هو جزء من حكايات أهل اللاذقية القدماء الملأى بقصص البحر والترقب والمتصوفين الذين يتركون بلادهم ويحطون رحالهم فيها ولا يلبثون أن يصبحوا جزءاً من طقوس أهلها.
"العصافيري" هو واحد من هؤلاء المتصوفة الذين حطوا رحالهم في اللاذقية قبل قرون وعاش ودفن فيها، وللاطلاع على تاريخ هذا المتصوف التقت مدونة وطن eSyria السيد "محمد بقجة" من أهالي المدينة بتاريخ 17/1/2013 فحدثنا عن تاريخ هذا المتصوف بالقول: «حتى منتصف القرن الفائت كان يزار مقام العصافيري من قبل كل أهالي اللاذقية بمختلف مشاربهم، وقد كان مقامه على شاطئ البحر حيث يقبع الآن مقهى العصافيري، ولا يزال قبره في غرفة ملحقة بالمقهى يمكن لمن يشاء أن يزوره».
إن بعض أهل المدينة كان يرى الرجل جالساً على صخرته متأملاً البحر في هيجانه ميمماً وجهه صوب أمواجه منتظراً رجوع محبوبته التي تركها صغيرة في قاع البحر، وهي رواية أكد تواترها الباحث هاشم عثمان أيضاً
يتابع: «نعرف من كبار السن في المدينة أن اسم الرجل كان "محمد" وقد قدم من بلاد بعيدة يقال لها بلاد العصافير، وقد قضى شطراً كبيراً من حياته على صخرة كانت متوضعة مكان نادي الضباط حالياً، حيث كان الرجل يقضي سحابة يومه عليها متأملاً في البحر، كما كان الرجل من أطيب الشيوخ الذين عرفتهم المدينة».
هذه المعلومات الشفهية أكد تواترها الباحث "هاشم عثمان" الذي يضيف قائلاً: «في أواخر العهد العثماني وفد إلى المدينة رجل لطيف الشكل ودقيق الجسم يعيش على عطاءات الناس ويرافق القوافل في حلها وترحالها فيسبقهم إلى مبتغاهم، فاعتقد الناس أنه من أصحاب القوى الخفية فهرعوا إليه ليتبركوا به فكان يرقي أطفالهم من المرضى ويدق على ظهور الحبالى من النساء ليتطهرن به وينجبن الذكور».
أما سبب تسميته "العصافيري" فيضيف الباحث "عثمان": « لقبه الناس بالعصافيري لأحد سببين الأول ربما لأنه كان خفيف الحركة وينتقل من مكان لآخر بسرعة فائقة، وفي ذلك تذكر رواية شعبية مفادها أن بعض البحارة وكانوا يبحرون من طرابلس (لبنان حالياً) باتجاه اللاذقية فرأوه هناك جالساً على صخرة فطلبوا منه مرافقتهم فرفض وحذرهم من مغبة السفر لأن البحر اليوم غير "راض" فلم يستجيبوا لقوله وحين هبطوا على شاطئ اللاذقية بعد سفرهم وجدوه جالساً على صخرته المعهودة في نفس مكان مدفنه حالياً.
أما السبب الثاني: كما أنه كان يعتقد أنه من بلاد العصافير وهي صفة تطلق على بلاد الأفغان أو الباكستان حالياً وليس في المراجع التاريخية ما يؤكد هذه الصفة لتلك البلاد البعيدة».
رواية أخرى رواها لنا السيد "بقجة" تقول: «إن بعض أهل المدينة كان يرى الرجل جالساً على صخرته متأملاً البحر في هيجانه ميمماً وجهه صوب أمواجه منتظراً رجوع محبوبته التي تركها صغيرة في قاع البحر، وهي رواية أكد تواترها الباحث هاشم عثمان أيضاً».
يضيف الباحث "عثمان": «اتفق جميع البحاثة على أن اسم الرجل محمداً وأنه كان عربياً من جزيرة أرواد ودليل ذلك أنه لم يتكلم بغير العربية، وقد عرف بالدرويش وكان يتنقل في المدينة بين بيت زيادة في الشيخ ضاهر وبيت الشيخ إبراهيم خلاص الكائن في شارع الدمياطي القوتلي حالياً».
ويشير الباحث "هاشم عثمان" إلى أن الرجل توفي بحدود عام 1898 وفق العديد من الأقوال ودفن على الشاطئ في المكان الذي اعتاد الجلوس عليه طوال سنوات: «فقد قام الناس بعد ذلك بسنوات وبنوا له قبراً وقبة كانت تطل مباشرة على البحر حتى إنشاء مرفأ اللاذقية، وظلوا يزورونه ليتبركوا بمقامه وقد أقيمت خيمة قصبية لخدمة الناس الذين كانوا يزورونه لم تلبث أن تحولت إلى المقهى المعروف حالياً باسمه عام 1958».
يضيف: «خلال الانتداب الفرنسي حاول أحد الضباط الفرنسيين إزالة المقام من مكانه فلم ينجح وتذكر رواية شعبية أن الولي محمد جاءه في المنام ووضع سكيناً على رقبة ذلك الضابط وهدده بقتله إن حاول لمس قبره، فارتعب الأخير وأقلع عن الفكرة وأوقف للمقام من يقوم بخدمته وصرف عليه راتباً شهرياً».
اليوم ينام الولي الطاهر في غرفة صغيرة ملحقة بمقهى العصافيري الذي حمل اسمه حيث يتردد السؤال دائماً من هو هذا الرجل؟
