حين كان الإنسان يعيش في ظلّ غياب للقواعد القانونية التي تنظم حياة الجماعات البشرية، وجدت قواعد متفق عليها ومعروفة من قبل الجميع، بغية حل الخلافات الناشئة، وهي ملزمة له في حل أي خلاف ينشأ، وتطبق على الجميع دون استثناء.
وهذه القواعد هي "العرف"، التي احتلت مكانة عالية حتى قيل المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، وفي كتابه "قبائل بادية حلب وحماة" يقول "تركي فرحان المصطفى": «اشتهرت عائلة عريقة في منطقة دراستي بالقضاء العرفي هي عائلة "المر"، التي تنتمي إلى قبيلة "الموالي الشماليين"، وهم يتوارثون القضاء أباً عن جد، وأشهرهم "أحمد المر" وابنه "علي"، والمرحوم "محمد علي المر" و"حسين علي المر" والعميد الركن المتقاعد "عبد الرزاق علي المر" وتعتبر هذه العائلة بمثابة محكمة استئناف عند اختلاف المتخاصمين».
لا بد أن تتوافر في العارفة الجيد عدّة صفات أهمها الخبرة المتوارثة عن الأجداد، والثقافة العالية القانونية والتشريعية والعرفية، والذكاء والفراسة والفطنة والنزاهة، وعدم التأثر بالآخرين
ولاشتهار هذه العائلة بالقضاء العرفي منذ أكثر من قرن ونيف، قصدنا مضافة الشيخ "عبد الرزاق علي المر"، شيخ عشيرة "الدواونة" في قريته "أم جلال" على بعد خمسة وثلاثين كيلومتراً جنوب شرق "معرة النعمان"، ليحدّثنا عن هذا الموضوع بقوله: « قبل ظهور الإسلام كان "العرف" هو المصدر الوحيد للتشريع عند العرب، وبعد انتشار الإسلام أصبح القرآن الكريم والسنة النبوية المصدرين الرئيسيين للتشريع في الدولة الإسلامية، ولكنهما لم يلغيا دور "العرف" في كثير من المسائل، وبعد ضعف الدولة الإسلامية، وتعرض العرب للغزو والاحتلال وفساد القضاة، عاد الناس للعرف، لأنّهم وجدوا فيه الوسيلة الأضمن والأسرع للحصول على حقوقهم، وقد حفظ بعض النبهاء هذه الأعراف، وورثوها لأحفادهم، أمثال جدي الشيخ العارفة "أحمد سلوم المر" العارفة الأول في سورية وقتها، والذي ورث العرف عن أبيه وأجداده، فأصبح "آل المر" بيت العرف ومجمع الأعراف، وقد ساهموا في حل الكثير من المشاكل المستعصية بين العشائر، وأشهر ما يذكر لـ"أحمد المر" وساطته لعقد صلح بين الفرنسيين وقبيلة الموالي، وبعد وفاته خلفه أبي "علي أحمد المر" الذي تميز بالذكاء والفطنة منذ حداثة سنه، حتى إنّ الحكومة عينته قاضياً لمحكمة العشائر في "معرة النعمان" لمدّة أربعة عشر عاماً، وكان يُطلب من جميع أنحاء سورية والدول المجاورة لحل خلافات العشائر، حتى صار مضرب المثل حيث يقال: "خالصة من عند المر"، وخلفه أحد أبنائه وهو أخي الشيخ "محمد علي المر" وأخذت الحلول على يده نمطاً جديداً، فكان يقول أنسج حلولي على ثلاث: الشريعة الإسلامية والقانون والعرف».
وعن أسس وآلية القضاء العشائري يضيف: «يقوم الحل العشائري على عدّة أسس: يجب حضور الطرفين المتخاصمين إلى منزل "العارفة" أي القاضي، أو مكان يحدد بالاتفاق المسبق، ويجب تواجد الشهود للقضية، ومن يلزم غيرهم من محكمين فرعيين، ولبّاسي عباءة، ومن يلزم للدخل، ثم يتم أخذ سند تحكيم يقر بموافقة الطرفين على نطق العارفة، بعدها يتحدث الطرف الأول المدعي ولا يقاطعه أحد، ثم يتحدث الطرف الثاني المدعى عليه ولا يقاطعه أحد، ولكن يحق للعارفة أن يقاطع باستفسارات لكشف جوانب القضية، بعدها يدلي الشهود بأقوالهم، وفي حال عدم توافر شهود يطلب اليمين من الجهة التي يحددها العارفة، شخصين أو أكثر، ويصدق إيمانهم بحلفان الأقارب، وعلى أساس أقوال الطرفين والشهود، وبذكاء وفطنة العارفة، يتم اتخاذ الحكم العدل».
ويعدد أهم الصفات التي لا بد أن تتوافر في "العارفة" بالقول: «لا بد أن تتوافر في العارفة الجيد عدّة صفات أهمها الخبرة المتوارثة عن الأجداد، والثقافة العالية القانونية والتشريعية والعرفية، والذكاء والفراسة والفطنة والنزاهة، وعدم التأثر بالآخرين».
وأكد الشيخ "عبد الرزاق المر" أنّ «للحل العشائري إيجابيات عديدة منها حسم الخلاف بجلسة واحدة أو جلستين، وتوفير الدم والمال على المتخاصمين، بمعنى كلما طالت المشكلة ولم تحل تتسبب بمشاكل إضافية، إلى جانب توفير المال الذي يصرف على الوساطات والسماسرة، وكلما كان الحل عادلاً وواقعياً، زادت قناعة الأطراف بصحة الحل، والثقة بالعارفة، وعندها فقط يسود المجتمع العشائري التفاهم والتحابب والطمأنينة».
نشير إلى أنه من الأسماء اللامعة في مجال العرف العشائري، المرحوم "عبدو الأسعد" شيخ عشيرة "الهيب"، و"صالح العيسى الشميل" عند "الحديديين"، والمرحوم "عبد الله الحسين" من "بني عز"، والمرحوم "علي الشلاش" وابنه "فواز" من "المشارفة"، ومن "المعاطة" "جاسم السليم".
