"ياسر اسكيف" شاعر انتقل بحساسيته بين شعر التفعيلة وقصيدة النثر، وهو ناقد نهل من مدارس فنية عدة ليعيد نثر نصوص زملائه مصبوغةً بنقد يميز قلمه.

مدونة وطن eSyria التقت الشعر بتاريخ3/5/2013/ وكان الحوار التالي:

ياسر شاعر مهم لكن بصمته النقدية أهم نظرا لغياب النقد عن الساحة الثقافية السورية خلال العشرين عاما الماضية، شعريا أكثر أعماله بقصيدة التفعيلة ومنجزها عنده شبه مكتمل، لكن حساسيته انتقلت بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وهو شاعر يلامس طزاجة اللحظة في نصوصه

  • حدثنا عن بداياتك مع النثر؟
  • "ياسر اسكيف" في احدى أمسياته الشعرية

    ** لم يكن الاتجاه إلى كتابة قصيدة النثر خيارا , بمعنى أنه لم يكن قرارا إراديّا , بعد مجموعتين شعريتين تنتميان إلى النمط المُفعّل ( خطوة ويضيق الفضاء – اتحاد الكتاب العرب – دمشق 1990 , حجر يستند إلى بنفسجة – اتحاد الكتاب – 2001 ) بل كان تحوّلا تلقائيا, أظنه حدث كترميم لثغرة بدأت تحدثها قصيدة التفعيلة في بنيتي الجمالية, وكانت تتجلى في عدم المقدرة على قبول الكم الهائل من الفبركة الذي تنطوي عليه, أقصد تماما التصنيع الذي قد يذهب بالتجربة الشعورية بعيدا عن حرارتها وحيويتها, أو لنقل طزاجتها.

    كما أن الإيقاع يستجرّ أية حالة شعورية إلى التصندق وفق مقاييس سابقة, وأقصد بها الوحدات الزمنية التي يعنيها الوزن الإيقاعي, وهذا لا يمكنه بحال من الأحوال أن يجعل من قصيدة التفعيلة بمنأى عن عمليات القص واللصق, الحذف والإضافة, الإضاءة والتعتيم, بحيث يأتي النص كهندسة للحظة الشعورية التي لا يمكن الحكم عليها بميزان، وما يمكن إضافته على ما سبق من أسباب, قد تكون عوامل ومؤثرات, هو تبدّل وتغيّر في أشكال الانفعال , تلك التي ترتبط أيما ارتباط بالبعد الثقافي الذي تراكمه التجربة الحياتية مدعومة بثقافة تلق.

    ياسر شاباً

  • إلى ماذا ترجع كثرة شعراء النثر في أيامنا هذه؟
  • ** قصيدة النثر تخلّصت منذ زمن بعيد من كونها إرادة فنيّة ساعية إلى التحقق, وباتت تعبيرا عن حساسية تجذّرت في الواقع الأدبي, كما في الواقع الفني، بل ويمكنني القول بأن ذاتا نثرية بدأت بالتشكل, وبالتالي فكثرة الذين يكتبون قصيدة النثر هو مؤشر على مدى حضور الذات النثرية في حياتنا, وهذا أمر طبيعي تماما, ولا علاقة للأمر بالسهولة, أو بالصعوبة, إنما بحضور هذه الذات بأشكال تعبيرية .

  • لماذا لم يعد هناك أسماء رنانة في الشعر، ولم يعد للشعر هذا التأثير على الرأي العام ؟
  • ** النص الجديد قد سبق كاتبه, وأقصد النص الشعري, بحيث أن الكتابة الجديدة قد دفعت بنصها إلى أقصى حدود بلاغتها ( مُفرداتها وعناصرها) وبات اللحاق بهذا النص مجرّد تكرار ينغّص على المتعة التي حدثت ذات مرّة . وبات الشاعر الظاهرة بانتظار الضرورة التاريخية التي حدثت هي الأخرى ذات مرّة . تلك الضرورة التي تمثّلت بالشاعر الذي التقط حساسية مرحلته الجديدة وذهب في إضاءتها إلى درجة الكمال . وهذه الإجابة , لمن يرغب بالمزيد , هي خاتمة دراسة نشرتها عن ذات الموضوع ( لماذا نفتقد الشاعر الطفرة \ نزار قباني, أدونيس , محمد الماغوط , ثمّ توقف العدّ - أبواب " ملحق صحيفة تشرين الثقافي " 12 /12/2010 )

  • في نصوصك يبدو التأثر واضحا بالانتظار, ما الذي تنتظره نثرا ؟
  • ** الانتظار هو أثر وليس مؤثر, وبالتالي لا يصحّ التأثر به في النص أو في غيره ، وما يمكنني قوله إنني بالفعل من الكائنات المؤجلة, وما أكثرها في مناخ من انعدام أي شرط للحريّة وأغلب الانتظار الذي أعيشه هو نوع من تشييع الأمل . نعم أنا من قال في عنوان واحد من نصوصه ( بشفرة الإنصاف أقطع وريد الأمل ) وبهذا المعنى أنتظر, وأحتفل بخيبتي، وأما عن الذي أنتظره نثرا فهو ذاته الذي أنتظره شعرا وعيشا : أن تكتمل الخيبة .

