيرها، بيد أن المشكلة ليست فيما نقول، ولكن في كيف نقول، لقد تجلى موقف السارد من الأشياء التي يتكلم عنها، والموقف الذي اتخذه منها، بدون روابط منطقية بينها وبين ما قبلها، مما أفقد الأسلوب خاصيته الأساسية التي هي النظام الذي تؤدي اللغة فيه وظائف مخصوصة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنظمة اللغة المتعددة.

لقد حاول القاص "بسام الحافظ" نقل وقائع وأحداث، وأسماء، ومهن، وقيم اجتماعية ونزعات فردية وجماعية، أو لنقل إنه حاول الانطلاق من البيئة المحيطة به، فنقل تفاصيله في متن قصص مجموعته "مكابدات أبي الطيب الزعلان"، ولكنه انشغل بهاجس القص أكثر مما اشتغل على فنية القص.