«ظلّت "الرقة" مدينة منذورة للخراب لسنوات طويلة، إلى أن بني فيها المخفر العثماني "القرة قول"، سنة /1863/م، والذي يعتبر النواة التأسيسية الأولى لمدينة "الرقة" الحديثة، ثم بدأت المدينة تتوسع شيئاً فشيئاً، فمن مسجد واحد إلى مسجدين،...

ومن مدرسة واحدة إلى عدّة مدارس، ثم بدأت شوارعها تأخذ سعة، وتزداد عدداً، ثم زادت على إثرها المسطحات الخضراء والحدائق، ومع ازدياد السكان، والتوسع العمراني الذي شهدته المدينة، باتت الحاجة ضرورية لأن تصبح "الرقة" محافظة، حيث تمكن ابنها الوزير السابق "حامد الخوجة" من المساهمة بجعلها محافظة، تحمل اسم محافظة "الرشيد"، وكان ذلك في مستهل عام /1958/م، ولم ينفذ قرار إحداثها محافظة إلاّ في عام /1960/م».

لقد ساعد على تكوين الريف الحديث شبكة متطورة من الطرق، وشبكات الإنارة الكهربائية، ونقلها إلى معظم القرى والتجمعات السكنية، وشبكات المياه التي غدت تروي معظم مناطق الريف، ومع بناء سد الفرات العظيم، وبعده سد "البعث"، والتوسع بمشاريع استصلاح الأراضي، وباستخدام المكننة الزراعية الحديثة ازداد الإنتاج ضمن وحدة المساحة، وأصبحت الدولة تسوّق المنتجات الزراعية من الفلاحين، خصوصاً منتجاتهم الأساسية، كالقطن والقمح والشعير والذرة الصفراء والشمندر السكري وغيره

هذا ما تحدث به لموقع eRaqqa بتاريخ 15/2/2010 الباحث "محمد العزو" في معرض حديثه حول تطور الرقة منذ وضع النواة الأولى لبعثها من جديد، من خلال بناء المخفر العثماني.

الرقة في نهاية ثمانيينات القرن العشرين

وحول التطور السياسي والاجتماعي في "الرقة"، تحدث لموقعنا الباحث الأستاذ "محمد عبد الحميد الحمد"، قائلاً: «في عام /1960/ أصبحت "الرقة" محافظة، وبلغ مقدار السكان آنذاك حوالي /13/ ألف نسمة، وكانت بداية الوعي السياسي على أثر نكبة فلسطين عام /1948/، وقامت أحزاب في المدن السورية، أحزاب ردة فعل على الأوضاع المختلفة سياسياً واقتصادياً، ونقل ذلك الفكر السياسي الطلاب الذين كانوا يدرسون في "حلب" و"دمشق" ودير الزور". وكانت البداية في حركة القوميين العرب المتمثلة بفكر "مصطفى الإبراهيم الكعكة جي"، ولكن لم تجد تلك الدعوة لها آذاناً مصغية، فتلاشت دون أن تترك أثراً. ثم تلاه الفكر الديني، والفكر البعثي، والفكر الشيوعي.

بدأت البنية الاجتماعية تتغير عندما تحسنت حالة الفلاح، وتغير معها الوعي الثقافي والسياسي ضمن علاقات الإنتاج الضعيفة، وبدأت الدولة تحاول الهيمنة على الحياة السياسية بالترغيب والترهيب، وخف نفوذ شيوخ العشائر، وتكونت في "حلب" و"دمشق" الأحزاب الوطنية، وانتخب أول برلمان في سورية عام /1928/، وانتخب فيه من "الرقة" كل من "مجحم بن مهيد" ممثلاً للبادية، و"عبيد آغا الكعكة جي" و"حامد الخوجة" عن المدينة، و"مجحم البشر الهويدي" و"أنور الراكان" عن الريف.

الباحث محمد عبد الحميد الحمد

وأعيد انتخابهم في سنة /1932/م، وساهموا في وضع دستور للبلاد، وانتخبوا "محمد علي العابد" رئيساً للجمهورية، وفي هذه المرحلة شاعت قيم "براغماتية" تحاول قطع صلتها بالقيم القديمة المتوارثة، القائمة على الفكر الديني السلفي، وبدأ صراع بين الفكر القومي، والفكر العشائري والفئوي وبعد عام /1942/، بدأ نمو المدينة الفعلي عندما بنى الإنكليز جسر "الرقة" القديم، وصار قضاء "الرقة" أكثر صلة بالعالم، أعني المدن السورية "حلب" و"حمص" و"دمشق" و"دير الزور"، وظهرت السلع الغربية التي بدأت تنفي السلع المحلية من السوق، وحدثت منافسة بين الصناعات الوطنية والغربية، وتحسنت صناعتنا الوطنية نوعاً ما، إلا أنها ظلت دون مستوى المنافسة، لعدم وجود رؤوس أموال حرة، وقوة عمل وخبرة حرة، وصارت السيطرة للوسطاء الذين حملوا المواد الأولية غير المصنعة، مثل القطن والصوف والحرير والجلود وغيرها إلى الأسواق الأوربية».

