دون كل أسواق مدينة "القامشلي" يتميز سوق "العراصة" برائحة السلع الخاصة به؛ فقبل الدخول إلى عمق السوق بعشرات الأمتار؛ فإن مشهد حبات الزيتون وأكوام التمر تجذب المارة إليه حتى لو لم يكن لهم أية حاجة، ولكنه مع ذلك يعتبر من الأسواق غير المرغوب بها من قبل النساء.
eSyria وبتاريخ 26/1/2012م زار المكان وأجرى اللقاءات التالية، وبدأ مع السيد "محسن عبد الرحيم" التقيناه في سوق "العراصة" وهو يشتري بعض الألبان والأجبان وعند السؤال عن سبب تواجده في المكان أجاب: «تعوّدتُ المجيء لهذا السوق كل يومين أو ثلاثة أيام لأشتري لبناً طازجاً وبعض الجبن البلدي؛ فانا أتردد على محلات بيع الألبان منذ عشرة أعوام، هنا بإمكان المرء الحصول على اللبن الذي يريد؛ إن كان لبن البقر أو الغنم أو حتى الماعز وجميعها طازجة؛ فالقرويون يأتون بمنتجات مواشيهم كل صباح من ريف المدينة لبيعها لأصحاب المحلات وهم بدورهم يبيعونها للزبائن».
لدي محل لبيع الأقمشة في السوق المقابل وفي كل صباح لا بد أن أتناول وجبة الإفطار في هذا المقهى الموجود ضمن "العراصة" الذي يقدم وجبة إفطار خفيفة مؤلفة من القشطة والشاي وبعض الجبن البلدي
أما السيد "عثمان إبراهيم" له مع هذا السوق موعد في كل صباح؛ يقول: «لدي محل لبيع الأقمشة في السوق المقابل وفي كل صباح لا بد أن أتناول وجبة الإفطار في هذا المقهى الموجود ضمن "العراصة" الذي يقدم وجبة إفطار خفيفة مؤلفة من القشطة والشاي وبعض الجبن البلدي».
ما يلفت الانتباه في هذا المكان الذي يجمع العديد من المحلات هو قلة ارتياد النساء إليه؛ وعن سبب ذلك أجابنا صاحب أحد متاجر بيع المواد الغذائية ويدعى "سليم محمد" بالقول: «لا يوجد في هذا المكان ما يجذب المرأة؛ فأغلب المحلات الموجودة تبيع المواد الغذائية بجميع أنواعها والمخللات والزيتون وبعضها مخصّص لبيع الألبان والأجبان والبعض الآخر لبيع أكياس النايلون بجميع استخداماتها كذلك الأطباق والكؤوس السفرية المصنوعة من الكرتون والبلاستيك، هناك أيضاً مقهى صغير يقدم المشروبات الساخنة ووجبات خفيفة، وكل هذه السلع يشتريها رب الأسرة ونادراً ما ترى امرأة تقصد المكان إلا للضرورة».
البائع "مصطفى الشيخ علي" صاحب أكبر محل في "العراصة" يقول: «أكثر السلع رواجاً في هذا السوق هي المواد الغذائية الخفيفة التي يستهلكها الناس في وجبات الفطور والعشاء؛ مثل الزيتون والأجبان والألبان وكافة أنواع المربيات والحلاوة والمعلبات الأخرى، أما بالنسبة للسلع التي أبيعها في محلي فأكثر بضاعة أتعامل معها هي الزيتون بكافة أصنافه حيث أشتريه بكمياتٍ كبيرة في موسم القطاف من أسواق "إدلب وحلب" ثم أكبسه في أوعية كبيرة وأُخزنه في المستودعات حتى يأتي موسم البيع، كذلك أبيع التمر ودبس البندورة المصنوع محلياً والمخلل بأنواعه».
بائع آخر ويدعى "محمود العلي" شاركنا الحديث بالقول: «على الرغم من السلع المختلفة الموجودة في هذا السوق إلا أن عمليات البيع باتت مرتبطة بمواسم محددة؛ فمثلاً السلع الموجودة التي ذكرها رفاقي هي ثابتة لا تتغير؛ أما في المواسم الأخرى على مدار العام فيكون هناك منتجات أخرى تُعرض هنا في "العراصة" فمثلاً قبل عيدَي الفطر والأضحى هنالك سلع خاصة بهاتين المناسبتين كالسكاكر والمعجنات؛ أما في شهر رمضان فتباع المواد الغذائية التي يزداد الطلب عليها في ذلك الشهر كالتمر والقمردين والعصائر بأنواعها والتمر هندي والسوس؛ أما في أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية فلها أيضاً نصيب في هذا السوق الصغير».
"العراصة" هكذا كان اسمها منذ بداية تشييدها قبل أكثر من نصف قرن؛ حيث تحدث عن تاريخ هذا السوق السيد "زكي آحو" أقدم بائع ويبلغ من العمر /68/ سنة قائلاً: «تحتل "العراصة" مكاناً حيوياً في مركز مدينة "القامشلي" حيث تُحيط بها أغلب أسواق المدينة مثل سوق "الصاغة" و"الحذائين" و"المركزي" وسوق "الخجا" و"التهريب" وسوق "الدجاج والطيور" عدا ذلك فهي صلة الوصل بين جميع الأسواق التي ذكرتها، تتميز "العراصة" بأنها تتربع على مساحةٍ تجمع كافة محلاتها تحت سقفٍ واحد والتي تبلغ نحو /150/ محلاً، لم تكن تلك المحلات في الماضي وبالتحديد عام /1930/م سوى بسطات صغيرة يبيع أصحابها جميع أنواع الخضروات التي يأتي بها المزارعون من القرى المجاورة لبيعها في ذلك المكان؛ بعدها تكفّلت امرأة فرنسية على نفقتها عام /1937/م ببناء محلات من الطين والقش وتم وضع صفائح من التوتياء لحمايتها من الظروف الجوية في كافة فصول السنة، تم إنشاء سقفٍ ضخم وعالي على شكل قُبب مثلثية لا تزال على حالها حتى اليوم، أما المحلات فقام أصحابها بتشييدها من جديد وفق الطراز الحديث من الإسمنت والبلوك كما هي عليها الآن».
وعن نوع البضاعة التي كانت تباع في الماضي يتابع "آحو": «لم تكن هناك أنواع كثيرة من البضاعة التي كانت تباع إلا الخضراوات والتمر والزيتون وبعض الألبان والبيض البلدي الذي كان يجلبه القرويون، لكن فيما بعد انتقل باعة الخضار إلى سوقٍ آخر لتصبح "العراصة" مخصّصة لبيع الزيتون والأجبان والألبان والمربيات ومختلف أنواع المونة».