  • تتحدّث كثيرا عن جراح الحب لدرجة تبدو كأنك مُثقل بها , فهل نصوصك تنفيسيّة لجراح الحب في داخلك ؟
  • ** أعود ثانية إلى الخيبة. والخيبة دوما هي التحقق في درجة دون مستوى المأمول . ولأن النص الشعري , بطريقة ما, هو إعادة إنتاج لغوية للتجربة فمن الطبيعي أن يزدحم بمجرياتها, وبالتالي إشاعة مناخها، وما ترى أنه تنفيس عن جراح إنما هو في الحقيقة ناتج عن أن النص الشعري في حالات كثيرة كُتب لقارئ بعينه .

    الشاعر والنحات "أحمد اسكندر سليمان" قال عنه: «انه صاحب تجربة مهمة للغاية على مستويين، المستوى الشعري والنقدي، وهي تجربة مختمرة جداً شعرياً ونقدياً. شعرياً مر بأكثر من مرحلة وانتقل من قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر واستطاع أن يضخ بقصيدة النثر روح التفعيلة وهي مسألة مهمة خصوصاً وأن المتلقي الذي نعيش بمحيطه عبارة عن كائن صوتي مأثور بغنى صوتية وبالتالي بهذه الطريقة نجح في الحيازة على استماع واهتمام المتلقي. وهو لم يعمل على مسألة الانتشار كشاعر وإنما عمل على انتشاره كناقد ويصح وصف صوته النقدي على أنه ينتقي مجموعة مفاهيم من مدارس فنية عديدة وهذا يسمى بالغرب المدرسة التلفيقية التي تأخذ أفكارها من مصادر عديدة جداً وتنسق نسيجها الخاص، وهو بذلك ينتمي إلى مدرسة ما بعد الحداثة التي تؤمن بثقافة الحوار بين مدارس عديدة وأزمنة عديدة وأفكار وتحاول أن تنتقي منها وهذا ما يحاول أن يعمل عليه "ياسر" ويبرع في ذلك».

    القاص "طارق سلمان" أضاف: «لا تتوه مع نبرة صوته، عندما تسمع شعره أو عندما تتلقاه في أمسيته بل تغوص، مع حفيف كلمات سهلة مفعمة بالمعنى يتخللها الضوء وتكتسي باللذة، بين سطور شعرية مفعمة بمشاعر مختلطة بين الشاعر وذاته المبدعة، هنا فقط تستطيع الفصل بين ياسر الشاعر وياسر الناقد الذي يتصدى لنصوص شقت طريقها إلى مساحات الضوء ليقتنص من تفاصيلها، مكامن المعنى، ويعيدها نثرا مصبوغا بنقد يميز قلمه. ولعل إعطاءه القارئ شخصية مستقلة متحيزة لآرائه في العملية النقدية لا تكاد تراها في نصوصه التي يقحمك بداخلها كجزء من مكنونات العمل الأدبي فيصوغك فيها حدثا، ويجعل من تفاعلك مع مشاعر ذاته الشعرية، قصة تحكي نفسها بين تفتح الصور والعبارات عن معان متوالدة وجديدة».

    الشاعر "حسين عجيب" قال: «ياسر شاعر مهم لكن بصمته النقدية أهم نظرا لغياب النقد عن الساحة الثقافية السورية خلال العشرين عاما الماضية، شعريا أكثر أعماله بقصيدة التفعيلة ومنجزها عنده شبه مكتمل، لكن حساسيته انتقلت بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وهو شاعر يلامس طزاجة اللحظة في نصوصه».

    يذكر أن " ياسر اسكيف" من مواليد حمانا 1959 ويحمل إجازة في العلوم الطبيعية اختصاص " شعبة كيميائية حيوية " من جامعة تشرين – نشر شعرا : "خطوة ويضيق الفضاء" اتحاد الكتاب العرب – دمشق 1990، و "حجر يستند إلى بنفسجة"، اتحاد الكتاب – دمشق 2001، و" فراغ تفاحة لا أكثر"– إصدار خاص 2005، "وهذا من أخطائي أيضا" دار ليندا –السويداء 2011.

    وفي مجال الدراسة الأدبية نشر "الحداثة المعطوبة والسلالات القلقة" دار الطليعة الجديدة – دمشق 2006، و"الوجود القلِق والذات التائهة" دار ليندا 2011، إضافة إلى مجموعة من الدراسات والمقالات المنشورة في بعض الصحف السورية والعربية .