ويتابع "الحمد" في السياق ذاته، قائلاً: «بعد عام /1946/ بعد إنجاز الاستقلال التام لسورية، ازدهرت الزراعة ونمت التجارة وبدأت تتكون صناعات وطنية، وتحسنت أحوال الناس المعاشية، وخلال تلك الفترة وما قبلها بقليل لم يلحظ الناس أي متسول في أزقة البلدة وسوقها الرئيسي ما عدا "أعور العالج"، الذي كان ينادي بأعلى صوته "لولا محمد ما عمرت الرقة، ويا غير الله ما يبقى حدا، قرش من مال الله". ويسمع أحياناً صوت "فطيم الحصاد" الناعم، وهي تردد: "يا من يبدلي ها الفتية الصغيرة بفتية كبيرة، وين ابن الحلال؟".

متحف الرقة سابقاً المخفر والسرايا القديمة

حدثت هزة اقتصادية عنيفة عام /1952/ على أثر ظهور الدودة في محصول القطن، قضت على فائض الرفاهية التي جناها الفلاح، مما استدعى جهوداً حكومية وشعبية مكثفة أدت إلى تطور الزراعة من حيث التوسع في المساحة، وتحسين البذور والمكافحة».

وعن الهجرات التي وفدت إلى "الرقة" في منتصف خمسينيات القرن العشرين، يقول "الحمد": «في عهد الاستقلال جاءتنا هجرات داخلية من المدن السورية الأخرى وزاد عدد السكان، وفي عام /1960/ أصبحت الرقة محافظة، ولكنها رغم ذلك ظلت مدينة صغيرة، لا يزيد عدد سكانها عن /13/ ألف نسمة، وفي مطلع ثورة الثامن من آذار وبعد التحولات الاجتماعية والاقتصادية الهامة ازداد حجم المدينة، وبعد قيام الحركة التصحيحية، وبناء "سد الفرات" العظيم تبدلت شروط العمل والحياة في الريف بشكل جذري، وأصدرت القوانين والمراسيم، التي غيّرت شكل العلاقات الزراعية في الريف، وبنيت مزارع "حوض الفرات" في المشروع "الرائد" الذي شمل مدينة "الرقة"، والبلدان التابعة لها، وحدث تغيير شامل، وأصبحت الرقة تنمو بوتائر عالية، بل إن مستقبل سورية التقدمي والاشتراكي صار يرصد من خلال المشاريع المستقبلية في مدينة "الرقة"».

ويتابع "الحمد" حديثه حول الهجرات الجديدة، قائلاً: «كان تعداد "الرقة" في عام /1950/ حوالي أربعة آلاف نسمة، وفي عام /1951/ هاجرت إلى "الرقة" جالية من بلدة "تادف" على أثر الصقيع الذي عم بلادهم، والحقيقة أن سبب الهجرة يعود إلى هجرة اليهود إلى فلسطين، الذي أضر كثيراً بالحالة الاقتصادية والتجارية هناك، وعلى أثر هجرة "التوادفة" زاد النشاط التجاري، في شارع "القوتلي"، ثم تحول النشاط التجاري إلى شارع "تل أبيض"، شارع "القنيطرة" حالياً، وزاد النسيج العمراني داخل السوق وخارجه، وكان المهاجرون الجدد يحملون معهم نفس الثقافة الموجودة في مدينة "الرقة"، لذا لم يحركوا الوعي السياسي، كما حركوا السوق التجارية، ومن تلك العائلات التادفية، عائلة "العبود" و"النجار" و"الحداد"، و"النمر"، و"الناشف" و"العوض"، و"الزنة" و"الرزوق" و"السلوم" و"الدالاتي"، و"العبيد".

ومن العائلات التي وفدت إلى "الرقة"، من مدينة "الباب"، عائلة "النعساني" و"الحيون" و"الشامي" و"الدراوشة". ومن العائلات "البزاعية" عائلة "العاروني"، ومن "أخترين" عائلة "الزينو" و"الأشقر"، ومن "صوران" عائلة "الخبيصة" و"الحمشو" و"المنصور".

ومن ريف "دير الزور" جاءت عائلات كثيرة من "البوسرايا" كـ"العفيشات" و"البو عزام" وغيرهم.

ومن "السخنة" جاءت عائلات من "بني خلف"، و"بني عفي"، و"بني غنيمة"، و"بني عيبان" وغيرهم، وكانت قد سبقتهم هجرة من "السخنة" إلى "الرقة"، شملت عدداً من "بني رحمة"، و"الخطيب". ومن "سفيرة" جاءت عائلات "السلطان"، و"الشهاب" و"الهنادة"».

ويختتم "الحمد" حديثه حول التطور في ريف "الرقة" قائلاً: «لقد ساعد على تكوين الريف الحديث شبكة متطورة من الطرق، وشبكات الإنارة الكهربائية، ونقلها إلى معظم القرى والتجمعات السكنية، وشبكات المياه التي غدت تروي معظم مناطق الريف، ومع بناء سد الفرات العظيم، وبعده سد "البعث"، والتوسع بمشاريع استصلاح الأراضي، وباستخدام المكننة الزراعية الحديثة ازداد الإنتاج ضمن وحدة المساحة، وأصبحت الدولة تسوّق المنتجات الزراعية من الفلاحين، خصوصاً منتجاتهم الأساسية، كالقطن والقمح والشعير والذرة الصفراء والشمندر السكري وغيره».